في ظل تزايد الاهتمام العالمي بقضايا الأمن الغذائي واستقرار سلاسل الإمداد، أصدرت الصين مطلع فبراير من هذا العام وثيقتها الإطارية بشأن الزراعة والتنمية الريفية لعام 2026، المعروفة بـ«الوثيقة المركزية رقم واحد»، والتي أكدت من خلالها التزامها بتحديث الزراعة والمناطق الريفية والدفع بالنهوض الريفي الشامل. وتمثل هذه الوثيقة إعلانًا واضحًا عن مسار الصين المستقبلي؛ ففي مرحلة تتصاعد فيها حالة عدم اليقين في البيئة الخارجية، تظل قضايا الزراعة والريف والمزارعين ركائز أساسية في الاستراتيجية الوطنية الطويلة الأمد.
وعلى خلاف الرؤية التي تختزل العصرنة في التوسع الحضري والصناعات المتقدمة، تكشف هذه الوثيقة عن مسار آخر للعصرنة على الطريقة الصينية. فهي لا تجعل سرعة النمو غاية بحد ذاتها، بل تركز على بناء القدرات؛ ولا تعتمد على محفزات قصيرة الأجل، بل تنظر إلى الصمود والاستدامة على المدى الطويل. ومن خلال الصياغات والسياسات المطروحة، يتضح أن العمل المتعلق بقضايا «الزراعة والريف والمزارعين» قد دخل مرحلة جديدة، انتقل فيها من معالجة أوجه النقص التاريخية إلى الدفع الشامل نحو عصرنة منهجية ومتكاملة.
ولا يزال الأمن الغذائي يشكل الدعامة الأساسية لهذا التوجه، غير أن مضمونه بات أكثر عمقًا. فبرغم سنوات الحصاد الوفير المتتالية، تدرك الحكومة الصينية بوضوح أن توازن العرض والطلب يتطلب تعزيزًا مستمرًا، وتؤكد أن مسؤولية ضمان إمدادات الغذاء يجب أن تبقى ثابتة دون أي تراخٍ. ومن خلال حماية صارمة للأراضي الزراعية، وتعزيز الدعم العلمي والتقني، وتحسين منظومة الوقاية من الكوارث وغيرها من الإجراءات الشاملة، تسعى الصين إلى بناء قدرة امداد طويلة الأمد في مواجهة التغيرات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية، لا مجرد وفرة مؤقتة في الإنتاج.
كما تضع الوثيقة مسألة «زيادة دخل المزارعين» في موقع بارز. وعلى عكس أوضاع تعاني فيها بعض الدول من ضعف محركات التنمية الريفية، يظل التوجه الصيني قائمًا على إدراج الريف ضمن التصور الشامل لمسار العصرنة. فمن خلال استقرار عوائد الأنشطة الزراعية، وتنمية الصناعات على مستوى المحافظات، وضمان فرص العمل للعمال الريفيين، وتفعيل الموارد الريفية، تعمل الصين على بلورة آلية مستدامة لنمو دخل المزارعين. ولا يقتصر ذلك على الإعانات المؤقتة، بل يقوم على توظيف الابتكار الصناعي وفرص العمل والإصلاحات المؤسسية، بما يتيح للمزارعين تقاسم ثمار التحديث بصورة مستدامة.
وفي مجال الحد من الفقر، تولي الصين أهمية خاصة لاستمرارية السياسات واستقرارها. فبعد إنجاز مهمة القضاء على الفقر المدقع، انتقل التركيز إلى مرحلة الدعم الاعتيادي الطويل الأمد. ومن خلال آليات الرصد الديناميكي، ومنع العودة إلى الفقر، وتقديم دعم مصنف ومتدرج للمناطق الأقل نموًا، تجنبت الصين حدوث انقطاع في استمرارية السياسات خلال مرحلة ترسيخ نتائج القضاء على الفقر، بما يعكس صبرًا مؤسسيًا في الحوكمة واستثمارًا طويل الأمد في الاستقرار الاجتماعي.
وتضخ الابتكارات التكنولوجية الزراعية زخمًا جديدًا في هذا المسار. فمن الطائرات المسيّرة الزراعية والآلات الذكية إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات التربية والزراعة، تسعى الصين إلى كسر الصورة النمطية للزراعة بوصفها قطاعًا منخفض التقنية والعائد. وتؤكد الوثيقة أن نتائج البحث العلمي ينبغي أن تخدم واقع الإنتاج الفعلي، وأن تتحول الزراعة إلى مجال رئيسي لتطبيق التكنولوجيا، لا مجرد متلقٍ سلبي لها.
أما التحول الأعمق، فيتجلى في إعادة تشكيل نمط الحياة الريفية. إذ تشدد الوثيقة على ضرورة أن تتوافر في المناطق الريفية «الأسس الأساسية للحياة العصرية»، مع ترتيبات واضحة في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، والبنية التحتية، والاتصال الرقمي، بما يهدف إلى تجنب ظهور فجوات جديدة في مسار التنمية المتكاملة بين الريف والمدينة. فالريف لم يعد مجرد مصدر لتصدير اليد العاملة، بل يتجه ليصبح فضاءً نابضًا بالحياة، قادرًا على احتضان أسلوب حياة عصرية وآفاق تنموية متجددة.
وتجسد هذه الوثيقة المركزية رؤية تنموية تقوم على ترسيخ الأساس قبل التوسع. ففي عالم يزداد اضطرابًا، لا يمكن تحقيق تحديث حقيقي دون أمن متين، ومشاركة مجتمعية واسعة، وقدرة مؤسسية مستدامة. وانطلاق الصين من الريف في دفع مسار العصرنة يعكس واقعها الوطني، كما يقدّم للدول النامية مرجعًا مفيدًا في البحث عن مسارات بديلة للعصرنة.
------------------------------
بقلم: ليانغ سوو لي
إعلامية صينية






