09 - 02 - 2026

رشقة أفكار | جمهورية منزوعة الرحمة!

رشقة أفكار | جمهورية منزوعة الرحمة!

- لاخير فينا إن لم نقلها .. ولا فيكم إن لم تسمعوها!

تجددت الثقة في رئيس وزراء مصر الحالي، وهو رجل مهذب وخلوق، ليظل دائما خيارّا مفضلا لدي السيد الرئيس .. رغم أن هذه الحكومة لاتسمع أنين الناس وشكاواهم ، ولا دعاءهم عليها وعلى وزرائها الذين أفقروا الناس، وجعلوهم يمشون في الشوارع يضربون أخماسا في أسداس!

حكومة تفكر بطريقة أغرب من الخيال.. تستميت في تحصيل كل ما تعتقد أنه حق من حقوقها، في الرسوم والضرائب (اختراع ياكوتش كما هو "الإفيه" الذي يتناهى إلى الأسماع في لحظة تذكر أنواعها المبتكرة)! وفي المقابل لا تعبأ  بأي  حال من الأحوال بأن يحصل المواطن على خدمات كاملة مقابل ما يدفعه لها صاغرا، لا في تعليم أو علاج أو صحة أو أمان أو محافظة على كرامة أو  مقدرات، وتريد أن تتفرج بحق إذهب إلى شقق الشهر العقاري اللا آدمية، وصالات تحصيل رسوم خدمات المرور والأجهزة الخدمية الخاصة بوثائق السفر وتصاريحه، أو الإدارات التعليمية والصحية إلخ!

ذهب زميلي أمس الأحد إلى المستشفي  العريق " الشبراويشي" بالدقي، استجابة لرأي طبيبة المعالج، بضرورة التبرع بالدم، بسبب ارتفاع نسبة الهيموجلوبين إلى مستويات خطرة! عندما سمعت منه إنه سيذهب تذكرت جولاته الفاشلة السابقة ومحاولاته البائسة التي تنتهي دوما بعودته بخفي حنين، حيث ترفض جهات تسمي نفسها بنوك الدم دماءه، كونها لن تستفيد من متبرع  يزيد عمره عن ٦٠ عاما، وكأنهم أقوى من الله الذي لم يقرر بعد سحب أمانته وفيضان روحه إليه، إذ يبقى هو الأحن والأكرم، فيما تقسو لوائح عقيمة ومتيبسة وجامدة كالصخر، تحكم عقليات تدير هذه المؤسسات! كيف يرفض مدراء هذه الجهات التبرع العلاجي لأي سبب رغم أنه علاج أساسي؟

تذكر أنه عندما ذهب إلى  طبيب "شاطر" موصى عليه في بنها رشحته له الأستاذة الدكتورة حنان غالي، فإن هذا الطبيب  كتب وريقة تشخيص صغيرة وجهها للمستشفي الجامعي هناك، بموجبها دفع رسم الخدمة وهو وقتها اقل من ٥٠ جنيها وفي دقائق حظى بالخدمة.

في شبين القناطر مستشفي شاملة إسمّا فقط، استحدث فيها بنك للدم، لجأ إليه ذات يوم لنفس الغرض، ففوجيء برفض المديرة "احنا مش هنستفيد من الدم ده .. هرميه، وبالتالي يبقى احنا خسرنا كانيولا والكيس المخصص للتبرع، فليه أنا اعمل كده"؟! عبثا حاول ان يشرح لها انه مثلما هناك تبرع تستفيد منه، لأن المتبرع دمه يصلح لهذا الغرض، فهناك تبرع يمنح الصحة والعافية للناس وإن كان بنكها لن يستفيد، أليست صحة المرضي هي في كل الأحوال غاية وزارة الصحة بكل توابعها ومن يتبعها!  

خاب السعي في شبين القناطر، وحاولوا توجيهه إلى بلدة آخرى يمكنها ان تقبل بهذه الخدمة، لكن لمع في ذهنه بنك الدم الرئيسي في ميدان رمسيس، فذهب ذهاب الواثقين، والتقي المديرة أيضا التي قالت: هذه الخدمة - التبرع العلاجي - لاتتوافر لدينا.. ولكنها تتوافر في مبني مخصص لهذا الغرض، داخل هيئة المصل واللقاح في العجوزة! هناك سوف يحددون الطريقة والإجراءات والمصروفات وطريقة الدفع!

هكذا ذهب إلى هيئة المصل واللقاح، وكونه شيخا مسنّا شعر بالإنهاك، فقد كانت الغرفة المخصصة لبدء الإجراءات في نهاية المبني، والإجراءات تفرض على طالب الخدمة آن يذهب لدفع الرسوم في "فوري" ثم يعود لاتمام العملية!  

معاناة .. غُلْب .. كما يقول عامة الناس! غير مبرر وبلا أي سبب، يقرر وزير الصحة ويفرض على بنوك الدم ألا تقدم هذه الخدمة للمسنين لأن الدولة لاتستفيد منها، وعلى طالبها آن يدوخ السبع دوخات بحثا عمن يقدمها له!

التطور الجديد هو إغلاق هذا الجزء المخصص لتلقي التبرع العلاجي مقابل رسوم، في هيئة المصل واللقاح! على المريض بزيادة الهيموجلوبين البحث عن مستشفى يقوم من خلالها بعملية التبرع، وهكذا قاده حظه العاثر إلى مستشفي الشبراويشي بالدقي! تبين له أن تعليمات وزير الصحة تقضي بأن  يكون هناك خطاب بروتوكولي من طبيب المريض، يبين فيه الآسباب، مشفوعا بتحليل طبي حديث، بعدها تبدأ جراحات سحب الكمية، مقابل ٣٥٠ جنيها! ذهب صاحبنا اليوم لنفس الغرض فصدمه طاقم الاستقبال: حضرتك سبق ليك الحضور هنا والحصول على الخدمة؟ قال نعم مرتين أو ثلاثا تقريبا! رد الموظف قائلا : ثمن الخدمة أصبح ٦٠٠ جنيه!

هذه هي رحمة وزارة الصحة في عهد وزيرها الدكتور خالد عبد الغفار نائب رئيس الوزراء، الذي هاجم أهالي مرضي السرطان مستنكراً ان يحصلوا على هذه  الخدمة العظيمة من الدولة، ولكنهم ينتقدونها قبل أن يشكروها عليها!! (ترى كم علامة تعجب يمكنني استخدامها حتى تفي بالغرض؟)

بينما كنت اهبط درجات السلالم المؤدية إلى داخل محطة المترو القريبة من "الاسعاف" صدمني حتى اقشعر بدني ذلك الرجل الغاضب الحزين المتعب، الذي يجلس على رخام المدخل منفعلًا في حديث تليفوني  .. اقسم بجلال الله لو أن  مسؤولا سمعه وهو يصب غضبه على البلد وعلى المسؤولين، وهو يحسبن عليهم، مرات ومرات، لشعروا بآنهم لن يلقوا وجه ربهم وهم في حالة سلام مع أنفسهم أو مع الله الذي ينشدون منه الرحمة وهم لم يرحموا أحداً! يقينا سوف يخبطون رؤوسهم في رخام مدخل بوابة المترو فتّنِز دما، فهم لم "يحنوا" على الناس، ولم يعتبروهم "نور عينيهم" حقاً وصدقاً!

رئيس الدولة لم يكرر حديثه الإنساني الشهير الموجه إلى الناس في بدايات حكمه، كما لم  يضبط الدكتور مدبولي وهو يتحدث مثل هذا الحديث مطلقا، فانحيازاته مثلما هي انحيازات الدولة، كلها تهتم بالطبقات الأغني، القادرة على الدفع وتقديم المال للدولة، التي تدخل في مشروعات لا تتمتع باهتمام الناس وليست من أولوياتهم مطلقًا، وتردم الصحراء بالأسمنت من اجل إقامة مشروعات سيتمتع بها الجيل الخامس من المواطنين وليذهب إلى  الجحيم جيلنا وأربعة أجيال في بعض! لا أعرف لماذا لا يطالبون الله في علاه بأن يخلصهم منا - ومن كل  هؤلاء -  ليرتاحوا من محنة انتظار الدولة لهم بأن  يغوروا في داهية لأنهم عبء عليها! بحسب رئيس الوزراء المكلف والحائز دائما على ثقة الرئيس، فإن مصر كان يمكن أن تكون احسن حالا لولا الزيادة السكانية! هذا رجل لا يعرف الشعوب ولا يفكر في قيمة البشر ولا القوة الكامنة فيهم وكيف ينبغي ان تكون هذه الزيادة إضافة لرصيد الدولة لا خصما منها! الصين والهند أفضل نماذج يمكن أن  نصدرها لرئيس الوزراء الذي يفتقر إلى الخيال والى السياسة ، ويهتم فقط بالحجر والبناء والمداميك ولا يهتم بالبشر!

هكذا.. على وقع إيقاع اللا رحمة واللا شفقة بالناس، وعلى ناي المصري الحزين يحسبن على المسؤولين، نعيش معا في جمهورية منزوعة الرحمة، في انتظار قضاء ربنا فينا!
-----------------------------
بقلم: محمود الشربيني

مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | جمهورية منزوعة الرحمة!