تُراهن رواية "سكة المناصرة" للروائي الكبير الراحل "محمد جبريل" على ذلك الزمن الذي تتكوّن فيه المعاني عبر التفاصيل الهامشية. فالحكاية لا تتقدم عبر منعطفات حاسمة، بل عبر مشاهد عابرة: نظرة مترددة، باب يُغلق ببطء، رائحة بيت قديم، اسم محل تغيّر، أو صمت يطول أكثر مما ينبغي.
هذه التفاصيل تمثل وحدات دلالية كاشفة عن التحوّل العميق في الشخصيات والمكان معًا. ومن خلال هذا الاشتغال الدقيق على اليومي والمألوف، تتحول التفاصيل إلى لغة بديلة تخبرنا أن الانكسارات الحقيقية لا تحدث دفعة واحدة، وأن التحوّل الاجتماعي والنفسي يحدث ببطء، وبلا ضجيج، فلا نكاد ننتبه إلى اللحظة التي بدأ فيها التغيّر.
السِّكّة هنا ليست مجرد مكان قاهري قديم، بل هي بنية سردية، ومسار نفسي، ومجاز اجتماعي. إنّها مكان ضيق بالمعنى الفيزيائي، لكنه يتشعب سرديًا، وتتقاطع داخله طبقات من الزمن، وأصوات من الماضي، وتحولات طبقية واقتصادية وثقافية، تجعل من العودة حدثًا ملتبسًا، أقرب إلى الصدمة منه إلى الحنين.
فراق وعودة
تعتمد الرواية بنية سردية تقوم على الذهاب والعودة، ليس فقط جغرافيًا (من القاهرة إلى مسقط ثم العودة)، بل وجوديًا ونفسيًا. فهالة حينما تعود إلى القاهرة لتكتشف أن الذات التي غادرت لم تعد موجودة، وأن المكان الذي كان يشبهها لم يعد ينتظرها.
السرد هنا غير خطي، يتقدم ويتراجع، يتشظّى، يستدعي الذاكرة، والذكريات تأتي متقطعة، مشوشة، أحيانًا متناقضة، كأن الرواية تقول إن الماضي نفسه لم يعد موثوقًا به. والزمن في «سكة المناصرة» ليس زمنًا سرديًا تقليديًا، بل زمنًا متراكبًا، زمن الطفولة والبيت القديم، وزمن السفر إلى الخليج، ثم زمن العودة الذي لا ينتمي تمامًا لأي منهما. وهذا التراكب رغم غبطائه لإيقاع الرواية إلا أنه مناسب تماما لاشتغالها على التفاصيل الصغيرة.
تعيش هالة في منطقة رمادية، تتشكل هويتها عبر التردد، والإنصات، والمراجعة المستمرة للذات. وهذا ما يمنحها عمقها الإنساني، وهي ليست امرأة متمردة بالمعنى الشائع، ولا نموذجًا للانكسار الكامل. ولكنها نتاج طبيعي لسلسلة من التناقضات، بين ما ورثته من العائلة، وما اكتسبته من تجربة العمل والغربة، وبين ما تريده لنفسها، وما يُنتظر منها اجتماعيًا. واللافت في بناء الشخصية أن السرد لا يمنحها صوتًا طاغيًا؛ فلا نسمع اعترافات طويلة، ولا مونولوجات درامية، بل نتابع تفكيرها الصامت، حركتها في المكان، نظراتها، ترددها أمام البيوت والوجوه. وكأن الشخصية تُعرَّف بما لا تقوله أكثر مما تقوله.
وتجربة السفر شكّلت لحظة فاصلة في وعيها بذاتها، لكنها لم تمنحها هوية بديلة مكتملة. لقد منحتها استقلالًا نسبيًا، ومسافة نقدية من المكان الأول، لكنها في الوقت نفسه عمّقت شعورها بالاقتلاع. وعندما تعود، تكتشف أن الاستقلال الذي حققته ليس كاملًا، وأن الذات التي بنتها في الغياب لا تجد مكانًا طبيعيًا في بنية الأسرة والحي.
ذاكرة متحوّلة
في «سكة المناصرة» لا يعمل المكان بوصفه خلفية محايدة للأحداث، بل بوصفه كائنًا سرديًا يتغير، ويشيخ، ويفقد بعض ملامحه، ويكتسب أخرى مشوَّهة، ويعيد إنتاج ذاكرته وفق منطق التحول الاجتماعي والاقتصادي، والسِّكّة، بما تحمله من ضيق جغرافي، تتحول إلى مجاز للانغلاق الاجتماعي، ولصعوبة الحركة داخل بنية تقاوم التغيير، لكنها في الوقت ذاته تخضع لضغوط قوية يفرضها منطق السوق والعشوائية.
والبيوت فقدت حميميتها، وصارت طوابق، وشققًا للإيجار، ومساحات بلا تاريخ، والورش القديمة، التي كانت تشكل هوية المكان، تتراجع أو تتحول إلى نشاطات استهلاكية بلا روح، والعلاقات بين الجيران تقوم فقط على الاحتكاك العابر. الرواية تكتفي برصد التغير عبر التفاصيل الدقيقة، تغير الروائح، اختفاء الأصوات، تبدل أسماء المحال، تغير إيقاع اليوم. وهذا ما يمنح المكان صدقيته السردية، ويجعله قابلاً للتأويل.
المكان في الرواية لا يرفض هالة صراحة، لكنه لا يعترف بها كما كانت، ولا يمنحها دورًا واضحًا. وهو ما يجعل العودة فعلًا مؤلمًا، فقد اكتشفت أن المكان القديم فقد قدرته على الاحتواء.
الرقص كعلامة ملتبسة
يمثل الجسد في الرواية مساحة توتر أساسية، باعتباره ساحة صراع رمزي بين الفرد والجماعة. الجسد هنا يحمل آثار الماضي، ويُستدعى بوصفه سجلًا غير مكتوب لما تحاول العائلة والمكان نسيانه، والرقص، تحديدًا، يظهر كعلامة ملتبسة، فهو فعل حرية من جهة، ومصدر وصم اجتماعي من جهة أخرى. لذلك يصبح الجسد الأنثوي في الرواية جسدًا مستعادًا عبر الذاكرة، وعبر الإشارات واللمحات، وكأن النص يشير بذلك إلى آليات الكبت والرقابة الاجتماعية.
هالة، ابنة الراقصة، ترث هذا الجسد الرمزي المثقل، حتى لو لم تعش تجربته حرفيًا. فهي تحمل ذاكرة الجسد العائلي، وتواجه نظرة المكان إليها بوصفها امتدادًا لتاريخ قديم لكنه يظل حاضرا في النظرات والتلميحات وأحيانا في الصمت، هكذا تشتغل الرواية على فكرة أن الجسد لا ينتمي إلى الفرد وحده، بل يُصادَر اجتماعيًا، ويُعاد تعريفه وفق معايير أخلاقية وثقافية صارمة.
جغرافيا الوعي المزدوج
السفر إلى الخليج في الرواية مرحلة انتقالية، تمنح الشخصية مسافة من المكان الأول، لكنها لا تمنحها وطنًا بديلًا، مسقط نراها مدينة منظمة، لكنها باردة عاطفيًا، تمنح العمل، لكن لا تمنح الانتماء الكامل، وفي المقابل، القاهرة تمنح الذاكرة، لكنها تستعيد أبناءها بشروط قاسية.
هذا التوتر بين المدينتين يخلق وعيا معلقا، وعي لا يستطيع العودة إلى الوراء، ولا التقدم إلى الأمام دون خسائر، ويطرح في ذات الوقت سؤال التحول الاجتماعي، ماذا يفعل التحول الاقتصادي بالمكان وبالعلاقات وبالذاكرة؟
الرواية تعرض تفكك الحِرَف، غلبة منطق السوق، تراجع العلاقات الحميمة، تحوّل البيت من فضاء عائلي إلى مجرد مساحة سكن، كل ذلك يمر في الرواية دون تعليق مباشر، كأن الكاتب يثق في قدرة التفاصيل على القول، المكان لا يسقط فجأة، بل يتآكل. العلاقات لا تنهار دفعة واحدة، بل تبهت تدريجيا.
والسفر ، في هذا السياق، ليس حلًا فرديًا فقط، بل عرضًا لخلل أوسع، فالشخصيات تهاجر لأنها لم تعد تجد موقعًا واضحًا داخل منظومة تتغير أسرع من قدرة الشخصيات على التكيّف، وعندما تعود، تكتشف أن العودة نفسها لم تعد خيارًا بريئًا، هكذا ترصد الرواية تحول المجتمع من بنية قائمة على العلاقات والمعرفة المتبادلة، إلى بنية قائمة على المنفعة والانعزال.
إنها رواية عن العودة المستحيلة، وعن المكان الذي يتغير دون أن ننتبه، وعن الإنسان الذي يكتشف أن الذاكرة لا تعيد ما فقدناه.
--------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت






