08 - 02 - 2026

من جزيرة ابستين إلى "120 يوما في سدوم"

من جزيرة ابستين إلى

مساء الخير صديقي الإنسان 

أعلم أنك مصدوم، بل ربما تشعر بالغثيان. 

إن قائمة إبستين ليست مجرد فضيحة سياسية، بل هي بمثابة "مجرى صرف صحي" نطلّ من خلاله على النفس البشرية حين تمتلك سلطة مطلقة وثروة طائلة، وتتخيل نفسها فوق القانون والمساءلة. ما قرأته ربما يفوق رعب سلسلة أفلام "سو Saw".

لكن قبل أن أتعمق في هذا الموضوع، هيا يا صديقي العزيز، دعنا نعود قليلاً إلى الوراء.

ليس إلى جزيرة إبستين، بل إلى قلعة منعزلة في جبال الألب، ونفتح صفحات مخطوطة كُتبت عام ١٧٨٥، تُعتبر أخطر رواية في التاريخ. لذا أرجو منك يا عزيزي أن تمنحني بعض الصبر والتركيز معي.

الرواية هي "١٢٠ يومًا في سدوم" (The 120 Days of Sodom)، من تأليف الأرستقراطي الفرنسي سيئ السمعة الماركيز دي ساد، الذي اشتق منه علماء النفس مصطلح السادية.

تروي الرواية قصة أربعة رجال يمثلون قمة الهرم الاجتماعي الفرنسي آنذاك - دوق، وأسقف، وقاضٍ، ومصرفي - أي: السلطة، والدين، والقانون، والمال، تمامًا مثل رعاة جزيرة إبستين.

يقرر هؤلاء الأربعة سجن أنفسهم لمدة 120 يومًا في قلعة منعزلة يصعب الوصول إليها. ويصطحبون معهم قسرًا مجموعة من المراهقين والفتيات. 

تنهار الحضارة. ينهار القانون. ينهار الدين. يتحول هؤلاء "النخب" إلى وحوش تمارس أبشع أنواع التعذيب، والاعتداء الجنسي، والقتل البطيء - لمجرد قدرتهم على ذلك.

عندما كتب دي ساد هذه الرواية، لم يكن يكتب خيالًا محضًا. بل كان يصرخ بحقيقة مرعبة: "عندما يمتلك الإنسان سلطة مطلقة في مكان معزول عن أعين الآخرين، يستيقظ الوحش الكامن في داخله ويلتهم كل شيء".

لكن لماذا يا صديقي الإنسان، لماذا يرتكب رجل يملك مليارات الدولارات ويحكم العالم بقراراته مثل هذه الأعمال الشنيعة؟ لماذا لا تكفيه الملذات الطبيعية المتاحة له بلا حدود؟

دعني أطلعك باختصار على كتاب مهم يشرح سيكولوجية هؤلاء الأشخاص، وكيف يتحول الإنسان إلى وحش. هذا الكتاب هو "تأثير لوسيفر" (The Lucifer Effect) لعالم النفس الشهير فيليب زيمباردو، مؤلف تجربة سجن ستانفورد.

في هذا الكتاب، يقدم زيمباردو نظرية مرعبة: الشر ليس دائمًا صفة متأصلة. غالبًا ما يكون الشر نتاجًا للبيئة والسلطة. ضع إنسانًا في بيئة تمنحه سلطة مطلقة (مثل جزيرة إبستين أو قلعة دي ساد)، وجرّده من المساءلة، واضمن له السرية التامة، وستجد أن الدوائر العصبية المسؤولة عن التعاطف في الدماغ تتعطل تدريجيًا، بينما يستيقظ الجانب المظلم.

لكن هذا ليس كل شيء يا صديقي العزيز. هناك فصل آخر في كتاب علم النفس البشري يشرح آليات هذا الهياج الجنسي والوحشي، استنادًا إلى آليات عصبية دقيقة. يُطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم "تحمّل الدوبامين" (Dopamine Tolerance) - أو ملل الآلهة.

في علم النفس العصبي، هناك قانون يحكمنا جميعًا: الدماغ يعتاد على المؤثرات. عندما تشتري سيارة جديدة، تشعر بسعادة غامرة؛ وبعد شهر، تصبح عادية. هؤلاء الأشخاص - المليارديرات والنخب - وصلوا إلى حدّ التشبع التام. لقد تناولوا أشهى الأطعمة، وسافروا على متن أغلى الطائرات، وامتلكوا كل ما يمكن شراؤه بالمال. لقد ماتت المتعة الطبيعية في داخلهم. إنهم يعانون مما يسميه العلماء "ملل السلطة" (Anhedonia of Power). لم يعد الدوبامين يتدفق من الملذات المباحة.

وهنا تبدأ الكارثة: البحث عن النشوة القصوى (The Ultimate High). يسعى العقل المريض إلى كسر المحرمات - مطاردة المستحيل، المحظور دوليًا وأخلاقيًا.

ولكن لماذا يا صديقي العزيز... لماذا الأطفال؟ لماذا العنف؟ لأن هذا ببساطة هو الخط الأحمر الأخير المتبقي. كسره يمنحهم نشوة تجعلهم يشعرون بأنهم فوق البشرية، متجاوزين قوانين القطيع - نحن. إنهم لا يبحثون عن الجنس؛ إنهم يسعون إلى نشوة انتهاك الشريعة الإلهية.

يذكرني هذا بما أخبرني به بعض الأصدقاء ذات مرة عن عادة رومانية تتعلق بالطعام، وارتباطها بهؤلاء الناس.

في عصور الانحلال الروماني، كان النبلاء يجلسون على موائد عامرة بأشهى المأكولات التي لا تُصدق. كانوا يأكلون بنهم حتى يشبعوا تمامًا. ثم ماذا؟ هل توقفوا؟ كلا. كانوا يذهبون إلى غرف خاصة ليتقيأوا عمدًا (Self-induced Vomiting)، ثم يعودون إلى المائدة ليأكلوا مرة أخرى.

هل كانوا جائعين؟ بالطبع لا. كانوا يسعون وراء لذة الاستهلاك اللامتناهي. كانوا يحاولون التغلب على حدود الشبع البيولوجية. كانت مشكلتهم أن المعدة تمتلئ بسرعة، بينما الرغبة لا تشبع أبدًا. أصبح التقيؤ هو الحل الذي سمح لهم بمواصلة الأكل.

هل ترى الرابط يا صديقي العزيز؟

هذا - حرفيًا وبدقة - ما يفعله هؤلاء الناس في غرف نومهم وعلى الجزر. إنهم لا يسعون لإشباع غريزة؛ فهم مكتفون بالفعل بما هو طبيعي. إنهم يتقيؤون إنسانيتهم ليعودوا ويلتهموا براءة جديدة. إنهم يحاولون ملء فراغٍ أسود في أرواحهم لا يمكن ملؤه أبدًا، فيلجؤون إلى الكمّ والتطرف والوحشية لمجرد الشعور بشيء ما.

لكنني لم أنتهِ بعد - تحلّوا بالصبر.

في كتاب "قوة الأذى"، يرد مصطلح "التجسيد" (Reification): هؤلاء الأشخاص لا يرون ضحاياهم كبشر لهم أرواح ومشاعر وأمهات، بل يرونهم كأشياء (Objects)، كقطعة لحم على مائدة رومانية أو سيارة فاخرة. العالم بالنسبة لهم رقعة شطرنج يحركونها كيفما شاؤوا. في غرف مغلقة، يمارسون أبشع أشكال تحويل البشر إلى مجرد أشياء.

إن الوحشية ضد قاصر أو شخص ضعيف لا علاقة لها بالرغبة الجنسية، بل هي نابعة من إرادة القوة (Will to Power). يريد أن يشعر وكأنه إله أرضي - حاشا لله - له الحق في إلحاق الألم، وتحديد المصائر، وانتهاك البراءة دون أن يجرؤ أحد على ردعه.

قائمة إبستين، ورواية الماركيز دي ساد، والمآدب الرومانية، كلها تكشف لنا حقيقة مرعبة: عندما يمتلك الإنسان ثروة وسلطة مطلقة، وينزع خوف الله من قلبه، فإنه لا يصبح ملاكًا، بل يصبح شيطانًا يتلذذ بمعاناة الآخرين.

هؤلاء ليسوا مجرد منحرفين، بل هم أناسٌ حدّقوا في هاوية رغباتهم طويلًا، حتى ابتلعتهم الهاوية. وكما قال نيتشه: "إذا حدّقتَ طويلًا في الهاوية، فإن الهاوية تحدق فيك".

قبل أن أختم، دعوني أُبيّن لكم كيف ينظر الإسلام إلى هذا الأمر. لم ينتظر الإسلام فرويد أو زيمباردو لتفسير هذه الظاهرة.

بل لخّص المأساة النفسية برمتها في آية واحدة من سبع كلمات فقط، لكنها تحمل في طياتها مجلدات من علم النفس: "كَلَّا إن الإِنسَانٌ ليطغى. أن رآه استغنى" (القرآن 96: 6-7).
يُشير القرآن إلى أصل المشكلة: الإنسان لا يتعدى لأنه شرير بطبيعته، بل في لحظة محددة، حين يشعر بالاكتفاء الذاتي، حين يمتلك مالًا يشتري به كل شيء، وسلطة تحميه من كل شيء.
حين يشعر أنه لم يعد بحاجة إلى الله، ولا إلى الناس، ولا إلى القانون. في لحظة الوهم تلك، يخلع الإنسان رداء العبودية ويرتدي رداء الكبرياء والعظمة، وهو رداء لا يليق به. إنه يحرقه ويحرق من حوله.

يعلمنا الإسلام أنه إذا تُركت النفس البشرية بلا ضوابط، بلا تقوى ولا رقابة على النفس، فإنها لا تعرف حدودًا. تنحدر إلى مستوى وصفه القرآن الكريم وصفًا مروعًا: "إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا". لماذا أضل؟ لأن الحيوان يقتل ليأكل ويتزاوج ليتكاثر، غرائزه لها غاية. أما هؤلاء النخب فيقتلون للمتعة وينتهكون البراءة للتسلية. ينحدرون إلى هاوية حتى الوحوش تنفر منها.

هنا تكمن عظمة الحدود في الإسلام. يظن الناس أن الحلال والحرام قيود تخنق الحرية. في الحقيقة، الحدود هي حواجز أمان تمنعك من السقوط في الهاوية. وضع الله حدودًا للمال والجنس والسلطة، لا ليحرمك من المتعة، بل ليحمي إنسانيتك من الوحشية. فبدون حدود، تصبح كالثقب الأسود الذي يلتهم كل شيء ولا يرتوي.

والله يقول الحق: "وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ".
أتمنى لك يومًا سعيدًا أيها الإنسان.
------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق
(والمقال نقلا عن صفحته على فيس بوك)

مقالات اخرى للكاتب

من جزيرة ابستين إلى