09 - 02 - 2026

حين يغدو الرسم على الماء مرآة للذات لا ساحة للصراع

حين يغدو الرسم على الماء مرآة للذات لا ساحة للصراع

ثمة خيط رفيع، يكاد لا يرى، يربط بين حركة اللون فوق صفحة الماء وبين تموجات النفس البشرية في بحثها عن السكينة. هو فن "الإيبرو"، ذاك السحر القديم الذي يستدرج العدم ليخلق منه وجودا بصريا باهرا. وحين نقارب هذا الفن بالكتابة، فنحن لا نكتب عن "تقنية" تقبع في ورشة فنان، بل نكتب عن رؤية تعيد تشكيل علاقتنا بالكون؛ فكيف يساء فهم الحرف حين يسعى لفك شفرات الروح؟

إن الحديث عن الإيبرو في سياق العلاج بالفن (Art Therapy) هو انحياز للجوهر الإنساني قبل كل شيء. فالماء في الإيبرو ليس مجرد وسيط، بل هو ذاكرة سائلة تستوعب اضطراباتنا النفسية لتهبنا في المقابل توازنا لونيا بديعا، وحين نكتب عن هذا البعد العلاجي، نحن نفتح نافذة للضوء، ونؤصل لثقافة الاستبصار بالجمال.

من هنا، يبرز تساؤل مهم. هل يمكن للمعرفة أن تكون هجوما؟ إن القول بأن الكتابة عن تقنية فنية معينة، تزامنا مع ورشة عمل لفنان بقيمة وقامة محمد عبلة، هي نوع من النقد السلبي، هو قول يفتقر إلى فقه القراءة. فالفنان الكبير، الذي أفنى عمره في تطويع اللون وفتح آفاق التجريب، هو أسمى من أن تحصر تجربته في إطار "المنافسة" مع الكلمة أو التفسير العلمي.

إن التنويه عن ورشة فنية لفنان قدير، بالتوازي مع طرح رؤية فلسفية أو علاجية لهذا الفن، هو في حقيقته تكامل معرفى. فالمقال يمنح المعنى، والورشة تمنح التطبيق. والضرر لا يلحق بالكبار من إثارة الأسئلة، بل إن الكبار هم من يقتاتون على التساؤل والبحث. محمد عبلة، بوصفه رمزا فنيا، يدرك يقينا أن الفن نهرٌ متجدد، لا يعبره المرء مرتين بنفس الروح.

أما عن رمش العين ووقار اللون. فحين نستحضر تاريخ الإيبرو، من آسيا الوسطى إلى "وراق" مصر، ومن مسميات كـ "أب رو" إلى "رمش العين" المصري الأصيل، فنحن نحتفي بذاكرة أمة. والكتابة في هذا الحقل هي محاولة لترميم الهوية الجمالية، وليست بأي حال من الأحوال اشتباكاً مع شخوص المبدعين.

إن الفن، في جوهره، هو فعل "محبة". وحين نكتب عن العلاج به، فنحن نمارس هذه المحبة حرفا وحسا. فلا الهجوم يشبهنا، ولا قامة الفنان الكبير تسمح لمثل هذه التأويلات العابرة أن تعكر صفو "ماء الإيبرو" الرائق الذي يغزل عليه إبداعه.

  وسيبقى الفن هو المساحة التي نلتقي فيها لنشفى، لا لنختلف. وستبقى ورش المبدعين منارات، وكتاباتنا حولها صدى لهذا الضوء، يؤكده ولا ينفيه، يعضده ولا يقوضه

ومن الضروري، ونحن في حضرة الفن، أن نتوخى الدقة في المصطلح؛ فما تداوله البعض من أن "فن الإيبرو هو فن رمش العين" فيه اختزال مخل وتعميم غير دقيق.

فالإيبرو (Ebru) هو الاسم الشامل والعام لهذا الفن العالمي (الرسم على الماء)، وهو يضم عشرات الأنماط والأشكال التي تختلف باختلاف حركة اليد والأدوات المستخدمة.

ورمش العين هي تسمية محلية مصرية (شعبية أو فنية) تصف أحد أنماط النقوش التي تظهر في الورق المرمر، حيث تظهر الألوان على شكل خطوط دقيقة ومنحنية تشبه الرموش. المصريون كعادتهم يضعون بصمتهم الخاصة ومسمياتهم الشاعرية على الفنون التي يبرعون فيها، لكن هذا لا يعني أن "التقنية" نفسها اخترعت في مصر.

فرمش العين هو نمط محدد، أو شكل من أشكال تشكل اللون داخل فن الإيبرو. يعرف عالميا بأسماء أخرى، ولكن في البيئة المصرية المحلية، أطلق عليه الفنانون والوراقون قديما هذا الاسم الشاعري، نظرا لظهور الخطوط فيه بشكل دقيق وانسيابي يشبه انحناءة رمش العين البشرية.

ووقوع البعض فى هذا الخطأ لأن رمش العين كان الأكثر شهرة أو الأكثر استخداما في تزيين المخطوطات المصرية القديمة، فظن البعض أن الجزء هو الكل، وأن اسم النمط هو اسم العلم على الفن ذاته.

لقد بدأ فن الإيبرو في مناطق تركستان (آسيا الوسطى). ويعتقد أن جذوره تعود إلى القرن التاسع الميلادي، حيث كان يعرف باسم "تشانغ" (Chuang) في الصين أو "سوميناغاشي" (Suminagashi) في اليابان، لكن النسخة التي نعرفها اليوم تطورت بشكلها الاحترافي في تلك المنطقة.

وانتقل الفن من آسيا الوسطى إلى إيران عبر "طريق الحرير"، وأُطلق عليه في إيران اسم "أب رو" (Ab-ru)، وهي كلمة فارسية تعني "سطح الماء" أو "وجه الماء"، ومن هنا اشتق الاسم الحالي "إيبرو".

ثم بعد ذلك وصل هذا الفن إلى الأناضول (تركيا الحالية) في القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلادي. هناك، احتضنه العثمانيون وطوروه بشكل مذهل، وأضافوا إليه الألوان الطبيعية والأشكال الزهرية (مثل زهرة التوليب الشهيرة). أصبح "الإيبرو" جزءا لا يتجزأ من فنون الخط العربي وتجليد الكتب الإسلامية.

من يقول إن "الإيبرو هو رمش العين" كمن يقول إن "الفن التشكيلي هو المدرسة التكعيبية"؛ فالإيبرو بحر واسع يضم أنماطا عديدة مثل: "بطال إيبرو" (النمط الرخامي الأساسي)، و"شال إيبرو" (الذي يشبه نقوش الشال القماشية)، و"خفيف إيبرو" (الألوان الباهتة التي يكتب فوقها بالخط العربي)، و"رمش العين" (النمط الذي نتحدث عنه).

وهذا تصحيح لا يقلل من قيمة الورشة أو الفن، بل يرفع من وعي المتلقي ويجعلنا نتذوق الفن بعين خبيرة تدرك الفوارق بين "الجنس" و"النوع".

وفي ختام هذا الطرح، لا يسعنا إلا أن نتوجه بتحية إعزاز وتقدير للفنان الكبير محمد عبلة؛ هذا المبدع الذي لم يتوقف يوما عن كونه جسرا تعبر عليه الفنون، ومدرسةً متنقلة تمنح الأجيال أسرار الجمال. إن ورشته الأخيرة لم تكن مجرد تعليم لتقنية، بل كانت دعوة منه لاستعادة الدهشة، وتأكيدا على أن ريشته ستظل دائما تسبق كلماتنا ببراعة، لتصيغ من "ماء الفن" حياة ومن "لونه" أملا. طبت وطاب إبداعك يا فنان الكلمة واللون.
--------------------------
بقلم: د. سامى البلشى