09 - 02 - 2026

هل منع شيخ الأزهر إعادة عرض مسلسل «درب الطيب»؟

هل منع شيخ الأزهر  إعادة عرض مسلسل «درب الطيب»؟

يؤرخ لقرن كامل من التاريخ الاجتماعي والسياسي للأقصر

تمر هذا العام الذكرى العشرون لعرض مسلسل «درب الطيب» (2006م)، من إخراج نادر جلال (1941–2014م)، وسيناريو وحوار بشير الديك (1944–2024م)، المأخوذ عن رواية الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي (1935–2024م) «سيرة الشيخ نور الدين» (1987م). 

 حقق المسلسل نجاحًا لافتًا وقت عرضه في رمضان 2006م، غير أنّه على الرغم من ذلك  نادر الظهور إلى حدٍّ يثير الدهشة على شاشات التلفزيون حتى اليوم. ويُشاع أن سبب منعه أو تجاهله جاء في إطار ودي، على خلفية ما قيل عن انزعاج أسرة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب (أدى دوره الفنان الكبير محمد الجندي)، بسبب تصوير جدهم في المسلسل في هيئة الزاهد الصوفي «الخواص»، أي العامل في مهنة الخوص، على غرار عدد كبير من الصوفية الذين اقتاتوا من هذه المهنة أشهرهم إبراهيم الخواص، أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري ومن أقران الجنيد والنوري، وكذلك علي الخواص البرلسي، أحد كبار المتصوفة في القرن العاشر الهجري. وهي صورة لا تتوافق مع الحقيقة التاريخية للشيخ الطيب الأقصري جد الإمام الأكبر شيخ الأزهر الحالي الدكتور أحمد الطيب.

هذه المعالجة لا تعود إلى رواية الحجاجي ذاتها، التي لم تقدّم الشخصية على هذا النحو، وتمثل اجتهادًا دراميًا من بشير الديك، الذي منح العمل اسمه «درب الطيب»، أي الطريق الصوفي للشيخ الطيب. وفي تقديري، فإن مثل هذا الاجتهاد لا يستدعي غضبًا، لا من شيخ الأزهر ولا من أسرته، فالمسلسل  في نهاية المطاف عمل فني أولًا، حتى وإن استند إلى وقائع حقيقية، ولا يجوز محاكمته بمنطق التوثيق الصارم أو على اجتهاد سنقول إن الديك أخطأ فيه لعدم معرفته بمدى حساسية هذه الشخصية.

يؤرخ المسلسل لما يقارب قرنًا كاملًا من التاريخ الاجتماعي والسياسي لمدينة الأقصر. اختار بشير الديك نقطة انطلاقه من ألمانيا، متكئًا على واحدة من أكثر الحوادث الإرهابية أثرًا في الوجدان المصري والعالمي، مذبحة الدير البحري عام 1997م، التي أسفرت عن مقتل 58 سائحًا. على إثر هذه الفاجعة، يقرر الابن «محمود»، أستاذ الأدب الشعبي، العودة إلى الأقصر بعد غربة امتدت لأكثر من ربع قرن في الجامعات الغربية، لاستعادة صورة المدينة المتسامحة التي عرفها وورثتها عن الأجداد، وألا يتركها فريسة للأفكار السوداء المسمومة. وفيها تنبثق فكرة كتابة سيرة أبيه «نور الدين أبو البركات»، سيرة شخص تحمل في طياتها سيرة الأقصر نفسها ومصر بأكملها.

اختار بشير الديك صيغة «الراوي» يمثلها محمود بن الشيخ نور الدين (الممثل محمد نجاتي)  وتقنية الاسترجاع (الفلاش باك) أداة أساسية لسرد الأحداث، مستفيدًا من الرواية الأصلية التي تقوم على التقنية ذاتها، مع وعيٍ بالفارق الجوهري بين آليات التقنين في الوسيط المقروء والوسيط المرئي. تنطلق الحكاية من الراوي الذي يتحرك بين الماضي والحاضر، كاشفًا عبر ذاكرته تحولات الأقصر، ومن خلفها مصر بأكملها، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

تتشكل السيرة عبر مسار الأب «نور الدين أبو البركات» (الممثل هشام سليم)، الذي يسافر إلى الأزهر الشريف طلبًا للعلم، وينحاز مبكرًا للحركة الوطنية؛ يساند العرابيين، وينخرط في العمل السياسي ضد الاحتلال الإنجليزي، يشايع مصطفى كامل (1874- 1908م) يقود  المظاهرات في الأزهر الشريف ضد الاحتلال، ويُلقى به في السجن. وبعد عودته إلى الأقصر عقب حصوله على الشهادة العالمية، ينخرط بقوة في ثورة 1919، ويشكّل جناحًا عسكريًا في جنوب مصر لمقاومة الاحتلال والمطالبة بالاستقلال.

ويمضي المسلسل في رصد السيرة الوطنية للرجل متشابكة مع سيرة المكان، فيعايش وباء الملاريا الذي ضرب جنوب مصر في أربعينيات القرن العشرين وحصد أرواح المئات، ثم يتلقى صدمة نكبة 1948 من خلال ابنه «سعد» الذي يشارك مع الفدائيين في فلسطين ويعود مهزومًا. ومع قيام حركة يوليو 1952، يتحمس نور الدين لبداياتها، قبل أن يصطدم بتحولها السلطوي، حين يصدر قرار بهدم «ساحة الحجاجية» المقامة فوق معبد الأقصر، بقرار من جمال عبد الناصر نفسه، دون أن تجدي شفاعة أو وساطة. إثر هذه الواقعة، يتوفى نور الدين خاتمة رمزية لجيل كامل والانتقال من مرحلة إلى أخرى.

يتواصل الخيط الدرامي مع الجيل الجديد، ممثلًا في الابن الأصغر «محمود»  الذي يعود إلى الأقصر بعد غياب دام لعقود قضاها في الدول الأوروبية. يلتقي بأصدقائه وهم في الأساس أبناء أصدقاء أبيه، ويؤسسون معًا جمعية «الأقصر بلدنا»، لاستعادة الوجه المتسامح للمدينة، ورفض اختزالها في خطاب الكراهية أو تركها فريسة للإرهاب. لتؤكد الجمعية على وحدة النسيج الاجتماعي، والحفاظ على هوية الأقصر التاريخية، ورفض بيع إرثها الرمزي، ويتجلى ذلك في معركة محمود ضد بيع منزل الشيخ نور الدين وتحويله إلى مول سياحي، دفاعًا عن القيمة الروحية للمكان، قيمة التي لا تقدر بثمن، فالبيت الذي ساع وحل مشاكل الأقصر عبر الشيخ نور الدين يواصل دوره الاجتماعي بما يتواقف مع العصر الحديث عبر جمعية تبحث مشاكل المجتمع الأقصر وتعمل على حلها.

تسيطر على المسلسل، من حلقته الأولى حتى الأخيرة (34 حلقة)، الروح العجائبية الصوفية التي لا تعترف بالقوانين الأرضية ولا تخضع لمنطق السببية المادية. ففي غربته، بعد تلقيه خبر مذبحة الدير البحري، يشاهد محمود والده المتوفى يطلب منه العودة إلى الأقصر، رؤية يقظة لا منام، يترك له خلالها سبحتَه دليلًا ماديًا على حدوث اللقاء. يعود محمود، حاملاً السبحة التي كان نور الدين قد أخذها من شيخه الطيب، في إشارة صريحة إلى انتقال «الولاية» من الأب إلى أصغر أبنائه.

يتواصل هذا البعد الصوفي مع عودة محمود إلى الأقصر، حين تنفتح له غرفة أبيه التي عجز الجميع عن فتحها منذ وفاة نور الدين وضياع مفتاحها. يفتحها دون مفتاح أو جهد، بينما يعجز الآخرون عن ذلك، في دلالة واضحة على أن سرّ الغرفة شأنها شأن الولاية غير ممنوح إلا له.

ويبرز الشيخ الطيب في العمل بوصفه صاحب بصيرة نافذة، قادرًا رغم فقدانه البصر على رؤية ما لا يراه الآخرون. يصل صوته إلى نور الدين في القاهرة بينما الشيخ في الأقصر، محذرًا إياه من الوقوع في الخطيئة، في إحالة تذكرنا بواقعة عمر بن الخطاب الشهيرة «يا سارية الجبل». كما يظهر الطيب من «أهل الخطوة» في الاصطلاح الصوفي، أولئك الذين يمتلكون قدرة خارقة على الانتقال من مكان إلى آخر في لمح البصر، أو قطع مسافات شاسعة بخطوة واحدة.

ولا يقتصر البعد العجائبي على الشيخ الطيب وحده، يمتد كراماته إلى نور الدين أبو البركات نفسه، التي تتجلى بوضوح في رحلته إلى السودان لجلب الجمال مع صديقه البصيري، وقدرته على استعادة الجمال المسروقة من قُطّاع الطرق بمفرده، دون أن يكشف العمل عن حيلته أو يفسرها تفسيرًا ماديًا تاركًا الحدث معلقًا في فضاء الكرامة الصوفية، بينما يرفض نور الدين هذا التفسير العجائبي.

يحرص المسلسل، في الوقت ذاته، على رفض تغييب العقل أو إخضاع مجمل الأحداث لمنطق الغيبيات الخالصة. فـ«نور الدين» يمنح دائمًا الأولوية لمنطق السببية، ولا يلجأ إلى ما وراء الطبيعة إلا حين تستنفد الحلول الأرضية إمكاناتها. فمعاركه ضد الإنجليز في ثورة 1919، لا تقوم على الكرامات أو الخوارق، قائمة على الترتيب والتخطيط الدقيق والعمل المنظم.  ويظهر نور الدين وهو يسخر من صديقه البصيري حين رفع بصره إلى السماء ورأى نجمًا لامعًا متفائلًا بنجاتهم من الحصار، لتأتي المفارقة الدرامية قاسية بإلقاء القبض عليهم.

وحتى الكرامات المنسوبة إلى نور الدين نفسه، لا تأتي الغالبية منها في صورة أفعال خارقة تلغي الفعل البشري، فإغلاقه لكرخانة الغوازي  كما تنبأ له شيخه الطيب  بعدما فشل الجميع في إغلاقها،  لم يتم عبر الهدم  لكن من خلال إقناع العاملين فيه بالتوبة وإدراكهم لسوء العاقبة والمصير، أي عبر تغيير الوعي لا تحطيم المكان. ليحضر التصوف في المسلسل قوة إصلاح أخلاقي واجتماعي قائمة على الاقتناع والحب لا العنف والكراهية وليس وسيلة للانسحاب من الواقع أو تعطيل العقل.

يقدّم المسلسل سيرة شخصية تبدو استثنائية، غير أن هذه الاستثنائية لا تنفصل عن نمط إنساني شكّل عماد عالم الجنوب، الشيخ المتعلم، المتنور المحب للعلم، الرافض للتقاليد البالية التي تجافي العقل. يعمل الشيخ نور الدين على تأسيس مدرسة في الأقصر لتعليم أبناء الأقصر والقرى المحيطة بها بدلًا من السفر إلى قنا، يجمع التبرعات لتحمّل نفقات الطلاب الدارسين في القاهرة التي يعزف الآباء عن إرسالهم رغم تفوقهم لعجزهم عن تحمّل كلفة التعليم، في ظل غياب دور الدولة والتهميش المزمن الذي تعانيه المناطق البعيدة عن المركز.

لا تبدو هذه الصورة بعيدة عن الواقع، فقد وُلدتُ في قرية كانت جميع مدارسها ثمرة لتبرعات الأهالي. أولى هذه المدارس شيّدت بجهود ذاتية وبالطوب اللَّبِن على يد الشيخ الأمير محمد صالح عام 1967م، ثم تلتها ثلاث مدارس أزهرية (ابتدائية، وإعدادية، وثانوية للبنين والبنات) أقيمت جميعها عبر التبرعات التي دعا إليها الشيخ نفسه، فضلًا عن مسجدين وساحة، والكتاتيب، وعدد من المشروعات الخدمية الأخرى. وهو ما يضيء الخلفية الاجتماعية التي يتحرك فيها نموذج الشيخ نور الدين، فهو امتداد حي لتجربة جنوبية راسخة.

من هنا تتضح خطورة وأهمية الدور الاجتماعي الذي يضطلع به الشيخ نور الدين، لا بديل له داخل هذه المجتمعات شبه المغلقة، التي تثق في السلطة الدينية أكثر من أي سلطة أخرى، خاصة حين يكون الشيخ قد اختبر صدقه وعدله عبر الزمن. يلجأ إليه الناس في الصغيرة والكبيرة، وينجح في حل قضايا شديدة الخطورة مثل قضايا الشرف التي نجح الشيخ نور الدين داخل المسلسل في احتواء أزمة كادت تُفضي إلى إراقة دماء، عبر تزويج الطرفين وستر الفضيحة.

من الخيوط الدرامية التي كانت في حاجة إلى تعميق وحفرٍ أكبر في المسلسل، شخصية دياب، الطالب النجيب الذي حارب الشيخ نور الدين من أجل استكمال تعليمه الجامعي. وبالفعل ينجح دياب ويتفوّق، ويدرس في جامعة السوربون بباريس ويحصل على درجة الدكتوراه منها، ثم يعود إلى الأقصر على فترات متقطعة، لا يقيم في بيته، ويفضّل الإقامة في أحد فنادق المدينة. يتعالى على أهله، ويتعامل معهم كخدم، متناسيًا أصوله بعد استقراره في القاهرة وزواجه منها. وفي كل عودة، لا يأتي إلا ليبيع قطعة جديدة من أرضه متناسيًا حاجة أمه وأخيه لهذه الأرض مصدر دخلهم الوحيد والذي لم يتلق تعليمه لعدم قدرة الأسرة على رعاية اثنين من أبنائها وسط نظام تعليمي مكلف.

تعميق هذا الخط كان كفيلًا بإضافة بعد حيوي للمسلسل، وطرح قضية شديدة الأهمية حول أثر التعليم في تشكيل الهوية وتغيرها، ولا سيما الهويات المحلية. كما كان من الممكن صنع مقابلة درامية ثرية بين دياب ومحمود، ابن الشيخ نور الدين؛ فكلاهما درس في جامعات الغرب لسنوات، غير أن المسارين يختلفان جذريًا. فمحمود، الذي تتنافس المؤسسات الأكاديمية الغربية على استبقائه وتغريه بالرواتب التي يريدها، يختار العودة إلى الأقصر لإنقاذها واستعادة روحها الجميلة، يعود متناغمًا مع عالمها، محبًا لها، ومؤمنًا بقيمها. أما دياب، فيرى في مجتمع الأقصر عالمًا متخلفًا غارقًا في الخرافات، لا يستحق التوقف عنده أو الانتماء إليه.

استثمار شخصية دياب على النحو الأمثل دراميًا، كان سيقدم صيغة موازية لشخصيات إشكالية كبرى في السرد والدراما العربية الحديثة مثل إسماعيل في «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، ومصطفى سعيد في «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح. غير أن الشخصية لا تحضر إلا في الحلقات الأخيرة من المسلسل، وتعالج بتحولات سريعة مختزلة، تنتقل فيها من التعالي والقطيعة إلى رؤية الشيخ نور الدين الذي يدعو له ويراهن على «أصله الطيب»، فيتأثر بكلامه ويعود فجأة إلى نقائه والتفاهم مع عالم الأقصر، والعيش فيها مع أسرته. نقلة درامية، على وجاهتها المعنوية، كانت في حاجة إلى حبكة أكثر إحكامًا، وتدرّج نفسي وزمني أوضح، حتى يأتي التحول مقنعًا بقدر عمق الإشكالية التي تطرحها الشخصية.

رسم الفنان هشام سليم (1958- 2022م) شخصية الشيخ نور الدين بأداء مقنع، اتسم بالهدوء والعمق، وباستخدام لغة جنوبية بعيدة عن التنميط الصعيدي الشائع في الدراما المصرية. وأسهم في ترسيخ هذه المصداقية أداء كل من روجينا في دور «رفيقة»، وفتوح أحمد في شخصية «الزغابي»، ومحمود الجندي في دور «الطيب»، وإن ظلت اللهجة تمثل تحديًا لدى عدد من الممثلين الآخرين، لا سيما في نطق حرفي الجيم والقاف الصعيديتين، حيث غلبت أحيانًا الصيغة القاهرية أو الهجينة.

وعلى مستوى الصورة، راعت/ الجلاليب إلى حد بعيد شكلها وأنماطها كما كانت سائدة في الأقصر خلال الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث، وهو ما يحسب للعمل من حيث الوعي بالبعد البصري للمكان. غير أنّ ما يُؤخذ على المسلسل أنه قدم الجيل الجديد، ممثلًا في محمود وأصدقائه، وكذلك أبناء هذا الجيل، وهم يرتدون القمصان والبناطيل طوال الوقت، على خلاف الواقع الاجتماعي في الجنوب. فهذه الملابس ترتدى عادة عند الذهاب إلى المؤسسات الرسمية، كالمدارس أو أماكن العمل، ثم يعود الأفراد بعدها إلى ارتداء الجلاليب، الزي اليومي الذي يشكّل جزءًا أصيلًا من الهوية البصرية والثقافية للمكان.

توجد بعض التفاصيل الأخرى التي لم يلتفت إليها الإخراج بالقدر الكافي، خاصة ما يتصل بمنطق الزمن واستمرارية المكان. فالأرض التي يفلحها نور الدين ووالده، وعلى تعدد المشاهد التي ترصد مراحل زمنية مختلفة، تظهر دائمًا على الهيئة نفسها دون أي تغيير، بما يكشف أن هذه المشاهد صُوِّرت في المكان ذاته وفي توقيت واحد دون مراعاة لتحولات الزمن وموسم الفيضان، الزرع والحصاد..

وينسحب الأمر ذاته على المكان الذي يغرق فيه «أخو» نور الدين، يظهر بالصورة نفسها بعد مرور عقود، حين يعود المشهد مع محمود، دون أن تطرأ عليه أي علامات للتغير أو آثار لتطاول الزمن، رغم أن الزمن بطبيعته لا يبقي شيئًا على حاله، خاصة في الأماكن المفتوحة والطبيعية.

وتتجلى المفارقة الزمنية كذلك في الشخصيات، تظهر رقية (لقاء الخميسي)، زوجة الشيخ نور الدين، في مشاهد تجمعها بمحمود، أصغر أبناء الشيخ، وهي في سن الشباب، بينما يكون نور الدين قد بلغ الشيخوخة، دون أن تنعكس عوامل الزمن على ملامحها بالقدر المنطقي. ويتكرر الأمر مع فتحية طنطاوي في دور «رتيبة»، أم دياب التي تظهر في شباب ابنها وهي حريصة على دعمه للوصول إلى التعليم الجامعي، ثم تعود لتظهر بالهيئة نفسها بعد مرور سنوات طويلة، في الوقت الذي يظهر فيه دياب (علي عبد الرحيم) كهلًا وقد اشتعل رأسه شيبًا. تكشف هذه التفاصيل، وإن بدت صغيرة، عن خلل في التعامل مع الزمن  يزداد وضوحًا في عمل يمتد على ما يقارب قرن كامل، ويعتمد في بنائه على التتابع التاريخي والاسترجاع المستمر.

غير أنّ هذه الملاحظات، في مجملها، تفاصيل لا تنتقص من قيمة هذا العمل ولا من المكانة التي يستحقها عن جدارة في تاريخ الدراما المصرية.
-------------------------
د. عبدالكريم الحجراوي