بين المصالحة والمنافسة، تخطو الدبلوماسية الإقليمية في المنطقة خطوة محورية مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، حيث لا تُمثل هذه الزيارة مجرد لقاء روتيني بين زعيمين، بل هي إعلان عملي عن ولادة نموذج "التحالفات السائلة" في الشرق الأوسط، فهذا النموذج الناشئ لا يسعى إلى إخفاء التناقضات أو إنهاء المنافسة التاريخية بين ثقلين إقليميين، بل يعترف بها كسمة دائمة، ويعمل على هندسة تعاون مرن ومؤقت فوق أرضيتها، إنها محاولة جريئة لتحويل صفحة مضطربة من العلاقات، حافلة بعقد من الجفاء والتنافس الحاد على مسارح من ليبيا إلى شرق المتوسط، إلى فصل جديد قائم على براجماتية متحللة تسمح بفصل مجالات التعاون الحيوي عن صخور الخلاف الاستراتيجي.
هذا التقارب السائل لم يولد من فراغ، بل هو وليد ضرورات وجودية وضغوط جيوبوليتيكية ملموسة تدفع البلدين نحو مصالحة استراتيجية تجريبية. فمصر التي تواجه تحديات جسيمة على جبهات أمنها القومي من خطر التهديد المائي إلى وابل التحديات الاقتصادية وعدم الاستقرار في جوارها المباشر، تجد نفسها بحاجة ماسة إلى تنويع أدواتها وتحالفاتها خارج الأطرالتقليدية الصلبة. ومن جهتها تسعى تركيا، بعد سنوات من السياسة الخارجية المتمرّدة التي كلفتها عزلاً نسبياً وضغوطاً اقتصادية داخلية، إلى إعادة تدوير نفوذها وإيجاد موطئ قدم شرعي في المحيط العربي، وتجد في مصر، بثقلها التاريخي والاستراتيجي، شريكاً لا غنى عنه لتحقيق هذه المرونة، وهكذا تلتقي إرادتان على أرضية من المصلحة المحضة، محاولتان نسج تحالف "سائل" يتعامل مع المنطقة ليس ككتلة صلبة، بل كشبكة ديناميكية من المصالح المنفصلة والمتداخلة.
وزيارة الرئيس أردوغان للقاهرة تتويج عملي لمسار مصالحة استمر لسنوات، وتحول استراتيجي بارز في ديناميكيات الشرق الأوسط نحو نموذج تعاوني أكثر مرونة وبراجماتية. فبعد عقد من التوتر، لم تعد العلاقات تُقاس بمعيار الولاءات الأيديولوجية الجامدة، بل بمدى القدرة على إدارة المخاطر المشتركة وتعظيم المنفعة في مجالات حيوية محددة، مع الاتفاق الضمني على تجميد الخلافات الاستراتيجية التي يصعب حلها في المدى المنظور، ويظهر نجاح هذا النموذج في القدرة على منع انفجار التناقضات التاريخية التي يصعب حلها والاستمرار في جني ثمار التعاون في ميادين أخرى، وهو ما يعبر عن "عقلانية براجماتية" تتناسب مع سيولة التحالفات وتعقيدات البيئة الإقليمية.
شكّل عام 2013 منعطفاً مصيرياً في مسار العلاقات بين القاهرة وأنقرة، حيث تحوّلت تركيا، تحت قيادة أردوغان وحزب العدالة والتنمية، إلى حامٍ سياسي رئيسي لجماعة الإخوان المسلمين بعد عزل الرئيس محمد مرسي، ولم تكن انتقادات أردوغان العلنية واللاذعة للسلطات المصرية الجديدة إيذاناً بفتح شرخ استراتيجي عميق، تحوّل سريعاً إلى مواجهة بالوكالة عبر عدة جبهات إقليمية متشابكة، في ليبيا حيث ساندت الدولتان فصائل متعارضة وصولاً إلى الدعم العسكري المباشر، مما جعل الأراضي الليبية ساحة لتصادم النفوذ. وامتدّ هذا التنافس إلى المياه الدولية، حيث اشتعلت أزمة أخرى حول ترسيم الحدود البحرية واستغلال موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط، حيث سارعت مصر إلى تشكيل منصة تعاون إقليمي مع اليونان وقبرص وإسرائيل، في تحالف يستثني تركيا بشكل واضح ويمثل تحدياً مباشراً لطموحاتها الاقتصادية والأمنية في الحوض الشرقي للمتوسط.
ولم تقتصر نقاط الاحتكاك على ذلك، بل وصلت إلى واحدة من أخطر الملفات على الأمن القومي المصري، وهو ملف سد النهضة الإثيوبي، فقد رأت القاهرة في العلاقات العسكرية والاقتصادية الوثيقة بين أنقرة وأديس أبابا، خاصة في مجال الصناعات الدفاعية، دعماً غير مباشر للموقف الإثيوبي في مفاوضات السد، مما عمّق شعور التهديد الوجودي لدى مصر، كما وضعت الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017 كلاً منهما في خندق مختلف، لتتراكم طبقات من الشكوك والمواقف المتعارضة على مدى عقد كامل، جعلت العلاقات أشبه بحقل ألغام جيوبوليتيكي.
غير أن منطق الجغرافيا والمصلحة الوطنية الصلبة بدأ يفرض نفسه تدريجياً، ففي فبراير 2024، شهدت القاهرة زيارة تاريخية لأردوغان، مثلت أول كسر جاد لجدار الجفاء وعلامة على بدء مسار مصالحة حذر، ثم جاءت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في سبتمبر من العام ذاته لتكمل هذه الصورة، حيث تجاوزت الزيارتان طابع المصالحة الشكلية إلى محاولة حقيقية لاستعادة الثقة المتبادلة وإعادة تأسيس الحوار على قاعدة من البراجماتية الواقعية، معترفين ضمناً بأن كلفة الاستمرار في العداء تفوق بكثير أي مكاسب آنية من التنافس، وهكذا تحوّلت العلاقة من حالة القطيعة الكاملة إلى ما يمكن وصفه بالمصالحة الانتقائية، وهي عملية ديناميكية تقوم على فصل الملفات والتعاون في المجالات ذات المنفعة المباشرة المشتركة، بينما يتم تجميد أو إدارة الخلافات الاستراتيجية الأعمق بعناية، في نموذج أولي للتحالف المرن الذي تتجه إليه ديناميات المنطقة المضطربة.
وتبشّر زيارة الرئيس أردوغان بنقلة نوعية من طابع الخصومة الإيديولوجية إلى مرحلة جديدة عنوانها الجيوبوليتيكية البراجماتية البحتة، فلم يعد بإمكان أي من القاهرة أو أنقرة تجاهل حقيقة أن المصالح الجيوبوليتيكية والاقتصادية المتشابكة والتحديات الإقليمية الملحة تمليان عليهما التعاون الانتقائي، الذي يقتضي فصل مجالات التنسيق الحيوية عن صخور الخلافات الإستراتيجية التي يصعب حلها اليوم، ويدفع هذا التحول سيل من الضغوط الداخلية والخارجية: فكلتاهما تعاني من تحديات اقتصادية واجتماعية خانقة، من أزمات الديون والتضخم إلى الضغوط المالية المستمرة، في وقت يشهد فيه المحيط الإقليمي تحولات عميقة في ليبيا وغزة والعلاقات الخليجية، وعلى المستوى الأمني الإقليمي، تبرز تهديدات مشتركة تدفع نحو التعاون، كالقلق من اتساع الفجوة التكنولوجية العسكرية مع إسرائيل وعدم الاستقرار المتزايد في شرق المتوسط، مما يحث البلدين على تنويع مصادر تسليحهما وتعزيز قدرات الإنتاج العسكري المحلي عبر شراكات تكنولوجية، كتلك التي تهدف لإنتاج مسيرات "بهاء" و"بولوت" و"بوزباي" بشكل مشترك.
كما أن الأزمات الإقليمية المحتدمة، من الحرب في غزة والصراع في السودان إلى الوضع في ليبيا، تعرض مصالح البلدين للخطر وتستدعي قنوات تنسيق وتواصل مفتوحة، حتى وإن اختلفت الرؤى حول الحلول النهائية، وفي الخلفية بقيت العلاقات التجارية - المتمثلة في نمو التبادل بنسبة 14% بين 2021 و2022 ليصل إلى 7.7 مليار دولار - بمثابة الجسر العملي الذي حافظ على رابط المصلحة المادية الحيوي بينهما طوال سنوات القطيعة السياسية، لتكون ركيزة صلبة يبنى عليها اليوم، وهكذا فإن هذه البراغماتية ليست خياراً ترفيهياً، بل هي استجابة ضرورية لواقع داخلي قاس وإقليمي متقلب، تهدف إلى تحويل الثنائي من حالة الاستنزاف المتبادل إلى مراكمة "رأس مال استراتيجي" مشترك يمكن توظيفه في إدارة التعقيدات القادمة.
ففي عام 2026، تجد مصر نفسها في مواجهة حزمة معقدة ومتداخلة من التحديات الوجودية التي تهدد أمنها القومي من جميع الاتجاهات، مما يدفعها نحو تبني دبلوماسية مرنة تقوم على تنويع الشراكات الاستراتيجية بعيداً عن منطق المحاور الصلبة، فمن ناحية الجنوب، يمثل سد النهضة الإثيوبي تهديداً مباشراً وجودياً لأمنها المائي، وتتحرك إثيوبيا وفق منطق خلق أزمات متعددة - مثل التحركات في الصومال - لتخفيف الضغط الدولي حول أزمة السد وفرض أمر واقع جديد على مجرى النيل، وإلى الشرق يفرض الملف الفلسطيني عبئاً استثنائياً، حيث ترفض مصر رفضاً قاطعاً أي سيناريو لتهجير سكان غزة إلى سيناء، وهو ما يلوح في أفق خطط دولية مثل "مشروع شروق" الأمريكي الذي تبلغ كلفته 112 مليار دولار ويركز على إعادة إعمار جغرافية غزة دون تقديم تصور واضح لمصير سكانها، وهذا الموقف يتطلب من مصر حلفاء إقليميين أقوياء يدعمون رؤيتها الرافضة للتهجير والحامية لحدودها، وقد وجدت في التقارب مع تركيا داعماً قوياً لهذا الموقف، حيث شكلت الحرب الإسرائيلية على غزة "عامل تسريع" رئيسي لهذا التحالف المرن.
أما في العمق الاستراتيجي الجنوبي، فإن استمرار الحرب الأهلية في السودان يمثل تهديداً مزدوجاً، فهو يفتح الباب أمام تدفق اللاجئين والفوضى نحو الحدود المصرية، وفي الوقت ذاته يهدد بخلق واقع جديد قد يؤدي إلى تقسيم "ناعم" للدولة السودانية، مما يؤثر على مفاوضات سد النهضة، وتنظر القاهرة بقلق بالغ إلى التقارير المتعلقة بإحياء اتفاق لإنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان، خشية أن يحول البحر الأحمر إلى ساحة لصراع القوى الكبرى، لذا تتبنى مصر نهجاً دبلوماسياً نشطاً، من خلال المشاركة في "خطة الرباعية" الدولية مع الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، والتي تدعو لوقف إطلاق النار والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، انطلاقاً من إيمانها بأن استقرار السودان ليس قضية إنسانية فحسب، بل ضرورة استراتيجية لمصر وللأمن الإقليمي ككل.
على المستوى الاقتصادي الداخلي، تزيد هذه الضغوط الإقليمية الهائلة من حدة التحديات التي تواجهها مصر، مما يجعل السعي لجذب الاستثمارات وتعزيز الشراكة الاقتصادية مع تركيا أولوية لا تقل أهمية عن الأمن، وهذا ما يتجلى في أهداف ملموسة، مثل السعي لرفع حجم التبادل التجاري الثنائي من حوالي 9 مليارات دولار إلى 15 مليار دولار، وهو هدف تم إعلانه خلال زيارة الرئيس أردوغان.
في مواجهة هذه المشهد المعقد، لم تعد مصر طرفاً مراقباً، بل فاعلاً إقليمياً يسعى لرسم حدود الاستقرار وبناء شبكة من التحالفات المرنة والقادرة على إدارة التناقضات، ويأتي التعاون المتزايد مع تركيا، والذي يتسع ليشمل مجالات حيوية مثل الصناعات الدفاعية المشتركة (كالمشاركة في برنامج الطائرة المقاتلة التركية "كان")، كمحاولة عملية لتحقيق توازن إقليمي جديد ومواجهة التحديات المشتركة، في نموذج عملي للتحالف المرن الذي تفرضه ضرورات المرحلة.
من جهة أنقرة، يندرج التقارب مع مصر ضمن استراتيجية متعددة المستويات تهدف إلى معالجة مزيج معقد من التحديات الداخلية والطموحات الإقليمية، في قلب هذه الاستراتيجية تقف الحاجة الملحة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، حيث تواجه تركيا في عام 2026 هدفاً طموحاً يتمثل في خفض معدل التضخم السنوي إلى حوالي 16%، بعد أن بلغ ذروته عند 75% في منتصف عام 2024، ويُعتبر هذا الهدف "الأكثر حرجاً" في البرنامج الاقتصادي متوسط المدى للحكومة، وفي هذا السياق، يأتي السعي لتعزيز العلاقة مع مصر كبوابة رئيسية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنشيط التبادل التجاري، وتمثل هذه الشراكة حلقة وصل حيوية في سلسلة إمدادات تركيا، وتعزز أهدافها التصديرية التي تتطلع لبلوغ 282 مليار دولار في عام 2026، وتساهم في سد العجز في الحساب الجاري.
على الصعيد الجيوبوليتيكي، تتطلع أنقرة، بعد سنوات من العزلة الإقليمية، إلى إعادة التموضع كفاعل مركزي لا يمكن تجاهله في هندسة الشرق الأوسط الجديدة، ويعدّ تحسين العلاقات مع مصر، بثقلها التاريخي والقاري الهائل، إنجازاً استراتيجياً يضفي شرعية على هذا الدور، وهو ما تظهره تصريحات صادرة عن مجلس الأمن القومي التركي الذي أكد تطلع أنقرة إلى "توسيع دورها الإقليمي" على خطوط الأزمات الممتدة، فمصر هي مفتاح النفوذ في أهم الساحات الحيوية لتركيا: ليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، فتأمين المصالح التركية في ليبيا، التي تضخّمت فيها الاستثمارات السياسية والعسكرية، أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بإيجاد أرضية تفاهم مع القاهرة التي تمتلك تأثيراً حاسماً على المشهد الليبي، وبالمثل فإن التنسيق في البحر الأحمر يحمي خطوط التجارة الحيوية ويعزز الوجود التركي في منطقة تزداد أهميتها ضمن أولويات أنقرة الأمنية المتوسعة.
تُظهر الزيارة وكثافة جدول الأعمال كيف يتحول التحالف المرن من مفهوم نظري إلى هندسة عملية دقيقة، حيث تعمل الدبلوماسية على تفكيك العلاقة الثنائية إلى حزم منفصلة من الملفات، ويتم التعامل مع كل حزمة بمنطق مستقل، بناءً على درجة تقاطع المصالح المباشرة وحساسية الملف سياسياً، مما يسمح ببناء جسور تعاون حيثما يكون ذلك ممكناً ومربحاً، بينما يتم وضع الجسور المحترقة سابقاً تحت إدارة محكمة لمنع أي اشتعال جديد. وهذا النهج هو جوهر "المرونة" في التحالف، حيث يتيح للطرفين تحقيق مكاسب ملموسة والتعامل مع أزمات ملحة دون الدخول في مواجهات استراتيجية كبرى أو تقديم تنازلات جوهرية في القضايا الخلافية، إنه اعتراف واقعي بأن التعاون الكامل شبه مستحيل في ظل الإرث الحالي. ويُشكل التعاون الاقتصادي والتجاري حجر الزاوية المتين في صرح التحالف المرن بين مصر وتركيا، حيث يمثل المجال الأقل حساسية سياسياً والأكثر وضوحاً في عوائده المادية المباشرة للطرفين، وقد تجسّد هذا الاتفاق عبر هدف طموح وواضح يتمثل في مضاعفة حجم التبادل التجاري الثنائي، الذي بلغ قرابة 7.7 مليار دولار عام 2022، ليصل إلى 15 مليار دولار سنوياً. ولتحقيق هذه القفزة، تعمل الدبلوماسية على مسارين متوازيين: الأول هو التوقيع على عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تخلق الإطار القانوني والتسهيلات اللازمة، والثاني هو تحفيز وتوسيع نطاق الاستثمارات التركية المباشرة في السوق المصري، والذي يُنظر إليه في أنقرة ليس فقط كوجهة بحد ذاتها، بل كمنصة إستراتيجية أو "بوابة" رئيسية للوصول إلى الأسواق الأفريقية الواسعة.
وتتركز هذه الاستثمارات، التي تُقدّر قيمتها الإجمالية بأكثر من 2.5 مليار دولار وتتولى إدارتها أكثر من 200 شركة تركية، في قطاعات حيوية مثل الصناعات النسيجية والكيماويات والأغذية وتكنولوجيا المعلومات، ويكتسب هذا التعاون زخماً إضافياً من الإرادة السياسية العليا في البلدين، حيث تُعتبر اللجنة المشتركة رفيعة المستوى الآلية الرئيسية للمتابعة والتنسيق، فإن هذا التركيز على الاقتصاد، بصفته "العمود الفقري" للعلاقة، يخدم غرضاً أعمق من مجرد الأرقام؛ فهو يبني رصيداً تراكمياً من الثقة العملية والمصلحة المشتركة، ويخلق شبكة مصالح اقتصادية متشابكة تكون صمام أمان يحول دون الانزلاق السريع نحو القطيعة عند أي أزمة سياسية مستقبلية، مما يجعله بالفعل أساساً صلباً لهندسة التحالف المرن.
ويمثل التعاون الأمني والدفاعي المستوى الأكثر حساسية ورمزية في مسار التقارب المصري التركي، حيث يلامس صميم مفاهيم السيادة والأمن القومي للبلدين، وبالتالي يتقدم بوتيرة محسوبة وحذرة، ويندرج هذا التحرك ضمن استراتيجية أوسع لكلا الطرفين تهدف إلى تنويع مصادر التسلح وتعزيز الاكتفاء الذاتي الإقليمي، في ظل تحولات سوق السلاح العالمية وتقلب التحالفات التقليدية، وتتجلى الآليات العملية لهذا المسار في عدة مستويات: على الصعيد الفوري، تجري مناقشات متقدمة حول صفقات محتملة لأنظمة الدفاع التركية، مع تركيز خاص على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية (مثل طرازات "بيرقدار" و"أكينجي") وأنظمة الدفاع الجوي قصيرةومتوسطة المدى، والتي أثبتت فعاليتها في ساحات قتال إقليمية، وعلى المستوى المتوسط، تستأنف الدولتان سلسلة مناورات "بحر الصداقة" البحرية بعد توقف دام 13 عاماً، وهي خطوة عملية لبناء ثقة ميدانية وتوحيد الإجراءات بين أسطوليهما في شرق المتوسط والبحر الأحمر، أما على المدى الطويل، فتتجه الأنظار نحو إمكانية الانتقال من علاقة "بائع-مشترٍ" إلى شراكة تصنيع وتطوير مشتركة، عبر اتفاقيات لنقل التكنولوجيا وإنتاج مكونات متقدمة، مما يعزز الطموح المشترك لتحقيق استقلالية دفاعية أكبر.
غير أن هذا المسار محفوف بتعقيدات جيوبوليتيكية دقيقة تجعله بطيئاً وهشاً، فحساسية التعاون الدفاعي لا تنبع فقط من طبيعته، بل من تشابكه المربك مع تحالفات الطرفين المتضاربة، فمثلاً تثير أي صفقة دفاعية تركية مع مصر تساؤلات حول مدى توافقها مع العلاقات العسكرية الوثيقة بين أنقرة وأديس أبابا، خاصة في ظل استمرار أزمة سد النهضة كقضية وجودية لمصر، وبالمثل يجب على هذا التعاون الجديد أن يتوازن بحذر مع علاقات مصر الدفاعية التاريخية مع دول أخرى، ولذلك فإن التقييم الحالي يشير إلى أن التعاون الدفاعي، رغم رمزيته الكبيرة واتجاهه التصاعدي، يظل خاضعاً لاعتبارات البراجماتية الصارمة وإدارة المخاطر، فهو يتقدم فقط في المجالات التي لا تهدد بشكل مباشر مصالح حلفاء آخرين أو تؤجج صراعات إقليمية كامنة، مما يجعله النموذج الأوضح للمرونة في هذا التحالف: تعاون عميق ولكن مشروط، واستراتيجي لكنه قابل للتعديل أو التجميد إذا ما هددت توازنات أوسع.
يمثل التنسيق السياسي والإقليمي المستوى الأكثر ديناميكية وتكتيكية في العلاقة الثنائية، حيث يتجلى بوضوح منطق "التحالف المرن" القائم على إدارة الأزمات الآنية دون التسليم بانسجام استراتيجي شامل، ففي الملف الفلسطيني، يجسد موقفا البلدين من قضية غزة نموذجاً لهذه الآلية، فبينما يتقاطعان بشكل كامل في رفض أي مخطط لتهجير سكان القطاع. وتقود مصر جهود الوساطة على الأرض بفضل قنوات اتصالها المباشرة مع جميع الأطراف وتحكمها بمعبر رفح، بينما توظف تركيا نفوذها الدبلوماسي والإعلامي الدولي لدعم هذا الموقف وخلق ضغط سياسي. أما في الساحتين الليبية والسودانية، فقد تحولت العلاقة من دعم أطراف متصارعة إلى إقرار بضرورة احتواء الانهيار، ففي ليبيا، تم وضع آلية تشاور ثنائية هادئة تهدف للحفاظ على الهدوء النسبي على خطوط التماس ومنع أي تصعيد قد يهدد مكتسبات الطرفين، مع الاعتراف الضمني بتقسيم النفوذ، وفي السودان، يجمع البلدين قلق مشترك من تحول الحرب الأهلية إلى تفكك كامل للدولة، قد يفتح الباب أمام نفوذ قوى إقليمية ودولية منافسة ويعرض أمن البحر الأحمر، الذي تزداد أهميته الاقتصادية والأمنية لكليهما، لمخاطر جسيمة.
ولإدارة هذا التعاون المعقد والحفاظ على زخمه، لجأ الطرفان إلى تأسيس أطر مؤسسية متعددة المستويات، ويأتي في مقدمتها "مجلس التعاون الاستراتيجي" الذي يرأسه رئيسا البلدين، والذي يضع التوجيهات العامة ويحول العلاقة من ردود الأفعال الظرفية إلى شراكة مستدامة، كما تعمل لجان متابعة رفيعة المستوى على المستوى الوزاري والتقني على ترجمة هذه التوجيهات إلى خطط عمل ملموسة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، مما يضمن استمرارية الحوار حتى في فترات التوتر. هذه المؤسسية ليست دليلاً على تحالف تقليدي، بل هي أدوات لضبط إيقاع "التحالف المرن"، تسمح بمواصلة التعاون في ملفات وضبط الخلاف في أخرى، وتوفر صمام أمان دبلوماسياً يمنع الانزلاق إلى القطيعة الكاملة.
ويكشف التحالف المرن بين مصر وتركيا عن حقيقته الجوهرية وأداته الرئيسية في تعامله مع القضايا التي تشكل صميم التنافس الاستراتيجي بينهما: "التجميد المؤقت" أو "الإدارة الحذّرة"، فهنا لا يسعى الطرفان لحل الخلافات المستعصية، بل إلى عزل تأثيرها المدمر عن مجالات التعاون الأخرى، وهو اختبار حقيقي لفعالية هذا النموذج. اختارت القاهرة وأنقرة بشكل واعٍ "وضع الملف على الرف" مؤقتاً، وهذا القرار ليس إنكاراً للخلاف، بل هو اعتراف بأن أي محاولة للإجبار قد تؤدي إلى انهيار كامل لجسور المصالحة الهشة، ويُتوقع أن يتم العودة إليه فقط في ظل ظروف إقليمية ودولية أكثر ملاءمة، أو عند ظهور فرصة لحل تفاوضي يضمن مكاسب للطرفين.
الأكثر تعقيداً هو إدارة شبكة السياسات الإقليمية المتقاطعة والمتنافسة التي تضع كل دولة في تحالفات مع أعداء الدولة الأخرى، فمن ناحية، تواصل تركيا تعاونها العسكري والاقتصادي الوثيق مع إثيوبيا، ومن ناحية أخرى، تحافظ مصر على شراكتها الاستراتيجية مع اليونان وقبرص، وهما خصمان إقليميان لتركيا في ملف شرق المتوسط، فإن إدارة هذا التناقض الصارخ تتطلب دبلوماسية فائقة الدقة، حيث تعمل القنوات السرية والخطاب الدبلوماسي المزدوج على منع تحول هذه التحالفات الخارجية إلى أزمات ثنائية مباشرة، والهدف ليس التخلي عن هذه التحالفات، بل منعها من التصادم، عبر ضمان أن سياسات أنقرة في القرن الأفريقي لا تهدد المصالح المصرية الحيوية بشكل مباشر، وأن تحركات القاهرة في المتوسط لا تُفسر في أنقرة على أنها تطويق متعمد، فنجاح أو فشل هذه الإدارة الدقيقة للتناقضات هو ما سيحدد، أكثر من أي شيء آخر، مدى متانة ومرونة هذا التحالف غير التقليدي وقدرته على الصمود أمام عواصف المستقبل الإقليمية.
ورغم الزخم الدبلوماسي الحالي، فإن مسار التحالف المرن بين القاهرة وأنقرة يسير على حبل مشدود فوق هوة من التحديات الهيكلية التي تهدد استمراريته على المدى الطويل، وتتجذر هذه التحديات في ما يمكن وصفه بالجيولوجيا السياسية الثابتة للمنطقة، حيث تتصادم طموحات قيادتين إقليميتين لكل منهما رؤية قومية توسعية وتاريخ من التنافس على النفوذ في الفضاء العربي والأفريقي، فمحاولة إدارة هذا التنافس عبر ترتيبات مرنة تشبه محاولة كبح قوة جيولوجية هائلة؛ قد تنجح مؤقتاً، لكن أي زلزال سياسي مفاجئ - كتصعيد في ليبيا أو أزمة في القرن الأفريقي - قد يعيد إلى السطح خطوط الصدع القديمة ويدفع بالبلدين إلى استعادة أدوارهما التنافسية الأساسية، وتزداد هذه المعضلة تعقيداً بسبب شبكة التحالفات المتقاطعة والمتعارضة التي تنسجها كل دولة على حدة، فهذه "الولاءات المنقسمة" تضعف من رصيد الثقة المتبادل، وتجعل أي تقدم في أحد الملفات الخلافية محفوفاً بإمكانية الانتكاس.
وعلاوة على ذلك، فإن الهشاشة الداخلية لكلا البلدين تشكل عاملاً مضاعفاً للمخاطر، فالأزمات الاقتصادية المزمنة، والضغوط الاجتماعية، والتحديات المالية الكبيرة (كالدين العام والعجز)، قد تدفع أي من الحكومتين، تحت وطأة الضغوط الشعبية أو صراعات النخبة، إلى تبني خطاب قومي صارم أو البحث عن عدو خارجي كصمام أمان، وفي مثل هذه السياقات، غالباً ما تكون الدبلوماسية المرنة والبراجماتية هي الضحية الأولى، حيث يفضل صناع القرار العودة إلى المواقف الأكثر صلابة والأقل قابلية للمساومة شعبوياً، والأخطر من ذلك كله هو السياق الإقليمي السائل ذاته، الذي نشأ التحالف المرن كرد فعل عليه، فظاهرة "الحلفاء الخصوم" وغياب الولاءات الثابتة، بينما تفتح مجالاً للمناورة، فإنها تخلق أيضاً بيئة من عدم اليقين الدائم، وقد تدفع حسابات آنية، أو تغير مفاجئ في تحالفات قوى إقليمية ثالثة (كإيران أو السعودية أو إسرائيل)، أي من الطرفين إلى إعادة تقييم شراكته مع الآخر بسرعة، بحثاً عن منفعة فورية أو لموازنة تهديد جديد، وبالتالي فإن استدامة هذا التحالف لا تعتمد فقط على إرادة القيادتين، بل على قدرتهما على عزل شراكتهما الثنائية الناشئة عن العواصف التي تهز باستمرار المشهد الجيوبوليتيكي الأوسع، في اختبار صعب لقدرة الدبلوماسية على الصمود في وجه فوضى المنطقة.
وبالتالي، فإن زيارة أردوغان للقاهرة تشكل نموذجاً حياً وقابل للقياس لهذه الهندسة الجيوبوليتيكية الجديدة، فهي تطرح سؤالاً محورياً: هل يمكن لتحالف سائل، يعترف بالمنافسة كأصل وليس كاستثناء، أن ينجح في بيئة تكاد تكون فيها الخلافات هيكلية والثقة معدومة؟ وهل يمكن لدولتين تحملان إرث إمبراطوريات وروافع قومية طموحة أن تبني فعلاً شراكة انتقائية قادرة على الصمود أمام أول عاصفة إقليمية؟ الإجابة على هذا التساؤل لا تحمل دلالات على مستقبل العلاقة الثنائية فحسب، بل ستكون مقياساً لمصداقية نموذج التحالفات السائلة برمّته في منطقة تعاني من "الاضطراب المزمن"، إنها رهان على قدرة الدبلوماسية على إدارة التناقضات بدلاً من حلها، وعلى خلق حالة من المرونة الإيجابية التي تظل فيها قنوات التعاون المحدد والمربح مفتوحة، حتى في قلب صراع استراتيجي أوسع، وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تجسده هذه الزيارة، والذي قد يُعيد رسم معادلات النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيداً. التوقعات على المدى القصير والمتوسط تبدو إيجابية، حيث من المرجح تعزيز التعاون في المجالات ذات الأولوية المباشرة لكلا الطرفين والتي تشمل التعاون الاقتصادي والتنموي، والشراكة الدفاعية والأمنية، والتنسيق السياسي الإقليمي.
أما التحدي الأكبر الذي يحدد استدامة هذا التحالف المرن، فيكمن في قدرة القاهرة وأنقرة على الحفاظ على "المرونة الإيجابية" عند وقوع أزمة مفاجئة، وقدرة الطرفين على عزل الأزمة ومنع امتداد آثارها لتعطيل مجالات التعاون الأخرى ستكون المعيار العملي لنجاح هذه الهندسة الجيوبوليتيكية الجديدة.
وختاماً، إذا نجح التحالف المصري التركي في الاستمرار على هذا المسار، لن يخدم مصالح البلدين الاقتصادية والأمنية فحسب، بل قد يقدم نموذجاً عملياً مؤثراً لإعادة هندسة الاستقرار الإقليمي، وفي وقت تسعى فيه قوى إقليمية مثل إسرائيل لإعادة صياغة خريطة المنطقة، يظهر هذا التقارب كأداة لموازنة مثل هذه المحاولات والحفاظ على كيانات الدول المركزية، وقد تصبح هذه الشبكات المرنة من التعاون الانتقائي، حيث تلتقي المصالح وتنفصل عند الخلافات، أدوات أساسية للبقاء وإدارة التعقيد في زمن اللايقين الإقليمي، بديلاً عن التحالفات الصلبة التي قد تكون عابرة للحقب.
--------------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






