09 - 02 - 2026

كنيسه ١٥ مايو من التخصيص للاشتباك: ماذا أخفى بيان إيبارشية حلوان تحت المجهر و لماذا اخفق؟

كنيسه ١٥ مايو من التخصيص للاشتباك: ماذا أخفى بيان إيبارشية حلوان تحت المجهر و لماذا اخفق؟

أثار البيان الصادر عن إيبارشية حلوان بشأن أزمة قطعة الأرض المخصصة لبناء كنيسة بمدينة 15 مايو تساؤلات جوهرية، ليس فقط حول الواقعة ذاتها، بل حول طريقة إدارة الأزمة وصياغة الخطاب الكنسي والقانوني المصاحب لها، الذي حمل نبرة دبلوماسية ظاهريًا، لكنه مليء بثغرات خطيرة تفتح الباب للشائعات والاستغلال، بدلًا من إغلاقه، فقد شهدت مدينة حلوان حالة من التوتر عقب قيام حملة من مجلس المدينة، مدعومة بقوات من الأمن المركزي، بهدم السور المحيط بقطعة أرض مخصصة لبناء كنيسة، ما أسفر عن اشتباكات بين قوات الأمن وعدد من الأهالي، وإلقاء القبض على بعض المحتجين.

أول هذه الثغرات تتعلق بجوهر الأزمة نفسها، فقد أشار البيان إلى أن الدولة خصصت قطعة أرض لبناء كنيسة، ثم تحدث عن تعدي مواطنين على الأرض، دون أي تحديد لهوية هؤلاء المواطنين أو طبيعة وضعهم القانوني. من هم؟ أهالي؟ أم مقاول؟ أم مجموعة منظمة؟ هذا الغموض المتعمد يترك الكنيسة مكشوفة أمام روايات مضادة، أخطرها الادعاء بوجود تنسيق سابق ثم تراجع مفاجئ ثم تأتي الجملة الأخطر، بناء سور وإضافة مساحات من قطع مجاورة بدون موافقة الكنيسة أو قيادتها، هذه الصياغة تطرح سؤالًا مباشرًا لا يمكن القفز فوقه، إذا كان ما جرى لا يتوافق مع تعاليم الكنيسة والكتاب المقدس، فأين كان دور الأسقف؟ وأين المتابعة الرعوية والإدارية؟ وكيف يُترك الأمر يتفاقم إلى هذا الحد دون محاسبة أو إيقاف فوري؟ بل أين النقاش الموضوعي حول التكيف مع المساحة الأصلية وعدد المصلين واحتياجاتهم الفعلية؟، كأن محاولة توسيع الكنيسة لاستيعاب أعداد المصلين تحوّلت فجأة إلى جريمة مؤجلة العقاب، يُنتظر توقيتا مناسبا لتنفيذها.

فهدم السور اليوم لم يكن حدثًا إداريًا معزولًا، بل لحظة انفجار طبيعية لمسار طويل من الصمت الرسمي. وبديهيًا، ومع استخدام قنابل مسيلة للدموع لفض التجمهر، وقع التصادم. ذلك كله رغم أن الأرض ليست محل نزاع أهلي، ولا اعتداء على ملكية خاصة، بل أرض لها تخصيص مبدئي صاحبته لسنوات حالة من السماح الفعلي بالبناء، في إطار لعبة التراخيص المؤجلة والمباركات الشفهية المعتادة، و الرسالة المراد توصيلها خطيرة ومقلقة، مفادها أي بناء ديني خارج السيطرة الكاملة، قابل للإزالة مهما طال الزمن.

وتتضاعف خطورة المشهد مع غياب الأسئلة البديهية، لماذا لم يُحرر محضر أثناء مراحل البناء الأولى؟ ولماذا صمت مجلس المدينة وترك الأعمال تستمر؟ من هو المسؤول الإداري عن هذا الصمت؟ ولماذا لم يُطرح مسار قانوني لتقنين الوضع؟ ولماذا كان القرار هو الهدم الكامل لا الجزئي؟ وكيف وأين صدر قرار الإزالة أصلًا؟ ولماذا واجه الأمن المركزي المواطنين بدلًا من أن يتصدر المشهد مجلس المدينة بصفته الجهة الإدارية المختصة؟ ولماذا الآن تحديدًا؟

البيان ينتقل بعد ذلك قفزة مفاجئة إلى صباح 3 فبراير، حيث تدخلت الجهات المختصة لإزالة التعدي، ثم يشير إلى اعتداء بعض المواطنين على رجال التنفيذ والقبض عليهم. هنا يبرز سؤال مشروع، هل كان هؤلاء متجمهرين عنوة؟ أم كانوا يعبرون عن مشاعر دينية؟ أم يدافعون – من وجهة نظرهم – عن وضع قائم تراكم عبر الزمن؟ أليس هم ابناء الكنيسة و الذين تصادف وجودهم داخلها للصلاه في صوم يونان ام تجمهروا خصيصا للحدث؟، فإن الصياغة الحالية توحي بإدانة جاهزة دون تقديم سياق أو تسلسل قانوني واضح.

ويُلاحظ في هذا السياق تجاهل البيان بالكامل لمسألة الموافقات الشفهية التي كثيرًا ما تُمنح على المستوى المحلي، خاصة خلال فترات حساسة مثل مواسم الانتخابات، حيث تُدار بعض الملفات الخدمية والدينية بمنطق "التهدئة المؤقتة" بدلًا من الحسم القانوني، هذا المشهد يعيد طرح السؤال الجوهري، هل كان ما يحدث على الأرض ثمرة تراكمات وتفاهمات غير مكتوبة جرى تجاهلها فجأة، أم تعديًا خالصًا بلا أي غطاء إداري؟ تجاهل الإجابة يربك المشهد، ويحوّل المواطنين إلى طرف محاصر بين قرارات مفاجئة وواقع سابق لم يُحسم في حينه بالقانون.

و الأخطر هو تجاهل الإشارة تمامًا إلى احتمال وجود تراخٍ أو تواطؤ محلي سابق (حي – جهاز مدينة – جهات تنفيذ)، رغم أن وجود سور وضم أراضٍ واستمرار الوضع لفترة زمنية ينفي فكرة “التعدي اللحظي”. كما لم يتطرق البيان إلى وضع المقبوض عليهم قانونيًا، أو إلى مسألة التنسيق السابق أو الموافقات الشفهية التي كثيرًا ما تُستخدم كبدائل غير رسمية في مثل هذه الملفات الحساسة.

أما عبارة “لا يليق بكنيستنا”، فهي جملة ملغومة سياسيًا ومجتمعيًا. فهي تعكس رفضًا واضحًا لأي بناء شعبي عشوائي أو فرض أمر واقع، لكن في المقابل تُستخدم بسهولة كسلاح ضد الكنيسة، وكأنها تقول ضمنيًا، نرفض أن نبني ونقنن، وهو خطاب يُستغل لاحقًا ضد أبناء الكنيسة، خاصة في القرى والمناطق الحساسة من الغوغائين و المتطرفين و التضييق علي حريه العبادة بما يتعارض مع استراتيجية الرئيس السيسي نفسه.

و قد يكون البيان محاولة دبلوماسية لضبط الإيقاع مع خطاب متطرف أو لتجنب مواجهة، لكن النتيجة العملية هي ترك فراغ معلوماتي خطير، لا يبقى فارغًا، بل يُملأ سريعًا بالشائعات والتحريض، ويحوّل الرسالة السياسية – لا تتركوا الأمور للفراغ – إلى أداة تُستخدم ضد أبناء الكنيسة أنفسهم في النقاش العام. و قانونيًا، الترخيص والتخصيص والمساحات لا تُحسم بكلام متداول أو بيانات عامة. الفيصل هو: محضر استلام، قرار تخصيص، رفع مساحي معتمد، خرائط وحدود واضحة، ومحاضر تعدٍ إن وُجدت. وحتى في حال ثبوت التعدي، فالقانون لا يعرف حلول “الهدم أو التقنين” بشكل عشوائي. هناك فارق جوهري بين تعدٍ ثابت على أرض دولة، يُزال التعدي ويُحاسب المتسبب، و مخالفة إجرائية قابلة للتصحيح (نقص مستند و إجراء و اشتراط)، الأصل فيها فتح مسار لتوفيق الأوضاع خلال مدة محددة، لأن الهدف هو الامتثال للقانون و ليس تعظيم الخسائر.و المرونة القانونية لا تعني شرعنة المخالفة، بل استخدام أدوات القانون: إنذار، وقف أعمال، و تحديد المخالفة وتظلم، ثم تنفيذ متناسب. التقنين لا يتم إلا إذا كان أصل الوضع يسمح بذلك، بمعني تخصيص صحيح و مطابقة اشتراطات وموافقة جهة الولاية، أما إغلاق الباب بالكامل دون عرض مستندات أو تسبيب رسمي مكتوب، فهو إدارة أزمة سيئة تُظهر الدولة بمظهر الضعيف، بينما القوة الحقيقية للدولة هي قانون و شفافية وتسبيب و رقابة، و ليس قرارات مفاجئة.

وأخيرًا، يجب التأكيد أن حق الناس في الصلاة ليس محل نزاع أصلًا. لانه يدور حول المساحة والإجراءات فقط. ومن مصلحة الدولة، خاصة في ظرف إقليمي مشتعل، أن تُدار هذه الملفات بورق رسمي وتواصل مؤسسي واضح، لا بتعميمات طائفية أو تخوين متبادل و غياب ذكر حدود المساحة، وموقف الترخيص، وتواريخ المخاطبات لذلك، الحل الوحيد لإغلاق باب الشائعات هو نشر مستندات التخصيص والرفع المساحي رسميًا، بشفافية كاملة، احترامًا للقانون وللناس وللسلم المجتمعي، لذلك الغضب القبطي في هذا السياق مشروع تمامًا، ليس لأنه صراع ديني، بل لأنه نموذج صارخ لإدارة أزمة فاشلة، امتزج فيها التعالي الإداري باستخدام أمني مفرط وحسابات سياسية باردة. الأخطر من ذلك أن الدولة بدت وكأنها تتعامل مع الكنيسة كمؤسسة تفاوض، بينما تواجه الأقباط كمواطنين بأدوات أمنية، وهو خلل بالغ الخطورة، فالمؤسسات يمكنها التفاوض، أما المواطنين الذين دفعوا وبنوا وانتظروا، فقد خسروا كل شيء في دقائق، هنا يغيب السؤال الأكبر، أين الحكمة في إدارة المشهد والأزمات، حفاظًا على النسيج المجتمعي، قبل أن يتحول الاحتقان إلى جرح.
---------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي

مقالات اخرى للكاتب

كنيسه ١٥ مايو من التخصيص للاشتباك: ماذا أخفى بيان إيبارشية حلوان تحت المجهر و لماذا اخفق؟