يسكنُ إنسانُ هذا العصر فجوةً وجوديةً فريدة، يتقاطع عندها الانزياحُ العميقُ عن يقينيات الماضي مع التشظي المُعاصر للمرجعيات الكبرى، فإننا نتنفس في حقبة "السيولة" التي حدسَها زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman)، حيث تذوب كل الصلابات التي استندت إليها الذات الجماعية والأخلاق المتعالية، من أيديولوجيات التاريخ الحتمي إلى السرديات الدينية الشمولية، في بوتقة العولمة المتسارعة التي تعيد صهر الهويات والقيم في قالبٍ كونيٍ معقدٍ ومتقلب، وفي قلب هذا المشهد الكوني المُشحون بالتسارع واللاتحديد، يبرز السؤال الفلسفي الجوهري كحالة طوارئ فكرية: أي موقعٍ يشغله الإلحاد المعاصر، بوصفه ظاهرة وجودية قبل أن يكون موقفاً معرفياً، داخل هذه التحولات البنيوية العميقة التي تهز أركان عالمنا؟ هل يمثل مجرد رد فعل سلبي، أو صرخة رفض، لانهيار السرديات الكبرى التي كانت تؤطر الخبرة الإنسانية، أم أنه تعبير عضوي أصيل عن روح عصرٍ خسر إيمانه ليس فقط بالإله المتعالي، بل أيضاً بأساطير التقدم المادي والأمل الثوري والهوية الوطنية المتجانسة، ليجد نفسه عارياً أمام أسئلة المعنى والغاية؟
وينفتح هذا الاستفهام المصيري على تحليلٍ يتجاوز الثنائيات البسيطة بين السبب والنتيجة، ليدخل في صميم العلاقة الجدلية والدائرية المعقدة بين الفكر والمادة، بين عالم الأفكار كبنى فوقية وعالم الممارسات المادية كبنى تحتية، فالإلحاد المعاصر، في تعبيراته الأكثر نضجاً، لا يحمل في أحشائه مجرد إنكارٍ للإله، بل يحمل التناقضات المؤسسة لعصرنا برمته: فهو من ناحية الابن الشرعي والنتيجة التاريخية الحتمية لعمليتي العلمنة والعولمة اللتين قوضتا سلطة المقدس وخصوصية المحلي، وهو من ناحية أخرى عامل فاعل ونشط يساهم، من موقعه هذا، في تشكيل الوعي الجمعي الحديث وإعادة صياغة الأدوات التي يستقبل بها المجتمعُ هذه التحولات الجارية، إنه المرآة التي تعكس الأزمة والعين التي ترى من خلالها، في آن معاً، مما يجعله ظاهرةً مزدوجةَ الوجهة: حصيلةً للماضي وصانعةً للمستقبل، شاهدةً على الانهيار ومبشرةً بإمكانيةٍ جديدةٍ للوجود الإنساني في عالم بلا ضمانات متعالية.
وتتخطى العولمة في جوهرها التحولات الاقتصادية والتقنية السطحية، لتمثل زلزالاً وجودياً يُعيد رسم الخرائط العميقة التي كانت توجه الوعي الإنساني وتحدد موقعه في العالم، بعد تفكيكها لليقينيات التقليدية، فهي كما يوضح أنتوني جيدنز (Anthony Giddens) في تحليله لعملية "القطيعة الجذرية مع التقاليد" (A radical break with tradition)، حيث يتحول المجتمع من اعتماد العادات الموروثة إلى "الانعكاسية" (Reflexivity)، فتقوم بفصل الزمان والمكان عن جذورهما المحلية الضيقة، لترمي بالإنسان في فضاء كوني مفتوح ومائع، تتصادم فيه أنماط العيش وتتصارع المنظومات القيمية في ساحة معركة ليس لها حكم مركزي، وفي هذا المشهد اللامركزي، يخضع الدين، ذلك اليقين المتعالي الذي هيمن لقرون، لقانون السوق الجديد: فهو لم يعد المصدر الوحيد والحتمي للمعنى، بل تحول إلى "خيار" من بين بضائع روحية وفكرية معروضة في سوق الهويات العالمي.
وهذا التفكيك الجذري للسلطة المركزية - سواء كانت دينية تتمثل في الكنيسة، أو قومية تتجسد في الدولة - لم يخلق فراغاً سلبياً فحسب، بل أنتج حالة وجودية جديدة قائمة على "اللايقين المؤسِّس"، حيث لم يعد عدم اليقين عارضاً طارئاً، بل أصبح السمة الأصلية للحياة، ومن رحم هذه الحالة بالذات، يولد الإلحاد المعاصر ليس مجرد رد فعل، بل كواحد من أكثر التعبيرات الفلسفية مصداقية وعمقاً عن هذا الزمن، فهو هنا لا يقتصر على إنكار الإله كفكرة مجردة، بل يقوم بإعادة تشكيل جذرية لعلاقة الإنسان بالمعنى ذاته؛ إنه البحث المضني عن دلالة في عالم لم يعد يقدم معانيه جاهزةً ومغلفة بسلطة مقدسة، بل يترك للإنسان وحده، في عزلته وحرّيته، عبء نسج المعنى من خيوط الشك والتجربة والمسؤولية الشخصية في كونٍ لا يهمس بأي جواب.
ويُشكل الانتقال التاريخي نحو عالمٍ متعدد الأقطاب في مرحلة ما بعد الكولونيالية وأزمة المعنى الكوني، لحظةَ تحررٍ وانزياحٍ مصيرية، يسقط معها احتكار المركز الغربي لتلك السردية الأحادية التي ربطت لعقود بين مفهومي التقدم والتحديث وبين المسار الأوروبي حصرياً، وفي هذا المنعطف الحضاري، لا يظهر الإلحاد الوجودي المعاصر كنظيرٍ حديث لإلحاد التنوير الأوروبي الواثق من مركزيته وعقله الكوني الواحد، بل يقف على النقيض منه باعترافه الجذري بتشظي العقل ذاته وانكسار مرآة اليقين الكلي، فالعقل الذي كان يوماً أداةً للتحرر الشمولي يصبح هنا ساحةً للتعدد والصراع والاحتمال.
وفي المناطق التي تخوض غمار تجربة ما بعد الاستعمار، كما كشف فرانز فانون ( Frantz Fanon) في تشريحه الثوري، يمكن أن يتخذ رفض الدين أبعاداً تحررية مضاعفة: فهو تحرر من نير المستعمر الخارجي أولاً، ومن استعمار الذات الداخلي الذي تكرسه البنى الدينية التقليدية أحياناً ثانياً، ولكن الإلحاد الناشئ في هذه التربة لا يكرر بصورة ميكانيكية النموذج الغربي العلماني، بل ينشغل بمهمة أكثر تعقيداً: البحث عن أصالة فلسفية خاصة، تتخطى الثنائية العقيمة التي تحصر الخيار بين التمسك بالتقاليد أو الانسلاخ الكامل نحو حداثة مستوردة، إنه يحاول اجتراح مسار ثالث، يسائل فيه شروط إنتاج المعنى ذاته في عالمٍ فقد مرجعه الخارجي الموثوق، سواء كان هذا المرجع ديناً مقدساً أو سرديةً علمانيةً جاهزة.
وهكذا فإن السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الإلحاد الوجودي في السياقات ما بعد الكولونيالية لا يدور حول وجود الإله أو عدمه فحسب، بل يتعمق لاستجواب إمكانية بناء معنى إنساني أصيل في فضاءٍ افتقد كل الضمانات المتعالية، مع تجنب المزلقين الكبيرين: الوقوع في النرجسية الفردية المنغلقة على ذاتها، أو الاستسلام للعدمية السلبية المستسلمة للفراغ، إنه سؤال عن كيفية ممارسة الحرية المسؤولة في عالمٍ من التشظي، حيث تُخلق الدلالة عبر الحوار مع الذات والآخر في آنٍ معاً.
وفي هذا المضمار، يبلغ التحليل الفلسفي ذروته الإشكالية الأكثر إلحاحاً وعمقاً: فطبيعة العلاقة بين صعود الإلحاد الوجودي وبين التحولات الكونية الجارية ليست علاقة سَبَبِيّة خطية بسيطة، يمكن اختزالها في معادلة مباشرة، بل هي علاقة تفاعلية جدلية حية، أشبه برقصة معقدة بين الفكر والواقع، أو بحوار دائري لا ينقطع بين البذرة والتربة، فالإلحاد ليس مجرد ظلّ سلبي للعولمة، ولا العولمة مجرد خلفية محايدة لصعوده؛ بل إن كلًّا منهما يُغذّي الآخر ويكوّنه في ديناميكية مستمرة، إنها علاقة التأسيس المتبادل، حيث يكون الإلحاد في آنٍ واحد النتيجة التاريخية لتشظي عالمنا المعولم، والعامل الفاعل الناشط الذي يُعيد بدوره تشكيل الوعي الذي ندرك به هذا العالم ونواجهه، ولغرس هذا التفاعل الجدلي واستنطاق آلياته الخفية، يمكننا تعقب أثره من خلال ثلاث دوائر مترابطة ومتداخلة تشكل نسيج هذه العلاقة المعقدة، حيث تُظهر كل دائرة وجهاً مختلفاً من أوجه هذه الوحدة التناقضية بين الفكر والمادة، بين التشخيص والفعل.
وفي قلب التحليل الجدلي للعلاقة بين العولمة والإلحاد المعاصر، تبرز الدائرة الأولى لتكشف كيف عملت العولمة، بوصفها عملية شاملة، على تهيئة التربة الموضوعية والظروف الحاضنة لولادة الإلحاد الوجودي في صورته المعاصرة، فلم تكن مجرد قوة اقتصادية عابرة للحدود، بل مثّلت ريحاً جارفة أطاحت بالكثير من اليقينيات التي كانت تشكل حصون الهوية الفردية والجماعية، ولقد خلقت العولمة واقعاً جديداً قائماً على تنوع المرجعيات المطروحة أمام الفرد، حيث لم يعد الدين أو التقليد المصدر الوحيد للحقيقة، بل وجد نفسه في سوق مفتوحة تنافس فيه الفلسفات والعقائد والنزعات الفردية، وهذا التنوع قاد بالضرورة إلى نسبية القيم، فما كان مطلقاً في مجتمع مغلق أصبح خياراً نسبياً في فضاء كوني مفتوح، وكانت إحدى أعمق التداعيات هي تفكك النسيج المتماسك للمجتمعات المغلقة، تلك التي كانت توفر إطاراً واضحاً للمعنى والانتماء، ليجد الفرد نفسه وحيداً أمام عبء اختيار مساره الوجودي في عالم مترامي الأطراف.
وهذه العملية برمتها تتجلى بوضوح في ما أسماه الفيلسوف يورجن هابرماس (Jürgen Habermas) "استعمار العالم المعيش" (Colonization of the Lifeworld)، حيث يشير إلى توغل أنظمة السوق والدولة (القوة والمال) في الفضاءات الاجتماعية والثقافية الخاصة، وبمعنى آخر يشير إلى هيمنة المنطق الأداتي والعقلانية التقنية - وهي من ركائز النظام العالمي المعولم - على مجالات الحياة جميعاً، وهذا الغزو المنهجي يقلص بشكل مطّرد مساحة التجارب الإنسانية التي لا تخضع لهذا المنطق الكمي والحسابي، وعلى رأسها التجربة الدينية ببعدها الغيبي والروحي والشخصي، فعندما تُقاس كل جوانب الحياة بمعايير الكفاءة والمنفعة والنتيجة، تذوي المساحات المخصصة للتأمل في المطلق والسؤال عن الغاية، وهكذا لا تقدم العولمة فقط بدائل عن الإيمان، بل تعمل بنشاط على إفقاد البيئة الاجتماعية والثقافية خصوبتها الروحية، مُخلّفةً وراءها أرضيةً جرداء ومنطقاً سائداً يجد الفكر اللاديني فيه، لا مجرد خيار ممكن، بل ربما الاستجابة الأكثر انسجاماً مع روح العصر وآلياته المهيمنة.
وفي الدائرة الثانية من هذه المعادلة الجدلية، لا يكتفي الإلحاد المعاصر بأن يكون حصيلة سلبية للتحولات الكونية، بل يرتقي ليكون عدسة تفسيرية نشطة ومنظاراً فلسفياً يقدم من خلالهما قراءةً جذريةً للعالم المعولم وإشكالياته، فهو لا يستقبل الواقع فحسب، بل يُعيد بنائه فكرياً؛ فيرى في ظاهرة "انحسار الدين" التاريخية ليس مجرد تراجع ثقافي، بل تحرراً أساسياً من أوهام كانت ضروريةً لمرحلة سابقة من الوعي الإنساني، فتح الطريق أمام نضجٍ عقلي يتحمل فيه الإنسان مسؤولية مصيره دون وصاية متعالية، وفي التحول الجيوبوليتيكي نحو عالمٍ متعدد الأقطاب، لا يرى الإلحاد مجرد تشتت للسلطة، بل يبصر فيه فرصة تاريخية فريدة لتأسيس أخلاق إنسانية كونية، تتجاوز حدود الخصوصيات الدينية والمحلية الضيقة، وتستند إلى فطرة إنسانية مشتركة وقدرة على التعاطف العقلاني.
وعبر هذه العدسة نفسها، تُقرأ أزمة الأيديولوجيات الكبرى - التي طالما قدَّمت نفسها كمذاهب خلاص شاملة - ليس ككارثة تفضي إلى الفراغ، بل كبرهان عملي على زيف الادعاءات المطلقة ووهن اليقينيات الجاهزة التي تتجاهل تعقيد الوجود وتنوعه، ومن هذا الركام يقدم الإلحاد المعاصر بديله المؤسس ليس على عقيدة جديدة، بل على تحويل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل: فالمعنى الذي لم يعد يُمنح من سلطة عليا، يصبح مهمة خلاقة ومسؤولية فردية جسورة، ويصبح الإنسان في هذا المنظور، هو النحات الوحيد لتمثال معناه في عالم من الصخور الخام، مجبراً على مواجهة السؤال الإبداعي الأصعب: كيف أخلق قيمة وحقيقة في كونٍ لم يعد يحملها جاهزةً في نصوص سماوية أو شعارات أيديولوجية؟ وهكذا، يتحول الإلحاد من موقف معرفي إلى رؤية للعالم تقدم إطاراً لتأويل التحولات نفسها، وتحويل صدمة الغياب إلى دافع للفعل المسؤول.
وتتجلى الدائرة الدور الأكثر ديناميكيةً وإلغازاً في هذه المعادلة الجدلية حين يتحول الإلحاد المعاصر من موقع المراقب والمفسر إلى موقع الفاعل الحاسم الذي لا يكتفي بقراءة العالم، بل يضع يده في طينه ويشارك في تشكيل معالمه الجديدة، فهو يساهم في صياغة الواقع عبر قنوات متعددة ومعقدة، أبرزها نشر ونضج ثقافة الشك المنهجي التي تتعدى الشك في الإله لتشمل الشك في كل اليقينيات الجاهزة، والسلطات المطلقة، والخطابات الكبرى، فتحرر الفكر من دوجمائياته وتفتح مساحات واسعة لإعادة التساؤل والنقد، ويمتد هذا التأثير إلى تعزيز النزعة الإنسانية العلمانية بوصفها أساساً ممكنًا لحوار حقيقي بين الحضارات، قائماً على القيم الإنسانية المشتركة بدلاً من الحوارات اللاهوتية المغلقَة أو الاصطفافات الثقافية المتصلبة.
وفي الوقت ذاته، يقدم الإلحاد في المجتمعات التي تشهد تحولات ما بعد حداثية نموذجاً حياً لهوية "ما بعد دينية"، أي هوية لا تحدد نفسها بالرفض العدائي للدين فحسب، بل بكونها قادرة على بناء الذات والمعنى والحياة الأخلاقية خارج الإطار المرجعي الديني التقليدي، فإنه يظهر إمكانية العيش الكريم والخلاق في فضاءٍ روحي وقيمي مختلف، والأكثر جدليةً أن الإلحاد من خلال كل هذه المساهمات، يخلق بنفسه الشروط الاجتماعية والثقافية التي تضمن تجدده واستمراريته؛ فهو يساهم في بناء عالمٍ تدريجياً، تصبح فيه الرؤية اللادينية للعالم خياراً مقبولاً وطبيعياً وواضحاً في المشهد العام، مما يهيئ بدوره أرضية خصبة لاستمرار انتشار هذا الفكر وتعمقه، في حلقة تفاعلية لا تنتهي بين الفكرة والواقع الذي تساعد على بنائه.
الخاتمة: يختتم هذا المسار التأملي باستخلاص جوهري؛ هو أن الإلحاد المعاصر لم يعد في أرقى تعبيراته الفلسفية، مجرد رد فعل على تحولات تاريخية، بل تحول إلى تعبير بالغ العمق عن نضج وجودي، إنه يقف كمواجهة شجاعة لعدم اليقين الذي يطبع عصرنا، رافضاً مواساة الأوهام الجاهزة، مصرَّاً على البقاء مفتوح العينين أمام صمت الكون ولامحدودية أسئلته، إنه يعترف بحقيقة مفصلية جوهرها أن غياب الإله لم يحل المعضلة الوجودية للإنسان، بل كشف النقاب عنها في قسوتها الكاملة، مجرداً إيانا من أي غطاء ميتافيزيقي أمام هشاشتنا المطلقة، ومن هنا لا يقدم الإلحاد إجابات جاهزة، بل يحول السؤال الأساسي من "ما الحقيقة المطلقة؟" إلى "كيف نعيش بكرامة ومسؤولية في غياب اليقين النهائي؟"، محوِّلاً عبء غياب المعنى الجاهز إلى دعوة ملحة لخلقه بأنفسنا.
ومن هذا المنطلق، يشهد الإلحاد تحولاً نوعياً في جوهره: من موقف سلبي قائم على النفي، إلى مشروع إيجابي خلاق لإعادة البناء، ويتحول مركز ثقله من تفكيك المقدس إلى مهمة تأسيسية ثلاثية الأبعاد: البحث عن أخلاق إنسانية متعالية تنبع من العقل المشترك والتعاطف والتضامن في مصير بشري واحد؛ وبناء معنى مشترك في مجتمعات تعدُّدية عبر الحوار والخيال الاجتماعي؛ وصياغة روحانية مادية تجد روعة وقدسية في إدراك تعقيد العالم المادي وجماليات قوانينه، مقبلةً على الواقع كما هو بكل تناقضاته.
وتتجلى العلاقة بين هذه الظاهرة والتحولات العالمية كرقصة جدلية بالغة التعقيد: فالعولمة، بتفكيكها للصلابات التقليدية، تخلق البيئة الحاضنة لصعود الإلحاد الوجودي، وفي المقابل لا يبقى الإلحاد مجرد نتاج سلبي، بل يرتد ليصير مقولباً فكرياً نشطاً يقدم أدوات نقدية لفهم آلية العولمة ذاتها والسعي لتوجيهها نحو مسارات أكثر إنسانية، وفي قلب هذه الديناميكية التبادلية نلمس عمق التحول الحضاري الذي نعيشه: الانتقال من عالم اليقينيات المطلقة والمسلَّمات الخارجية الجاهزة، إلى عالمٍ يتحمل فيه الإنسان - للمرة الأولى في تاريخه بهذا الوضوح والشمول - المسؤولية الكاملة والمرهفة عن نسج معانيه وقيمه من العدم، في شركة وجودية توحد البشرية في مواجهة مصيرها المشترك تحت سماء صامتة تظل، رغم صمتها، منبعاً لا ينضب للتساؤل.
وهكذا، يصبح الإلحاد المعاصر الوجه الأصدق لروح عصرنا، العصر الذي أدرك أنه لا ملجأ له خارج كينونته، ولا خلاص يأتيه من خارج ذاته، إنه قبول مأساوي ومجيد في آن لحرية هائلة، حرية تتكئ على هشاشة الإنسان ذاته كمصدر وحيد للسند، إنها المغامرة النهائية: التحول من نفي الغياب إلى إثبات إمكانية الحياة الكريمة داخله، والالتزام بتحمل عظمة المسؤولية عن عالم لم يعد فيه إله سوى إنسانيتنا الهشة والمتحدية، الواعية بضعفها والشجاعة في مواجهة صمتها الكوني الذي لايزال ينطق بأعظم الأسئلة.
-----------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش







