يبدو لي كتاب أغصان شجرة الغمام للكاتب الصحفي شريف قنديل مرثية لسيرة حياة صنعتها حتمية آلام الغربة ولوعة الفراق والحزن. ملامح السيرة رسمتها الشخصيات الراحلة فقدمت لنا: الأم والأب والأخ والأخت والصديق والمعلم وابن الصديق وترددت أسماء بعينها طوال صفحات الكتاب استدعاها الكاتب مع كل فقد رغم أنه كان قد ودعها من قبل، ليرسم لنا أهميتها في حياته ووجودها المؤثر رغم الرحيل، فيكتب عن بعضها مقالا واحدا ويكتب عن بعضها عدة مقالات. معربا عن عدم اكتفائه بالمرثية الأولى عن كل ما يجيش في صدره من الحزن كأننا نقرأ في سيرة روائية كتبت بأسلوب التشظي وعلينا أن نجمع خيوطها من نتافات متفرقة عبر النص، لهذا نجد أن نفيسة ونجوى وسوسن ومها وعلي وعفيفي مطر وعبد الله ومحمد قنديل وغيرهم هم أبطال العمل الحقيقيون بالإضافة إلى المكان وهو قرية رملة الإنجب في محافظة المنوفية والمكان الأشمل مصر بكل تجلياتها. الوجع هو العنصر الأساسي في التعبير عن آلام فراق الوطن والأحبة بالإضافة إلى خيبة الأمل في درء الاعتداءات على غزة وفلسطين بشكل عام ويمثلها رثاء وائل دحدوح وشيرين أبو عاقلة لتحول الوجع إلى مرثية للوطن أيضا. محاولات يائسة من الكاتب المسافر المغترب للإفراج عن مشاعره المختزنة أو المكبوتة تارة داخله وأخرى في حقائب السفر لتجميع نتف الحياة التي كان يحياها سابقا في الوطن. يقول: "في أركان البيت كان وجه يضيء كان دمي يضيء في أي غرفة يضيء في أي شرفة يضيء، يجرفني زمن الألفة ينقشني على سجادة يعيدني إلى مكان الولادة فألجأ إلى الصور الأثيرة والجمل الحلوة المعتادة، آه يا أمي مثلك لم تشهد عيني لمثلك لم تسطع ذاكرتي وأنا أجلس تارة وأمضي أتأمل طيفك في شرفتنا البحرية".
يرتبط عنده وجه الأم بمواسم الخير في كل فصول السنة لكن مع دخول شهر برمهات الذي يعني له الشمس الساطعة والحياة المتجددة، يحكي لنا الأمثلة التي تضربها الأم مرتبطة بكل شهر من شهور السنة المصرية القديمة مثل أمشير أبو الزعابير. يجمع شريف قنديل شظايا حياته من ضحكة نفيسة المجلجلة وهي تسمع إجابات كل أسئلتها التي تحاصره بها لتطمئن عليه، فتتحول هي إلى ملمح آخر من ملامح الوطن خاصة حين توصيه بإشعال حب اليتامى في قلبه، فإنه يهديه بهجة هذه الأرض في الحاضر والمستقبل. وأيضا من توصيات شقيقته له ولشقيقته سلوى بالبعد عن حرارة الشمس فقد كانت تخشى عليهما منها، وتذكره ناهد في رحيلها بأنها أجمل ما سقته الشاي بالنعناع وأجمل ما صنعت الكعك والبسكويت والحلوى التي لا تباع، وترسم ندى وهي صغيرة القرية ابنة صديقه عبد العليم صورة لأول طالبة في كلية الزراعة في العائلة والقرية والقرى المجاورة لتعيد له سيرة أبلة ناهد أخته الراحلة، وتذكره أم علي بشال يحميه طفلا غزلته من الأوجاع من خيط حنانها ومحبتها وهي ساكنة الدور الرابع في بيتهم والساكنة دوما في قلب كاتبنا ابنها الخامس، أما عبد الله فهو يرسم صورة حية لشخصيات محببة موجودة في كل القرى المصرية والعائلات العريقة؛ الرجل الذي يتقدم الصفوف في الأفراح والأتراح والاجتماعات العاجلة بخصوص نسب جديد أو قطعة أرض أو ساقية ويملأ جيوب بيجامة طفل صغير بثمار الجوافة، ويوصيه بالتوجه إلى البيت مباشرة حتى لا يأخذ منه العيال الثمار إذا ما ذهب للعب معهم في البركة. يتذكره مع الشجرتين تتمايلان على بعضهما وهو يتوسطهما فيخرج ما في ذاكرته من حكايات ومشاهد بدأت تظهر كخيالات وظلال على سور الحديقة المضاء والذي تحجبه قليلا أفرع أشجار الليمون والرمان، وبهذا المشهد نتعرف أكثر على ملامح البيت في قريته ومشهد لعب الأطفال في البركة وهذا الحنان بين الأصدقاء والجيران في القرية.
وفي مشهد جمع لطع دودة القطن المشهد الوحيد الباسم ربما حين كان صبيا في المدرسة تتضح لنا قسوة العمل في الشمس وربط إفطارهم من البيض والجبن والخبز في منديل مثل الشغيله الذي انتهى بالطبع بعودتهم الى بيوتهم بعد قليل لعدم قدرتهم على العمل. وفي حديثه عن الشاعر يسري زكي وهو يصف قريته في زمن سابق يرسم ملامح أخرى: "ما وعتش أنت على الضلمة الكحل والليل اللي بيطلع م الساقية المهجورة ولابس لبس الديب، ما وعتش انت على كيزان الذرة بتبصبص لك وفي عز النسمة تغازل عينك بالشراشيب، ما وعتش انت على القمح المتخزن في زكيبة أمي وهو بيحلم يبقى رغيف. كنت يا يسري ومازلت ماسكا ومتمسكا بما بقى في قريتي من شواهد الجمال، فيما كنت تقول مش شايفين غير لمض النيلو واليوفط إللي بتلعط فول وفلافل بيتزا فطاير واشحن ع الطاير تجميل تخسيس سمسار وكلام كداب والناس سرحانة والشارع اتملا أغراب، واتملا عواجيز ويفط مقطوعة وعيال ملطوعة على الحيطان وشحاتين م فضلش من المطرة غير الطين".
في الحديث عن سمير الأسمر نتعرف على ملمح آخر حين يذهب إلى بيت عمته وزوجها الريس مرزوق، ويجد على رأس الشارع المؤدي للحارة الضيقة شيخ الخفر محمد عطية بزيه التقليدي متشحا بالحزام السميك وبالسلاح، ونتعرف على ملامح مدينة القاهرة حين ينزل معه سمير إلى منطقة أم المصريين لأول مرة وإلى منطقة الإسعاف حيث دكان الحواوشي الوحيد وإلى إستاد القاهرة حيث يلعب الزمالك مع فريق أجنبي.
أعطي الكاتب لكل شخصية صفات محددة وطابعا يميزها فأضفي عليها مسحة من الحيوية والتجسد فنجد: نفيسة الخير القمر النيرة وأعذب ندى، وسعيد عوف فتى بورسعيد مربي الحمام، ومحمد قنديل عاشق التاريخ المنحاز لقيم الحق، وأحمد ابن الخالة محامي الورد، والصديق علي سيد القلب، ومصطفى سليم المعلم أعذب شعراء العشرين، وأم علي الحب والود والحنان المنسكب، ومها هي مهرة أبي ومهارة أمي والنقشبندي المثقف المتجدد، محمود يوسف الشهم، عثمان عابدين صاحب ضحكة الطفل.
نتلمس من مرثياته بدرجة ما خصائص كل شخصية سواء من الأقارب، أو الزملاء، أو الشعراء، أو المفكرين فنجد بعيدا عن الأقارب كتابة مختلفة، خاصة إذا كان الراحل قامة كبيرة مثل المستشار طارق البشري الذي يصفه بأنه:" أضاء لنا الطريق وفك لنا إشكاليات كثيرة واجهت جيلنا والأجيال السابقة وهو يتناول معاني الأصالة والمعاصرة والتراث والتجديد فضلا عن فك الاشتباك الذي أراده البعض بين الإسلام والعروبة وبين الإسلام والعلمانية وغير ذلك من إشكاليات لا تعد". ربما تكون مقالة طارق البشري على وجه الخصوص هي من أهم ما كتب بسبب موضعيتها وتقديمها لعالم الشخصية بمعلومات مباشرة وحرفية عالية كصحفي على عكس الغنائية والعاطفية التي شكلت صياغة شخصيات الأقارب والأصدقاء، وقد تكرر هذا بشكل أقل حين تكلم عن هاني النقشبندي رئيس تحرير سيدتي وحين حدثنا عن حبيبتهم المشتركة مهنة الصحافة " التي مارسناها بالطول وبالعرض إنها المهنة التي لا تريد أن تموت فينا ويبدو أنها تريد أن نموت نحن فيها. يموت الفرع الورقي فنتمسك بالتقني، يسبقنا التقني فنتمسك بالإلكتروني، نكتب ونكتب ونكتب والناس لم تعد تقرأ". أعجبني ما كتبه بالتالي عن تلاميذ الحمامصي، ومشالي طبيب الفقراء وكذلك فعل في فقد الشعراء مثل فتحي عبد الله ومصطفى سليم.
في الكتاب أيضا تنعكس ملامح الترحال في لندن التي أقام فيها طويلا ثم الرياض وأبها وجدة وأيضا مكة وهو يصف العمرات المتعددة التي يعتمرها لنفسه أو لأخواته وأقاربه ليدعو لهم ويتذكرهم في المحن.
يستخدم الكاتب في هذا الكتاب للتدليل على أفكاره أشعار صلاح جاهين وعفيفي مطر والخنساء والمهلهل ونزار قباني ومصطفى سليم، لكنه يعلمنا بأنه لم يقرأ في الرثاء كفن، أو علم، أو أدب، أو صنعة وما زال يرفض كل هذه التسميات، حتى لو قرأ قصائد لشعراء فحول في رثاء أصدقائهم. وأقول له نحن نتعلم من قراءة الكتابات أكثر مما نتعلم من قراءة النظريات، والفنان بطبعه يكسر قوالب الفن بمتعة كتابة الفن نفسه وهو ليس في حاجة ليمشي على خريطة أنموذج فن الرثاء، حيث الاستهلال وهو حتمية الموت، ثم التفجع، ثم إبراز تأثير الفاجعة في أهل المرثي وفي الراثي ثم التأبين وأخيرا التأسي والتعذيب فمشاعره الفياضة نفسها كفيلة بأن تخلق لنفسها المسار الذي تريد.
ورغم إعجابي بلغة الكتاب الغنية الجزلة واختصاراته الرائعة آخذ على الكاتب تكرار وصف الحالة مع الأقربين بقاموس محدود من الكلمات تعيد صورا متشابهة للفقد واللوعة، ولأن الكاتب يتوجه إلى متلقي له خصائص تفسر له استقباله لما يقرأ حسب مرجعياته الثقافية، وأنا حين أقرأ كاتبه روائية وصحفية لهذا ملت أكثر لكتاباته عن المفكرين والصحفيين بسبب بحثي عن المعلومات التي توفرت في هذه الكتابة أكثر من غيرها، فلم أجد عند الحديث عن إخوته البنات أو أخيه محمد معلومات عما يفعلونه في الحياه بل صفات عن الخير والتدين والصبر على المحن، وهي صفات موجودة عند بشر كثيرين لكن يتميز كل منهم بسمات أخرى لم نعرفها باستثناء بسيط عن محمد قنديل محب التاريخ. كان لديه ثروة إنسانية هي نفيسة قنديل التي وصفها بالشهيدة لم نعرف لماذا هي شهيدة؟ وإلى أين وصلت التحقيقات؟ لم نعرف أي معلومة عن علاقتها بزوجها الشاعر الكبير عفيفي مطر الذي يجله الكاتب؟ هل لها منه أطفال وأين هم الآن؟ أين عاشت هل في القرية أم المدينة كيف كان عالمها؟ وينطبق هذا على باقي شخصيات الأقارب خاصة شخصية الأب الغامضة التي قرر بسبب يافطة تحمل اسمه نسيت عند ترميم مقبرة العائلة بجوار المدفن أن يعود بها إلى البيت ويعلقها فوق السور الجديد بعد بنائه ليراها ويتذكر الأب كل من دخل البيت. كما قرر الكاتب بسببها أن يجمع كل ما كتب من مرثيات في كتاب.
فيكتب سيرته متدثرا بمرثيات الأحبة ويختمها بنثر أقرب للشعر يقول فيه:
على أوراق التين...تين حديقتي الممتد لفلسطين.. ينمو الأمل.. تعاود العصافير تدريب مناقيرها على مهارة القبل.
تتركني وتطير.. تطير لقبر إسماعيل.
كتاب جميل تقرأه روائية تبحث عن قلب الصراع مع الحياة بكل عنفوانها وتتساءل بصدق عن سؤال الفلسفة الأبدي سؤال الوجود في مواجهة الموت وهو حق. ربما لأني أرى فيه انتقالا لرحلة أخرى تعيد فرصة جديدة لعرامة الحياة التي حاول شريف قنديل استبقاءها ولو قليلا بمرثياته الجميلة الموجعة كالحياة نفسها التي خلقها الله لنعيشها في كبد رغم عظمة هبته جل علاه لنا.
-----------------------------
بقلم: هالة البدري






