نقرع الجرس من جديد، فقبل سنوات طويلة، وعندما كنت رئيسة جمعية أوال النسائية، عملتُ على تشكيل لجنة للنساء المعلقات والمطلقات، ووردت إلينا عشرات الحالات للنساء المعلقات والمتزوجات اللواتي يشتكين من التعسف والعنف والقهر.
ومنذ عام 2002 كتبت ونشرتُ عشرات المقالات عن معاناة المرأة، وعن أهمية صدور قانون الأحوال الشخصية، وعن الطلاق وتبعاته، والتشريعات الضرورية لحماية كافة أفراد الأسرة.
وها نحن نقرع الجرس مجدداً، لأننا ما زلنا نرى معاناة المرأة في الحياة، وفي المحاكم الشرعية، وقد وردت إلينا العديد من القضايا المؤلمة، ولكننا نشعر بالأمل والتفاؤل في تجاوب الجهات المعنية، لأن المرأة في البحرين أصبحت تتبوأ المناصب العليا، لذا نناشد كل امرأة في موقع المسئولية، ونناشد الرجال، وخاصة رجال الدين المخلصين، للتحرك من أجل إتخاذ خطوات إيجابية عملية، لتقليل معاناة المرأة في المحاكم الشرعية.
ونشكر مركز تفوق برئاسة الأخت مريم الرويعي، على تنظيم ندوة بتاريخ ٣ فبراير ٢٦، حول هذا الموضوع المهم جداً.
كنا نحارب من أجل سن قانون للأحوال الشخصية، وبعد ظهور القانون مازالت المعاناة مستمرة، فالقانون شيء، وما يحدث واقعياً وعملياً شيء آخر، فمازالت معاناة المرأة في المحاكم كبيرة.
ونطالب بحصر القضايا المرفوعة في المحاكم الشرعية، بشقيها السني والجعفري، الخاصة بالنساء المعلقات، والعمل على حلها عملياً بأسرع ما يمكن، فكل قضية تزيد عن سنة واحدة لا بد من النظر فيها، فما بالنا إذا كانت أغلب القضايا قد مرّ عليها خمس سنوات وأكثر، ويكفي ما أخذت من سنوات طوال وهي تراوح في المحاكم، مع إنه يمكن أن تُحل كل هذه القضايا بجرة قلم.
المرأة المعلّقة هي التي يتركها الزوج ما بين الزواج والطلاق، فهي لا مُتزوجة ولا مُطلقة، لا تُحسب ضمن النساء المتزوجات، لأن ليس لديها أية حقوق زوجية إطلاقاً، ولا يرضى الزوج أن يفك سراحها ويُطلقها، ويبقيها عناداً وقسراً وإكراهاً على ذمته سنوات طوال تزيد عن العشرة سنوات وأكثر، وتتعرض إلى الأذى اليومي من زوجها الذي يفرض نفسه عليها قسراً، وعلى الرغم من وجود أدلة بممارسة العنف ضدها، وصدور أحكام جنائية ضد الزوج في جرائم الضرب والشتم والسب والقذف، إلا إن المحكمة الشرعية لا توافق على طلاقها منه.
بالإضافة إلى سوء معاملة الزوج للأبناء، من أجل أن يحرق قلب الأم ويؤذيها أكثر، وعلى الرغم من وجود أحكام، ودفع غرامات للمحكمة، إلا أن ذلك لا يردع الزوج عن تكرار أذيتها وضربها وإهانتها، مما يجبر المرأة المعلقة على العودة مراراً وتكراراً إلى مراكز الشرطة للشكوى وتثبيت الاعتداءات، ولكن للأسف دون جدوى، بسبب أن المرأة لازالت على ذمة ذاك الرجل المتسلط، والذي يحاول توجيه الأذى لتلك المرأة بشتى الطرق، حتى يصل به الأمر إلى أذية أولاده بغرض الانتقام من الزوجة، فقط لأنها تكره العيش معه وتريد الفكاك منه.
لذلك تبقى المرأة معلقة لسنوات طويلة، رغم وجود أدلة دامغة على استحالة استمرار العشرة معه، بسبب تعنيف الزوج وتسلطه، بالإضافة إلى تعمده التشهير بالزوجة والتفاخر بتعليقها، وحتى الأبناء لا ينجون من عذابه، فأي أب هذا الذي يحارب أولاده في حياتهم ودراستهم؟ وخاصة إذا كان لديه أبناء يستحقون النفقة، ليرفع القضايا من أجل تأخير نفقتهم الواجبة عليه؟ ومن أجل أن تتحمل المرأة عبئاً مادياً إضافياً يقع على عاتقها ظلماً.
وعلى الرغم من رؤية القضاة بأعينهم كل ذلك العذاب الذي تتعرض له المرأة، إلا أنهم يتذرعون بالقانون، أي قانون هذا الذي يحكم بهلاك المرأة وضياع سنين عمرها معلقة؟ أي قانون يسمح بإكراه المرأة على استمرارها العيش تحت سقف واحد مع رجل يعذبها ويهينها يومياً؟
القرآن الكريم يقول: ( لكم دينكم ولي دين)، و(لا إكراه في الدين)، أي أن المرء لا يُكره على اعتناق أية عقيدة، العقيدة التي تُحدد حياة المرء برمتها لا إكراه فيها، فلماذا تُكره المرأة على العيش مع رجل يعذبها؟
العقيدة والشريعة الإسلامية السمحاء جاءت لتحافظ على كرامة الإنسان، كرامة الزوج والزوجة معاً، فلماذا ترفض المحكمة طلب المرأة الفكاك من زوجها عندما يكون الطلاق حفاظاً على كرامتها وسلامة أولادها لتعيش بهدوء وأمان؟
لا إكراه في الحياة الزوجية، يجب أن يكون هذا هو القانون السائد المستمد من الشريعة الإسلامية العظيمة، نحن في أمس الحاجة إلى رجال دين يفهمون حقيقة الدين الإسلامي العظيم، فمتى نرى محاكمنا تخلو من معاناة النساء الراغبات الفكاك من زوج متغطرس لا يعرف معنى الحياة الزوجية؟
---------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة المنظمة الأوروبية للسلام والنوايا الحسنة







