حشد الجيش الأميركي قوة ضاربة هائلة في الشرق الأوسط ضمن مدى يمكنها من استهداف إيران، ويتعيّن على الرئيس دونالد ترامب الان أن يقرّر كيف سيستخدمها.
وقال مسؤولون في الإدارة إنهم يناقشون ما إذا كان الهدف الرئيسي يتمثل في استهداف البرنامج النووي الإيراني، أو ضرب ترسانة الصواريخ الباليستية، أو التسبّب في انهيار الحكومة، أو مزيج من هذه الخيارات الثلاثة.
وأضاف المسؤولون أن ترامب طلب من مساعديه خيارات هجوم سريعة وحاسمة لا تنطوي على مخاطر الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، وقالوا إن الخيار المثالي هو الذي يوجّه ضربة قاسية للنظام بحيث لا يترك له خيارًا سوى الرضوخ للمطالب الأميركية المتعلقة بالملف النووي، والكف عن ملاحقة المعارضين.
وبحسب المسؤولين، جرت مناقشات حول حملة قصف عنيفة قد تؤدي إلى إسقاط الحكومة الإيرانية، كما بحث ترامب وفريقه إمكانية توظيف التهديد باستخدام القوة العسكرية لانتزاع تنازلات دبلوماسية من إيران.
وسيحدّد قرار ترامب شكل أي عمل عسكري محتمل، وقال نائب الأدميرال المتقاعد روبرت مورِت، الضابط السابق في استخبارات البحرية الأميركية: "الأمور التي قد ترغب في تنفيذها، وحزم القوات التي ستحتاجها، تختلف اختلافًا كبيرًا". وقال مسؤول رفيع في الإدارة إن ترامب، رغم تأكيده المتكرر أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا، يتعمّد الإبقاء على قدر من الغموض لحماية أهدافه الاستراتيجية وتفكيره العسكري.
وقال ترامب للصحفيين وفي حديثه عن السفن التي تتقارب نحو الشرق الأوسط، يوم الجمعة في المكتب البيضاوي: "لا بدّ لها أن تبحر في مكان ما. فلمَ لا تبحر قرب إيران؟".
من جهته، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم الجمعة إن طهران منفتحة على مناقشات نووية، لكن على الولايات المتحدة أن تتوقف عن إطلاق التهديدات العسكرية. وأمر ترامب خلال ولايته الثانية، بتنفيذ هجمات في اليمن وإيران وفنزويلا وسوريا والصومال ونيجيريا، وغالبًا من دون إلقاء خطاب من المكتب البيضاوي يشرح فيه دوافعه أو السعي للحصول على تفويض من الكونغرس.
وكانت غارة نُفذت في يناير على كاراكاس تهدف إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لمحاكمته، أما الضربات الجوية والهجوم الصاروخي على إيران في يونيو، فقد استهدفت مواقع نووية رئيسية باستخدام قنابل شديدة القوة صُمّمت لاختراق الأهداف المحصّنة.
وأسهم قائد سلاح الجو الأميركي الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، إلى جانب مستشاري ترامب العسكريين الآخرين، في تحقيق البيت الأبيض نجاحات تكتيكية ملحوظة، غالبًا عبر استخدام عمليات مباغتة جرى الإعداد لها على مدى أشهر، وهدفت إلى تجنّب الوقوع في مستنقعات عسكرية.
ويواجه الرئيس الاميركي في إيران، خصمًا، لا يزال قادرًا على الصمود في وجه هجوم أميركي واسع النطاق، والرد عبر ضربات صاروخية وبالطائرات المسيّرة ضد القواعد الأميركية والسفن الحربية والحلفاء في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، رغم أنه أضعف عسكريًا بكثير مما كان عليه قبل سنوات قليلة.
وقال داني سيترينوفيتش، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: "لا يوجد حل من نوع “الصدمة والترويع” للمسألة الإيرانية"، في إشارة إلى حملة القصف الأميركية التي سبقت غزو العراق عام 2003، وأضاف: "أي شخص يَعِد بغير ذلك فهو على الأرجح مخطئ".
وبدأ مسار ترامب نحو مواجهة عسكرية جديدة مع طهران عندما تعهّد هذا الشهر بتقديم الدعم لمحتجّين مناهضين للحكومة كانوا يتظاهرون في طهران ومدن أخرى، ولم تكن لدى الولايات المتحدة في ذلك الوقت، قوات كافية في المنطقة لإطلاق حملة قصف مستدامة، وفي الوقت نفسه الدفاع عن قواعدها وحلفائها في الشرق الأوسط من ردّ إيراني شبه مؤكد، وقرّر ترامب على نحو مفاجئ وأمام خيارات سيئة، العدول عن العمل العسكري.
أما الآن، فقد بات يمتلك قوات أكبر تحت تصرّفه، وقال يوم الخميس: "لدينا الآن الكثير من السفن الكبيرة والقوية جدًا التي تبحر باتجاه إيران، وسيكون رائعًا لو لم نضطر إلى استخدامها"، مضيفًا أنه نقل مطالبه إلى طهران، وأضاف الرئيس: "قلت لهم أمرين: أولًا، لا سلاح نووي؛ وثانيًا، أوقفوا قتل المتظاهرين".
وتلقّى ترامب إحاطات بشأن خيارات هجوم محتملة جرى تطويرها بشكل متوازٍ بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع (البنتاغون)، ومن بين هذه الخيارات ما يُعرف بـ "الخطة الكبرى" التي قد تشهد قيام الولايات المتحدة بضرب منشآت تابعة للنظام الإيراني والحرس الثوري الإسلامي ضمن حملة قصف واسعة النطاق، بحسب ما قاله المسؤولون.
وتشمل الخيارات الأكثر محدودية توجيه ضربات إلى أهداف رمزية للنظام، مع الإبقاء على مجال لتصعيد الهجمات لاحقًا إذا لم توافق إيران، التي تنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي، على صفقة ترضي ترامب. ويعد تنفيذ عملية تستهدف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، على غرار العملية التي أمر بها ترامب هذا الشهر لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باستخدام فرق من القوات الخاصة، أكثر صعوبة بكثير في إيران، التي تتخذ إجراءات أمنية مشددة لحماية قيادتها، فضلًا عن أن عاصمتها تقع في عمق الداخل بعيدًا عن السواحل.
وقال مسؤولون إنه حتى في حال إزاحة خامنئي، لا يمكن الجزم بأن الحكومة التي ستخلفه ستكون أكثر ودّية، ويرجّح بعض المسؤولين أن يتولى أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني زمام السلطة، وهو ما قد يحافظ على النهج المتشدد للنظام أو حتى يعمّقه.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو في حديثه أمام لجنة في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء، إن ما سيحدث في حال إبعاد خامنئي وسقوط النظام يظل سؤالًا مفتوحًا، وأضاف: "لا أعتقد أن أحدًا يستطيع أن يقدّم لك إجابة بسيطة عمّا سيحدث بعد ذلك في إيران".
وقال ولي نصر، الخبير في الشأن الإيراني والمسؤول الأميركي السابق الذي يعمل حاليًا في جامعة جونز هوبكنز: "حتى لو هُزم النظام بسرعة كبيرة، فإن ما يحدث في اليوم التالي هو الأهم". ويستخدم مسؤولو الإدارة التهديد بتوجيه ضربة عسكرية للضغط على طهران من أجل الموافقة على محادثات بشأن تقييد برنامجها النووي، وكذلك فرض قيود على صواريخها الباليستية ودعمها للوكلاء الإقليميين. ويحذر البيت الأبيض من الانجرار إلى مفاوضات غير مثمرة.
وإذا قرر ترامب بدلاً من ذلك إصدار أمر بتنفيذ هجوم، يقول محللون إن أياً من الأهداف التي حدّدها لن يكون قابلاً للتحقيق من خلال جولة سريعة من الضربات الجوية أو الهجمات الصاروخية من النوع الذي يبدو أن البنتاغون يستعد له.
وقال جاستن لوغان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو بواشنطن: "إنه يحب استخدام القوة العسكرية عندما تكون سريعة، وقليلة الكلفة، وحاسمة"، وأضاف: "المشكلة أنك لا تستطيع أن تفعل الأمور بسرعة وبكلفة منخفضة وتحصل في الوقت نفسه على نتائج حاسمة".
------------------------------
وول ستريت جورنال






