08 - 02 - 2026

أحاديث النكسة الجديدة | مقدمة لا بدَّ منها

أحاديث النكسة الجديدة | مقدمة لا بدَّ منها

"يا وطني الحزين:

 حوَّلتني بلحظة.. من شاعرٍ يكتب الحبَّ والحنين.. لشاعرٍ يكتبُ بالسكِّين"

(نزار قباني: هوامش على دفتر النكسة، 1967)

في 23 ديسمبر 2023، انتهيتُ من كتابة سلسلة مقالات عنوانها "مصر بين نكستين"، في التمهيد لها كتبتُ: "بين أحوال مصر والمصريين في الفترة ما بين (1960- 1967)، والفترة الحالية (2016-2023)، أوجه شبه عديدة.. وبين النتائج التي ترتَّبت على النكسة الأولى (1967) ومثيلتها في النكسة الثانية (2023) تطابق كبير.. وفي أحداث النكستين من الدروس السياسية، والعبر التاريخية، ما يجعل تناولها بالبحث والدرس والفحص ضرورة، وواجباً، والتزاماً.. الفارق الوحيد بين النكستين هو أنَّ هناك اعترافاً صريحاً بالأولى، وصل إلى حدِّ "جلد الذات" بعدها، في محاولة لمحو الآثار المترتّبة عليها، وأنَّ هناك إنكاراً مُتعمَّداً للثانية يصل إلى حدِّ قلب الحقائق وتزييف الوقائع، في محاولة تصويرها على أنَّها "إنجاز يشبه الإعجاز"، و"تفوّق غير مسبوق"! وهو الشعور الزائف ذاته، والوهم نفسه، الذي ساد في الفترة القصيرة والأيام القليلة التي أعقبت النكسة الأولى، قبل أن يفيق المصريون على الواقع المرير، وعلى الانكسار الكبير... في هذه المقالات، مقارنة بين النكستين الأولى (1967) والثانية (2023) من حيث الأسباب، والمظاهر، والنتائج المترتِّبة على كلٍّ منهما؛ وتتضمن رؤية مقترحة للتخفيف من آثار النكسة الحالية.. وهي محاولة لدقِّ ناقوس الخطر، ولقرع جرس الإنذار؛ لعلَّ بعض بني وطني من أولي الأمر يعلمون ويعملون"... وبناءً على منشور كتبتُه، على صفحتي على الفيسبوك، تنويهاً عن هذه السلسلة من المقالات، نصحني بعض "الأصدقاء"! ممن أثق في صدق أحكامهم، بإرجاء النشر، لعدم مناسبة التوقيت، ولأنَّ الأمور في طريقها إلى التحسن! 

 وفي 5 يوليو 2024، نشرتُ مقالاً عنوانه "رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس"، جاء فيه: "سيِّدي الرئيس: نحن نعيش في نكسة مشابهة تماماً لنكسة يونيو 1967.. الأسباب التي أدَّت إلى نكسة عبد الناصر والسياسات الخاطئة التي ارتكبها نظامه خلال الأعوام (1960-1967) هي نفسها، وبدرجة تطابق كبيرة، الأسباب والسياسات التي قمنا بها خلال الأعوام (2016-2024).. كمَّم الرئيس عبد الناصر الأفواه، وانفرد بالقرار، وأزال الحدَّ الفاصل بين الدولة والرئيس، وطبَّق مقولة الملك لويس الرابع عشر: "أنا الدولة والدولة أنا"، وأنفق موارد الدولة النقدية وأرصدتها الذهبية في مغامرات سياسية ومقامرات عسكرية، وفي السعي نحو تحقيق أمجاد شخصية، ولو كان ذلك على حساب الوطن.. كان عبد الناصر يرى نفسه أكبر مقاماً من مصر، وأعزَّ من شعبها (أنا اللي علمتكم الكرامة!)، وأعلم من خبرائها.. وكانت النتيجة نكسة كبرى، ونكبة أليمة، وهزيمة ساحقة في كلِّ مجالات الحياة لا نزال نعاني آثارها حتى الآن.. ما أشبه الليلة بالبارحة! هل يعيد التاريخ نفسه؟ أم نحن الذين نكرِّر أخطاء الماضي وخطاياه ونطمع في تحقيق نتائج جديدة؟!"... وتكرَّر السيناريو نفسه، واتصل "الأصدقاء" أنفسهم؛ معاتبين، وناصحين، ومحذرين!

 وفي 26 أكتوبر 2024، صرَّح الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته على هامش "احتفالية اتحاد القبائل العربية والعائلات المصرية"، بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 1973: "عايز أقول اللي انتوا بتشوفوه دلوقتي.. دلوقتي.. تقريباً هي الظروف اللي كنا بنعيشها بعد 67 في مصر.. وزي ما نجحنا، رغم ظروفنا الصعبة وقتها، لازم تكونوا متأكدين يا مصريين إن إحنا بردو بفضل الله سبحانه وتعالى هنعبر كل تحدي قدام مننا"، وهو المعنى نفسه الذي أشار إليه الرئيس السيسي في موضع آخر سابق، ولكن بشكل أقل مباشرة، (25 أكتوبر 2022): "لقد كان واضحاً أنَّ عمق الأزمة التي تعاني منها الدولة المصرية الحديثة خلال الخمسين عاماً الأخيرة يتطلَّب إجراءات حادة وقاسية ومستمرة لعلاج كافة الاختلالات".. ليقطع حديث الرئيس (المتكرِّر) عن الأزمة الحالية، وعن "كافة الاختلالات"، وعن النكسة الجديدة، "قول كلِّ خطيب"! 

والحقَّ أقول لكم، فإنَّ هذا التشابه، إلى حدِّ التطابق، بين الظروف التي أدَّت إلى نكسة 1967، والظروف الحالية التي نمرُّ بها ونعانيها، هو ما يصيبنا بالهلع من تكرار النتائج المترتِّبة على النكسة الأولى، وبالجزع مما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المستقبل القريب بعد نكستنا الحالية.. لم تكن نكسة 1967 مجرد تراجع عسكري مؤقَّت، أو مجرد انهزام عابر، ولم تكن مجرد انهيار لنموذج سياسي حاول أصحابه الترويج لفكرة ديمومته، وقدرته على تحقيق المستحيل، ولم تكن انهيار "حلم مشروع" لجيل آمن بكلِّ جوانحه بمشروع وطني عظيم، إنَّما كانت هزيمة عسكرية شاملة، وانسحاقاً حضارياً كاملاً، وانكشافاً لزيف أمة بحالها، وبداية لعقود طويلة من العبثية، والعدمية، والاضمحلال التام في كلِّ شيء.. كانت النكسة بداية عهد جديد من التشاؤم، والإحباط، وخيبة الأمل، وعدم الثقة بالسياسيين الكاذبين، وكأنَّ لسان حال الجميع يقول: "كلُّهم خانوك يا ريتشارد"!

 كانت نكسة 1967 بداية لهزيمة نفسية ثقيلة لا نزال نعيش فيها ونتجرَّع ويلاتها، ولعشوائية سياسية متقدة ومتجدِّدة، لا نزال نصطلي في أتونها، ولفوضوية فكرية قابلة للزيادة.. كانت النكسة كُفراً ليس بعده ذنب، وتنفيذاً فوريّاً لحكم إعدام ليس بعده طعن أو نقض؛ سبقت النكسة العذل، ولم تعد هناك فائدة لأيِّ شيء أو جدوى من أيِّ شيء ما دمنا نتبع السياسات ذاتها، والإجراءات نفسها في معالجة الواقع.. كانت النكسة منهجاً في الفشل، وأسلوباً في الإخفاق، وشِرعةً في الانسحاق الدائم.. بدأت النكسة عسكرياً بهزيمة الجيوش، وانتهت حضارياً بهزيمة الشعوب.. ومما يُؤْسَف له أنَّها لا تزال قائمة، ولا يزال المسؤولون عن سياساتنا يتَّبعون مناهجها، ويعترفون بحدوثها مرة أخرى، وبتكرار أعراضها ومظاهرها بعد ستة عقود منها.

ولعلَّ الخوف من تكرار هذه العواقب، والقلق من هذه التبعات والمُلمَّات، هو ما يجعلنا نصرخ بأعلى صوتنا "آه يا بلدي"، ونكرِّر بكلِّ وجع "مدد.. مدد.. شدِّي حيلك يا بلد" (بصوت العظيم محمد نوح)، بعد أن كنَّا منذ سنوات قليلة نغني بكلِّ فخر وأمل "تسلم الأيادي" (بصوت الفنان مصطفى كامل)، وهي في حدِّ ذاتها مفارقة كاشفة يمكن الالتفات لها، والإشارة إليها، في بيان الحال الذي وصلنا إليه!

نكساتنا المصرية: عبقرية التكوين

لكلِّ أمة نكستها الكبرى، ونكساتها المتفرعة منها.. تماماً مثل الزلزال وتوابعه... نحن أمَّة النكسات الكبرى المتعاقبة.. الجيولوجيا السياسية والتكوينات الحضارية لهذه الأمَّة تجعلها منطقة نشطة للنكسات.. لكلِّ حاكم مصري في العصر الحديث نكبته، ونكسته، و"وكسته"؛ بعض هذه النكسات عابرة للأجيال وقافزة فوق جدار الزمن، وبعضها يستمر مع الحاكم وينتهي برحيله. على سبيل المثال، نكسة الخديوي إسماعيل؛ عاشت معنا ثمانية عقود (2 مايو 1876- 23 يوليو 1952)؛ ونكسة الرئيس عبد الناصر لا نزال نعاني تبعاتها بعد مرور ستة عقود عليها (5 يونيو 1967-).. والنكسة الحالية التي نعيش أجواءها ستعاني الأجيال الجديدة من ويلاتها عدة عقود قادمة (على الأقل في مسألة الديون).. كانت نكسة الخديوي إسماعيل (1876) أشدَّ قسوة من نكسة الرئيس عبد الناصر (1967).. ونكستنا الحالية أشدُّ وقعاً، وأعظم تأثيراً، على المدى البعيد، من النكستين السابقتين.. نكساتنا في العصر الحديث بعضها من بعض، يسلِّم بعضها بعضاً، ويتداخل بعضها مع بعض، وكلَّما حاولنا الخروج من نكسة، نعد إليها "كلَّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمٍّ أعيدوا فيها"، وجئنا بواحدةٍ أخرى "هي أكبر من أختها".. 

فرغنا من الجهاد الأصغر ضد النكسات المفروضة علينا من الخارج، إلى الجهاد الأكبر ضد النكسات الذاتية، والأهداف العكسية، والنيران الصديقة، التي تفرضها قوى داخلية، على رأسها أحلام الحاكم وطموحاته الشخصية. أشارت التجارب إلى أنَّ النكسات لا تحدث لسبب واحد، ولا يكون مصدرها واحداً، وإنَّما تكون متعددة الأسباب، متعددة المصادر، وإن غلب عليها سبب واحد واضح، ومصدر وحيد جليّ.. نكسة الخديوي إسماعيل كانت داخلية، خارجية، اقتصادية، سياسية.. نكسة الرئيس عبد الناصر كانت خارجية، داخلية، سياسية، عسكرية.. نكستنا الحالية داخلية فقط، نتيجة سوء السياسات العامة، والفشل في إدارة الموارد المتاحة.. وهذا هو مصدر صعوبة الموقف الحالي، وتلك هي المشكلة.. لا يوجد طرف خارجي (حقيقي) يمكن أن نتهمه بما نحن فيه، ولا يوجد عدو ظاهر (فعلي) نُحمِّل له النكسة.. نكستنا من صنع أيدينا، وبسبب سوء تقدير الموقف الحالي، ولغياب رؤية حقيقية لمستقبلنا.. معظم الأهداف التي دخلت مرمانا في العقدين الماضيين من صُنْع أيادينا (القصيرة)، وبأقدام لاعبينا الغشيمة، ومن نتائج تطبيق سياساتنا العقيمة.. أصعب أنواع النكسات هي التي يتسبَّب فيها أصحابها ولا تكون مفروضة عليهم من الخارج.. المؤامرات الدولية موجودة في كلِّ العصور، ويمكن تجنّبها بقليل من السياسة وبكثير من الكياسة.. أما النكسات التي يتسبَّب فيها أصحابها فهي الطامَّة الكبرى، وهي نِتاج للمغامرات الاقتصادية، والمقامرات السياسية لبعض الحُكَّام، وهي داءٌ يعيي من يداويه: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"..

الشعب المصري هو "آخر من يعلم" في كلِّ هذه النكسات.. يعيش في موقع "المفعول به" نحْوياً، و"المتغيِّر التابع" في الدراسات التجريبية؛ يقع عليه فعل الفاعل، ويتأثر بالمتغيِّر المستقل، وكفى.. لم يشارك الشعب المصري مشاركة حقيقية في اتخاذ القرارات المصيرية بالنسبة له؛ فهو "المقصي" في رواية حُكَّامه دائماً، وهو "المنسي" في ذاكرتهم أبداً، ولا يُستدعَى إلا لتحمل المسؤولية كاملة، والقيام برفع الأنقاض، وتَحَمُّل تكلفة "إعادة الإعمار".. نحن، الشعب المصري "شركاء في الغُرْم، ولا نصيب لنا في الغُنْم"! لهذا، وربَّما عن عَمْد، نُسِبت نكساته إلى حُكَّامه ولم تُنسَب إليه.. سمعنا عن نكبة "إسماعيل" وأزمته، وعن نكسة "عبد الناصر" وهزيمته.. ومن قبلُ، قرأنا عن إفلاس "خماروية"، وعن "الشدِّة المستنصرية"، ولم يقل أحد نكسة مصر أو هزيمة الشعب المصري..  ولهذا، كان الرئيس عبد الناصر صادقاً مع نفسه، كلَّ الصدق، حين أعلن في خطاب التنحي (9 يونيو 1967) مسؤوليته الكاملة عن نكسته وهزيمته.. وموقف الاعتذار للشعب هو الموقف الذي يجب على كلِّ حاكم صَدَقَ ما عاهد الشعب عليه أن يفعله، رغم أنَّ الرئيس عبد الناصر نكث بهذا العهد مرَّات عديدة قبلها وبعدها! 

 في ثقافتنا الحياتية، عندما يأتي "صنايعي" لإصلاح شيء في البيت، لا بدَّ أن يشير إلى الأخطاء الكارثية التي ارتكبها سابقه، حتى ولو كان الذي سبقه هو "شيخ الصنايعية".. الأمر في السياسة أكثر وضوحاً واستمرارية.. كان حُكَّام مصر القدماء يحرصون على هدم منجزات أسلافهم، وكسر "أنوفهم".. معظم تماثيل أجدادنا العظماء بلا أنوف، حتى "أبو الهول".. يأتي كلُّ حاكم جديد ولديه رؤية تبدأ منه، وتنتهي بوفاته.. البدايات الصفرية، والنهايات الكارثية هي المحصِّلة العدمية لكلِّ الحُكَّام الذين تعاقبوا على حكم مصر في العصر الحديث.. نحن "محلَّك سر: نجري في المحلّ" بتعبير العسكريين، ونقوم بجهد "سيزيفي" بتعبير الفلاسفة، ونعيش في نكسة مستمرة بتعبير الناصريين، ويصبح كلُّ حاكم "كالمُنْبَتِّ"؛ "لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى" بتعبير الإسلاميين! نحن، بكلِّ فخرٍ زائف، أمَّة تلبس "قشرة الحضارة، والروح جاهلية"؛ لم نتعلم من أخطاء التاريخ، ولم نستفد من تجاربنا الماضية، ومن إخفاقاتنا السابقة. نحن أساتذة في فن استنساخ الأخطاء، وإعادة تطبيق السياسات الخاطئة، وفي اختيار التوقيتات الكارثية، وفي إلقاء اللوم على من سبقونا، وعلى الظروف الخارجية. نحن أساتذة في تطبيق التعريف الإجرائي للغباء كما حدَّده إينشتاين: "إعادة تكرار التجربة بكلِّ خطواتها ومكوِّناتها وإجراءاتها، وانتظار نتيجة مختلفة في كلِّ مرّة"! 

في انتظار "جودو"

مشكلة مصر الحقيقية منذ عام 1952، وربَّما منذ وفاة محمد علي باشا عام 1849، أنَّها أكبر من رؤسائها، وأعظم من حُكَّامها، ولمَّا يأتِ من يضعها في مكانها اللائق بها.. ولا تزال مصر "في انتظار جودو"، "إمامها الغائب"، و"المُخلِّص"، الذي يعرف قَدْرها، ويحيي آمالها، ويبعث فيها الروح التي غابت... ادعى كلُّ من حكمها أنَّه "مبعوث العناية الإلهية" إليها، وأنَّه "الحكيم" الذي يزن الأمور بدقة، و"الرحيم" الذي يحنو على شعبها،  و"العبقري" الذي أتى بما لم يستطعه الأوائل، وأنَّه القادر، وحده، على إعادة مجدها، وأنَّه، وحده أيضاً، من يمكن الثقة بصدقه وشرفه، والاطمئنان إلى وطنيته وإخلاصه، والإقرار بحكمته ونباهته، والاعتراف بأدبه (الذي نظر إليه الأعمى)، والاستماع إلى كلماته التي سمعها القاصي والداني حتى (من به صمم)! والحقيقة (المُرَّة)، مع شديد الأسف، على غير ذلك تماماً!

مارس الرؤساء المصريون منذ يوليو 1952 كلَّ أساليب صناعة الوهم السياسي، والخداع الإعلامي، لتثبيت واقع غير موجود، مرتبط بكلِّ فترة، حتى باتت أوهامنا تفوق أحلامنا، وتتجاوز الواقع الذي نعيشه، والخيال الذي نتمناه. خدعنا الرئيس عبد الناصر بمبادئ يوليو، والميثاق، والقومية العربية، وبالقيادة التاريخية، وبمصر العظمى الكبرى.. وصحونا على ضياع الأرض، وعلى انتهاك العِرض، وعلى نكسة سيظل يذكرها التاريخ لعدة قرون مقبلة.. وخدعنا الرئيس السادات بفكرة "الانفتاح" الذي "سيغني الجميع"، وبالرخاء الذي سيعم البلاد، وبالديمقراطية (الأمريكانية) التي سيتم التوقف عندها طويلا بالدرس والفحص.. وصحونا على تسليم مقاليد الأمور للجماعات المتطرفة، وبخروج الجياع إلى الشارع في انفجار كاد يعصف بالبلد كلها، وباعتقال كلِّ من له عقل في سبتمبر الأسود.. وخدعنا الرئيس مبارك بفكرة الاستقرار، وبوهم التنمية من أعلى (حيث رجال الأعمال)، وبفكرة القائد الحكيم الشجاع.. وصحونا على بلد موضوع على أجهزة التنفس الصناعي، بعد أن تمَّ تجميده في "ديب فريزر" ثلاثة عقود، وبالفساد الذي "وصل إلى الركب"، وبالشيخوخة (دولة العواجيز) التي باتت معها حركة البلد صعبة إن لم تكن مستحيلة، وبالسوس الذي أكل منسأة الحاكم حتى خرَّ مخلوعاً.. وخدعنا الإخوان بمشروع النهضة (الفنكوش الأعظم)، وبفكرة أنَّهم (مننا)، وبالمظلومية التاريخية.. ثم صحونا على "أخونة" الدولة"، و"شيطنة الجميع"، وبأسرار الوطن (الذي هو "حفنة من تراب عفن") على قارعة الطريق لمن يريدها من دول الجوار... ثُمَّ ها نحن أولاء أمام خدعة أخرى أكبر من سابقتها، وأمام أوهام أكبر تتعلق بمصر "أمّ الدنيا" والتي ستصبح "قدّ الدنيا".. ثم التفتنا إلى كلِّ أعمالنا، وإلى التضحيات التي قدَّمناها خلال السنوات الأخيرة، والصعوبات التي عانينا منها، فإذا بنا نصحو على محصِّلة نهائية صفرية، و"إذا الكلُّ باطلٌ وقبضُ الريح، ولا منفعة تحت الشمس"! 

هل معنى هذا أنَّنا لم ننجح في شيء؟ أو لم يتحقق شيء خلال هذه العقود؟ المؤكَّد أنَّنا نجحنا في بعض الأشياء، والمؤكَّد أنَّه تحققت أشياء عديدة.. غير أنَّه نجاح لا يليق بنا، ولا يعادل تضحياتنا، ولا يقترب من أحلامنا.. نجاح الرؤساء المصريين منذ 1952، كان نجاحاً جزئياً ومؤقَّتاً.. مثل الطالب الذي ينجح في مادة، ويرسب في مواد أخرى كثيرة، أو ينجح في حلِّ مسألة، ويفشل في الإجابة عن بقية الأسئلة.. نجح رؤساؤنا في بعض المقررات، ورسبوا في "المجموع العام".. نجح رؤساؤنا في المقررات غير الإلزامية، وفي المواد الاختيارية، وفشلوا في اجتياز المقررات الإجبارية ("الاقتصاد"، و"السياسة"، و"الاجتماع"، و"الثقافة"...).. وكان نجاحهم في مجمله، نجاحاً بالرأفة، (وبالزق)، ولا يتناسب مع "الدعاية/ البروباجندا" المصاحبة لفترات حكمهم.. ويبدو أنَّ توقعاتنا كانت أكبر من قدرات رؤسائنا، وكانت أمانينا أعمق من مستوى إدراكهم، وكان جهدهم في أفضل أحواله هو "جهد المُقِلّ"! ويبدو أيضاً أنَّ "الشيلة" كانت كبيرة عليهم، كما كانت كبيرة على حكومة الإخوان، ومن ثمَّ كانت النتيجة واحدة؛ نكسات يسلِّم بعضها بعضاً، حتى وصلنا إلى النكسة الجديدة الحالية!

ويمكننا القول إنَّ الواقع المصري، في الوقت الحالي، "حمَّال أوجه"؛ ويمكنك تفسيره بأكثر من طريقة، فيه ما يمكن أن يُرى بوصفه إنجازاً جزئياً في البنية التحتية، أو توسّعاً عمرانياً يلفت الأنظار، أو ضبطاً متميِّزاً لأمن الدولة وسكانها، لكنَّه في جوهره يعكس أزمة أعمق تتجاوز المظاهر إلى البنية الفكرية والإدارية والسياسية التي تحكم آليات اتخاذ القرار.. إنَّ الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الكباري والطرق، بل بمدى ترسيخ العدالة والشفافية، وبقدرة النظام على تمكين الإنسان المصري من أن يكون فاعلاً وليس مفعولاً به. ومن ثمَّ فإنَّ ما تحقق من "نجاحات مادية" لم يُترجم إلى "تحوّل نوعي" في حياة الناس، ولا إلى انبعاث جديد في "الوعي الجمعي" أو في "منظومة القيم العامة". لقد بنينا كثيراً من الحجر، لكننا لم نبنِ الإنسان، ولم نحسِّن حياة البشر.

 ولعلَّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يتحمَّل الرئيس عبد الفتاح السيسي وحده مسؤولية النكسة الجديدة؟ الإجابة، بطبيعة الحال، لا؛ فالأزمات التي تعيشها مصر ليست وليدة اللحظة، ولا يمكن ردُّها إلى شخص بعينه، بل هي نتاج تراكمات ممتدة لعقود من السياسات المرتبكة، والخيارات المؤجَّلة، والعجز المزمن عن بناء مؤسسات حكم رشيدة ومستقلة. غير أنَّ وجود الرئيس السيسي في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الدولة المصرية، وتبنّيه لأسلوب إدارة يقوم على المركزية المفرطة، والإقصاء السياسي، والتوسع في المشروعات الكبرى على حساب العدالة الاجتماعية والإصلاح المؤسسي، قد أسهم في تعميق الأزمة وتسريع وتيرتها. وكما أنَّ النهضة لا تتحقق بقرار فوقي أو بمبادرات معزولة، بل هي ثمرة لتراكم الوعي والمعرفة والحرية عبر الزمن، فإنَّ النكسة أيضاً ليست حدثاً طارئاً، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من سوء الإدارة وغياب الرؤية. لقد وُلِدت بذور الإخفاق منذ عقود، وتناقلتها الأنظمة المتعاقبة دون مواجهة حقيقية، حتى نضجت ملامحها الكاملة في عهد الرئيس السيسي، الذي مثَّل لحظة اكتمال دورة الأزمة، وليس بدايتها.
-----------------------------
بقلم: د. أيمن منصور ندا
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)


مقالات اخرى للكاتب

أحاديث النكسة الجديدة | مقدمة لا بدَّ منها