مع التهديدات الأمريكية المتكررة علي لسان ترامب بمراجعة التزامات حلف الناتو، والمطالبة بتحمل الأوروبيين مزيداً من أعباء الدفاع عن أنفسهم، مكررًا أن أمريكا لن تكن شرطي أوروبا دون مقابل، في إشارة منه إلي حتمية مواجهة أوروبا لروسيا مستقبلاً من دون الإعتماد علي أمريكا. التهديدات الأمريكية المتكررة بمراجعة التزامات حلف الناتو، والمطالبة بتحمل الأوروبيين مزيداً من أعباء الدفاع عن أنفسهم، ستقود إلى نقطة تحول تاريخية غاية في التعقيد، وبالطبع سيكون مردودها علي الإقليم مردوداً سلبياً.
فكرد فعل، أعلن الاتحاد الأوروبي عن مشروع دفاعي طموح لجمع تريليون دولار للبدء في بناء درع دفاعي على ممر "سوالكي" علي حدود بولندا، يُتوقع أن يكتمل تشييده بحلول العام ٢٠٢٨.
هذا الاستعداد العسكري الأوروبي المتوقع ليس هدفاً بحد ذاته، بل يُفترض أنه تحضير لسيناريو أسوأ: مع انتهاء أوروبا من بناء هذا الدرع، واشتداد الاستنزاف الاقتصادي جراء دعم أوكرانيا، قد تبدأ في معركتها المصيرية ضد التهديد الروسي إذا لم تسفر الدبلوماسية عن اتفاق سلام.
مع انشغال القوى الغربية (أمريكا وأوروبا) في مواجهة مفترضة مع روسيا عام ٢٠٢٨ سَتُشكَّل لحظة حرجة على الساحة الشرق أوسطية. التقدير هو أن إسرائيل، التي تعتمد على دعم عالمي، قد تمر بحالة من الضعف الشديد ( ٢٠٢٨ سيمر ٨٠ عاما علي إنشاء الكيان) في ظل غياب أو تراجع هذا الدعم. وهذا بدوره سيضعها أمام ضرورة استباقية "لتأمين حدودها" مع جيرانها المباشرين: لبنان، سوريا، الأردن، ومصر، فيما سيتخذ هذا التأمين شكل توسيع حدودي وإعادة ترسيم للخرائط الديموغرافية والسياسية في المنطقة، بهدف إقامة كيانات طائفية منزوعة السلاح أو ذات قدرات عسكرية محدودة للغاية، علي غرار سلطة عباس بالضفة، علي أن تبدأ في مخططها من يناير ٢٠٢٦ حتي نهاية ٢٠٢٨.
في هذا السياق، يبرز "المسار الدرزي" كحجر زاوية في سيناريو إعادة رسم المنطقة. حيث تقوم استراتيجية التقسيم الذي وضعته إسر١ئيل علي "تمدد ديموغرافي درزي" تربط فيه بين جنوب سوريا (بما في ذلك الجولان المحتل والسويداء) وجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة (منطقة الجليل)، مما يؤدي عملياً إلى فصل هذه المناطق وتأسيس كيان درزي ممتد تحت النفوذ الإسر١ئيلي.
ولبنان سيكون مسرح التنفيذ الأول والأكثر عنفاً لهذه المعادلة. يواجه لبنان اليوم أزمة وجودية حقيقية حول موضوع السلاح وسيادة الدولة، خاصة مع إصرار حرْب الله على الاحتفاظ بسلاحه، فيما قرار الحكومة اللبنانية التاريخي بحصر السلاح بيد الدولة، رغم أنه تم تحت ضغط أمريكي وإقليمي هائل، قابلته تهديدات صريحة من حزب الله بـ"حرب أهلية" و"معـركة كربلائية" إذا نفذت قرارها.
هذا الانقسام الحاد يضع لبنان على شفا صراع داخلي سيكون بمثابة الشرارة الأولى في تقسيم الإقليم بداية من قلب الشام، حيث ستستغل إسر١ئيل هذه الفوضى الداخلية في لبنان وغياب الغطاء الغربي، وستنقض على جنـوب لبنان في عملية عسـكرية واسعة، ربما تكون أكثر بشــاعة مما حدث في عْرْة. بعد هذا السيناريو يدخل الجيش اللبناني إلى الجنوب "لبسط نفوذ الدولة"، مما سيدفع بمقاتلي حـ زب الله بالإنتقال شمالاً إلى سهل البقاع (علي اعتبار فرض الخطة الإسر١ئيلية ونجاحها في القضاء علي الحـزب ونزع سلاحه)، حيث سيواجهون قـوات سلـفية جـهادية، كان قد نقلها الجولاني مسبقاً منذ أشهر إلى تلك المنطقة لقطع خطوط الإمداد الإير١نية للمـقاومة شمالاً وجنوباً.
هذه المعارك المفترضة في البقاع ستكون جزءاً من خريطة تقسيم أوسع للمنطقة. وفقاً للسيناريو، ستُخلق دويلة درزية في الجنوب السوري-اللبناني وإلي جوارها دولة علوية بطول الساحل السوري (طرطوس واللاذقية) كان قد جري الترتيب لها مع زيارة اسعد الشيباني لروسيا مؤخراً، ودويلة شيعية في البقاع وبعلبك ولربما جزء من شيعة لبنان يتم تهجيرهم للعراق، ودويلات مسيحية وسنية في مناطق أخرى من لبنان. الأهم، أنه يُفترض أن "الدولة السنية" الوليدة في وسط سوريا، كمكافأة من أمريكا وإسر١ئيل للجولاني على جميل تعاونه، ستحتاج إلى منفذ بحري، والأنظار هنا ستتجه لمدينة طرابلس اللبنانية شمالاً والمُطلَّة مباشرة علي ساحل المتوسط لتكون عاصمة دولة الجولاني السنية المهترئة والحامية لأمن الكيان مستقبلاً، مما يربط مستقبل لبنان بشكل وثيق بالتغيرات في سوريا.
والبقية تأتي لاحقاً.
-----------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكير







