كنت ومازلت ارى فى إبراهيم عيسى مفكرا وكاتبا كبيرا، أختلف مع أفكاره ربما، لكنى أحمل له تاريخا صحفيا قبل ثورة يناير يجعله واحدا من أهم الصحفيين فى وطننا الغالي.
لكن لاحظت ولاحظت الدنيا جلها، أن هناك مشكلة كبيرة بينه وبين سيرة الزعيم والقائد "جمال عبدالناصر" وإن كنت أرى أنه ربما لا أعرف أسبابها، ولا أعتقد أنها سياسية بالأساس، ربما إبراهيم عيسى لديه مشكلة مع اليسار، وأنه ابن هذه الحقبة من تاريخ مصر التى ترى أن الليبرالية مقترنة بحرية الفكر وأنه لابد من تكسير كل قواعد كانت ترى فى الليبرالية أنها فكرة متعفنة صنعها أصحاب العمل فى مجتمع ضيق يعيش ويقتاد على جهد ووقت ومال العمال.
اسمح لى زميلنا العزيز إبراهيم عيسى أن أنقل لك مشاهد حية من حياة الزعيم والقائد، ربما لم تسمعها أو سمعتها ولم تتوقف عندها، وربما فى إعادتها محاولة لمراجعة الضمير الفكري لدى الكثيرين.
جمال عبدالناصر ابن رجل البريد البسيط القابع فى أقصى صعيد مصر واليتيم الأم منذ سن الثامنة، تم اعتقاله وهو فى الصف الأول الثانوى وهو يهتف ضد الاحتلال.
جمال عبدالناصر طالب الحقوق الذى تركها فى السنة الثالثة وقرر أن يلتحق بالكلية الحربية كان مسؤولا عن 4 أشقاء ووالده بعد تعيينه بشهر واحد.
عبدالناصر الذي لا تعرفه وبعد نجاح ثورة يوليو، طلب منه الجيش أن ينتقل لمسكن يناسبه بصفته قائد الثورة، وحددوا له قصرا من قصور الملك فاروق، فرفض قائلا: "احنا عملنا الثورة علشان نستبدل ملك بملك جديد؟"
عبدالناصر عاش طول عمره فى مسكن ناظر المدرسة الثانوية العسكرية، ووقع تعهدا بخط يده بالحفاظ على "أثاث" المنزل باعتباره عهدة من الجيش.
جمال عبدالناصر اعتقل خاله "إبراهيم حماد" فى اسيوط ونفاه إلى قنا، لأنه سمع أنه يتباهى أنه خال رئيس الجمهورية، وظل معتقلا 7 شهور.
عبدالناصر من وفائه لأصدقائه يا مؤمن سمى أولاده "خالد" نسبة لزميله فى مجلس قيادة الثورة خالد محيى الدين، وسمى "عبدالحكيم" نسبه أيضا لزميله عبدالحكيم عامر، وسمى بنته "هدى" نسبة لزوجة صديقه "حسن النشار" والتى باعت مصاغها من أجل أن يتمكن من الزواج بالسيدة "تحية".
جمال عبدالناصر ألغى فكرة عمل قرية "بنى مر" قرية نموذجية بالصعيد، وقام بتمزيق ورق المشروع الذى قدمه محافظ أسيوط له قائلا: "ستكون آخر قرية نموذجية" فى مصر
جمال عبدالناصر صادر 15 فدانا أرض طرح نهر، حصل عليها أعمامه فى اسيوط طبقا للقانون، وقام بإقالة رئيس هيئة الأراضي الزراعية يوسف حمدي.
جمال عبدالناصر فى حفل توزيع عقود الاصلاح الزراعى حاول فلاح تقبيل يده شاكرا له منحه الأرض فاعتقله، وقال له قولته الشهيرة: "ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الاستعباد" وأفرج عنه بعد أسبوع، مهددا من يقبل يد مسؤول بالسجن.
جمال عبدالناصر كما قال سكرتيره الخاص محمد أحمد كان يستمع لشكاوى المواطنين ليلا حتى الفجر، ومنه أن وصل إليه خطاب من شاب يتحدث عن اضطهاد عمده القرية له لتفوقه، فارسل مدير المخابرات للقرية والتقى الشاب وقرر تحمل مصايف تعليمه وأقال العمدة وأقال مأمور المدينة التى ينتمى اليها ونقل مدير أمن تلك المحافظة، وبعد شهرين عين والده عمدة على هذه القرية.
جمال عبدالناصر كان فى زيارة للصعيد وشاهد رجلا يفتك به الحرس وهو يحاول الوصول للرئيس، وعرفه وذهب له ونفض عنه الغبار وقبل رأسه وقال للجميع: "هذا عمى طه" شقيق والدى، والحمد لله عشت يوما أرى فيه عم الرئيس مثله مثل أي مواطن فى مصر.
جمال عبدالناصر الذى ذهب إليه والده "عم عبدالناصر" إلى مقر الرئاسة طالبا واسطته فى قبول أخيه الأصغر "مصطفى" فى الكلية الحربية، وكان قد تجاوز السن القانونى بخمسة أيام فقط، فرفض الرئيس طلب والده، وغادر والده الرئاسة غاضبا بشدة، وحاول عبدالحكيم عامر والبغدادى وجمال سالم إقناعه بقبول شقيقه فى الحربية فرفض، وأخيرا تواصل المشير عبدالحكيم عامر مع المجلس العسكرى وتوصلوا لحل قانوني، وهو أن يلتحق مصطفى شقيقه بكلية الطيران حيث السن مفتوح، وبعد العام الاول يتم نقله للكلية الحرية طبقا للقانون الذي يسمح بذلك أيضا.
جمال عبدالناصر ظل يقوم بتفصيل ملابسه لدى ذات الترزى منذ كان طالبا وحتى وفاته، شقيقته "عايده" قالت فى حديث سابقا: "كان يقوم بتفصيل بدلة واحدة طوال العام، كان يشترى "القمصان" من شركات الحكومة، ومثله مثل أي مواطن ويقوم بدفع الحساب من راتبه.
جمال عبدالناصر ولد فقيرا وعاش فقيرا ومات فقيرا، ولكنه ظل باقيا فى قلوب شعوب الفقراء فى العالم كله.
عزيزي إبراهيم عيسى إن من يهاجم الرئيس عبدالناصر دون سبب، ويجعله يوميا على لسانه وسبب هزيمة المنتخب من السنغال، وسبب زيادة أسعار الكهرباء، وسبب ضياع أرض نادى الزمالك، وسبب فشل منى ذكى فى فيلم الست، وسبب أزمة الفنانة شيرين، وسبب تأخر قطار الصعيد، وسبب توقف كوبرى أبوتشت، هو شخص غير "عادل" وإما أنه يريد أن يقول لنا أنه كان اقطاعيا والثورة نزعت ملكيته، أو أن له قريب باشا فى بلاط قصر الملك فاروق كان يصرف عليه، وأما غير ذلك فيذهب من يذهب بقصصه وكذبه وأوهامه، ويبقى عبدالناصر رمزا للكفاح فى العالم الثالث.
تذكرنى واقعة إبراهيم عيسى بواقعة أكثر غرابة، حيث لدى صديقة مقربة لا هم لها سوى الهجوم على عبدالناصر، وتكيل له سيلا من السب والشتم دون سبب، وبعد تدقيق علمت أن لها جذور وفدية، حاولت إقناعها أن أول مرة يسجن عبدالناصر كان وهو طالب ، وأنه غضب من محاصرة قصر الدبارة وتعيين النحاس باشا القامة الوفدية رئيسا للحكومة بقوة السلاح، وأن عبدالناصر لو على مقياس الوطنية مع شخصيات كانت تسقط ملابسها وهى واقفة أمام الملك فاروق، وهؤلاء لا قيمة لهم فى التاريخ مطلقا، وبعد حين علمت أنها تكره أم كلثوم أيضا، ووقتها اقتنعت أن مشكلتها مع "مصر" الأرض والتاريخ.
عاشت ذكرى القائد الذى وزع ملابس على بطاقات التموين، ووزع أحذية على الفقراء، وفتح المدارس بالمجان، وما دونه سيذهب فى الهواء تتلقفه وتتلقف كلامه سموات عربيه عشقت وتعشق العبودية، كعشقها للحوم والأرز معا.
-----------------------------
بقلم: عادل عبدالحفيظ






