وقع أمامي حوار صحفي مع الكاتبة زينب العسال، أُجري قبل نحو عشر سنوات، جاء فيه على لسانها: "لقد عرف كاتب روايات القمع كيف يلعب مع الرقابة، ويتخطى كل حواجز منع النشر أو المصادرة، أو الوقوع في المساءلة، أو توجيه تهمة معاداة النظام".
كانت زينب قد قدمت بحثًا في إحدى دورات مؤتمر الرواية العربية بالقاهرة، بعنوان "آليات القمع واستشراف الحرية في الرواية العربية" تناولت خلاله عدة روايات للكاتب الراحل سيد نجم (1948-2021)، أحد أبرز الأسماء في أدب المقاومة والحرب، شارك في حربي الاستنزاف وأكتوبر، مما أسهم في تشكيل وجدانه الأدبي، واشتهر بكونه مؤرخ أدبي.
وكان مما تضمنه حوار العسال مع الصحيفة، (أنه لكي يصل الكاتب إلى ما يريد، كان عليه أن يستخدم وسائل عدة منها: خلق الجو الأسطوري أو الفانتازي الذى يوحى بأن الأحداث تقع في عالم مغاير للواقع، أو الهروب إلى استلهام التاريخ والتفتيش عن حقب زمنية تمطَّى فيها القمع والعنف والقهر..).
ولعل روايات أديب نوبل، نجيب محفوظ، في بداية مشواره الأدبي تعد مثالاً لنمط الاختباء من الواقع في التاريخ، حين أصدر رواياته التاريخية الثلاث؛ كفاح طيبة، عبث الأقدار، ورادوبيس، كشفت عن دلالات عميقة تتعلق بصراع الإنسان مع القدر، وانحراف السلطة حين تنغمس في الشهوات وتبتعد عن الشعب، وقوة الإرادة الوطنية في مواجهة الغزاة واستعادة الحرية؛ فهي بذلك لا تقتصر على إعادة سرد التاريخ، بل توظفه كرمز فلسفي وسياسي يضيء قضايا الحرية والعدالة والهوية، ويؤكد أن مصير الأمم يتحدد بوعي شعوبها وصلابة مقاومتها.
بينما تعد رواية شيء من الخوف، للكاتب الكبير ثروت أباظة تجسيدًا لمرحلة القهر والصراع بين الاستبداد والإرادة الشعبية في الستينيات، حيث تدور أحداثها في قرية مصرية يسيطر عليها الطاغية "عتريس" الذي يفرض سلطته بالقوة والخوف، حتى تصبح القرية أسيرة الرعب والصمت. غير أن الرواية تكشف عن أن الخوف ليس قدرًا أبديًا، فمقاومة الناس ورفضهم للظلم هو السبيل للتحرر، وتجسد شخصية "فؤادة" رمزًا للشجاعة والكرامة في مواجهة الطغيان. بهذا المعنى، تحمل الرواية دلالات سياسية واجتماعية عميقة، فهي نقد للاستبداد وتأكيد على أن إرادة الجماعة قادرة على كسر قيود الخوف وصناعة الحرية.
وأغلب الظن أن الأدب المصري لم يعرف كاتبًا مُنعت أعماله وحُذفت مثل الروائي الكبير فتحي غانم مؤلف روايات الرجل الذي فقد ظله، وقليل من الحب كثير من العنف، والأفيال. كان غانم على رأس المفكرين الذين طاردت السلطة كلماتهم، وحاصرت أفكارهم، لكنه لم يكن يهتم، كان صامدًا، وكانوا عنيدين.
بلغ الحذف حدًا كبيرًا؛ فرواية "تلك الأيام" حُذف منها أكثر من 130 صفحة"، ورواية الرجل الذي فقد ظله حذف منها أكثر من 250 صفحة، وهي أرقام ترقى لأن تكون عملاً أدبيًا مستقلاً.
في روايته "الرجل الذي فقد ظله"، يستعرض فتحي غانم قصة يوسف السيوفي الصحفي الطموح الذي يسعى للصعود الاجتماعي على حساب مبادئه وأصدقائه، ويرى أن (الصحفي الناجح هو الذي يعرف متى يرفع صوته بالحق، ومتى يهمس بالباطل في أذن صاحب السلطة). ومن ثم تناولت الرواية صراع الفرد بين الطموح والضمير والقيم الإنسانية في مجتمع طبقي ما قبل ثورة يوليو 1952.
وقد واجهت الرواية ردود فعل حادة تجاه ما ظنه البعض إسقاطًا على شخصيات حقيقية من الصحفيين الكبار، إضافة إلى حساسية تناول السلطة والنفوذ بشكل نقدي في تلك المرحلة، وهو ما دفع الرقابة أو الوسط الإعلامي للحدّ من بعض المقاطع المثيرة للخلاف، مما أثار ضغوطًا ومضايقات أدت إلى حذف مئات الصفحات لتهدئة هذا الجدل والنزاعات من جهة، ويجعل فتحي غانم روائي الصفحات المحذوفة بحق!
------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






