تنص المادة ٦٤ من الدستور المصرى على أن: حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون .
وفى خطاب للرئيس السيسى فى عيد الشرطة هذا الاسبوع قال: أن المواطن المصرى محترم أيا كانت عقيدته الدينية حتى لو لم يؤمن بعقيدة.
وهذا بالطبع يتوافق مع الجوهر العام لمادة الدستور (٦٤) التى تتحدث عن الحرية المطلقة لممارسة للعقيدة. هنا نقول إن كلام الرئيس يتوافق مع الجوهر العام حيث أن حرية العقيدة هذه قد اقتصرت على الأديان السماوية الثلاثة (المسيحية والإسلام واليهودية) فقط. أى أنه لا حرية لممارسة أى عقيدة خارج الأديان السماوية. فهل كلام الرئيس عن حرية المعتقد بعيدا عن الأديان السماوية يمكن أن تمارس؟ هنا أعتقد أن قناعات الرئيس الشخصية تؤكد قناعته بحرية العقيدة لكل مصرى أيا كانت هذه العقيدة. وهذا فكر يتوافق مع مفهوم الحرية ليس التى أعطاها الدستور لاصحاب الأديان السماوية فقط ولكن لكل شخص أيا كان معتقده. وهذا يعنى أن هذه المادة من الدستور لا تكفل الحرية المطلقة للعقيدة أيا كان مسمى تلك العقيدة!! أى أن الأمر يحتاج إلى تعديل دستورى أكثر تطورا. الشئ الاخر هل الأديان السماوية تتحدث عن تلك الحرية المطلقة للعقيدة؟ نعم الأديان السماوية تتحدث عن حرية العقيدة المطلقة. (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (من ليس لهم ناموس هم ناموس لأنفسهم). أذن فما هى الحكمة الإلهية لهذا؟
الله سبحانه وتعالى أوجد الإنسان حبا له، فأكرمه بنعمة العقل ومميزه عن سائر المخلوقات بل سخر له كل المخلوقات. فى نفس الوقت الذى ترك الله فيه الحرية المطلقة للإنسان أن يختار عقيدته التى يؤمن بها بكامل حريته، وذلك لسبب جوهرى أنه بدون هذه الحرية لا يجب أن يحاسب الإنسان على أعماله. فالحرية مقابل الحساب. والأهم أن الله هو الذى أراد هذه التعددية الدينية والعقيدية تأكيدا لحق الله وحده فى هذا الحساب دون غيره وبلا تفويض لأحد غيره بالقيام بهذا الدور. وذلك لحكمة أهم وأعظم وهى أن الله وحده هو فاحص القلوب والكلى والإنسان هو الوحيد الذى يعرف نفسه (فلا يعرف الانسان غير روح الإنسان الساكن فيه). ولذا فالإيمان الحقيقى هو علاقة بين الله وبين الإنسان لا يعلمها غير الله ولا يدركها غير الإنسان.
إذن فالأمر على ذلك بسيط. كل انسان مسؤول عن عمله وإيمانه، والله هو الذى سيحاسب الجميع. فلماذا يتدخل البشر فى شؤون العلاقة الخاصة بين الله وبين البشر؟ ومن الذى تم تفويضه فى هذا التدخل؟ هل المؤسسات الدينية جاءت لتأخذ هذا الدور وتتدخل فى هذه العلاقة الخاصة بين الله وبين الإنسان؟ لا يوجد فى الإسلام رجال دين بالصفة الكهنوتية. ولا يوجد وساطة بين الله وبين الإنسان. ولذا فالعلاقة مباشرة بين الله وبين الإنسان. كما أن المسيحية لم تحدد كنه المؤسسة (الكنيسة) فهناك فارق بين الكنيسة وهى جماعة المؤمنين وليس المؤسسة أو المبانى أو القوانين الموضوعة. فجماعة المؤمنين هى الكنيسة (إن أجتمع اثنان أو ثلاثة بإسمى أكون فى وسطهم).
هنا وجدنا تلك المؤسسات تؤكد وجودها فى القيام بدور الوساطة هذا، وكأنها الوصى على تلك العلاقة الخاصة بين الإنسان وبين الله. هنا كانت المؤسسة هى التى توجه وتراقب وتتابع وتفرض وصايتها حفاظا على مملكتها الخاصة. ولذا نجد ذلك الصراع بين المؤسسات ليس مؤسسات دين فى مواجهة دين، بل مؤسسات داخل الدين الواحد. هنا تكرس هذا الفكر الدينى الذى يمثل رؤى واجتهادات خاصة من تلك المؤسسات حفاظا على اتباع كل مؤسسة فى مواجهة الأخرى. فكانت الفرقة والتشرذم والوصايات والطائفية التى تغرق بين مواطن ومواطن آخر بسبب الدين.
هنا فى المقابل لابد من تفعيل وتحقيق المواطنة الحقيقية والصحيحة التى تتعامل مع المواطن المصرى على أرضية المواطنة، وليس على أى أرضية أخرى دينية أو غير دينية. هنا الفيصل هو القانون الذى يتعامل مع المواطن كمواطن مصرى فقط له كل الحقوق وعليه كل الواجبات. وهذا بالطبع ليس بالسهل. فهناك مؤسسات تحافظ على اتباعها فى مواجهة مؤسسات أخرى حفاظا على كيان المؤسسة.
هناك تاريخ موروث من الطائفية والممارسات الطائفية التى تفرق بين مواطن واخر على أرضية دينية. هناك لغة ومصطلحات طائفية موروثة تكرس الطائفية والفرقة (الأخوة الأقباط . شركاء الوطن . عنصر الأمة ...الخ) وهذا موروث يجب التخلص منه بأسلوب وخطاب لغوى مواطنى على أرضية المواطنة الواحدة. هذا دور كل المؤسسات الدينية بفكر دينى يقبل الآخر تأكيدا لحكمة الله فى التعددية الدينية.
دور التعليم المهم والأهم الذى يقوم بدور الانصهار المصرى الوطنى، بدلا من التربية الطائفية التى تفصل بين الطالب والطالب فى طابور الصباح وطوال اليوم الدراسى. دور الثقافة وقصور الثقافة . دور الإعلام خاصة الإعلام الدينى المسيحى والإسلامي. والأخطر تلك المعارك الحقيرة فى السوشيال ميديا التى تؤجج الطائفية وتكرس الفتنة مما يمثل تهديدا حقيقيا لسلامة الوطن وطن كل المصريين . هل نعى هذا ونحافظ على مصرنا حتى نستطيع مواجهة تلك الصراعات التى تستهدف سلامة الوطن؟
حفظ الله مصر وشعبها العظيم.
----------------------------
بقلم: جمال أسعد







