02 - 02 - 2026

هواتف المصريين وإتاوات الاستثمار .. بقرار حكومي

هواتف المصريين وإتاوات الاستثمار .. بقرار حكومي

يُطرح سؤال جوهري اليوم على طاولة الحكومة المصرية والبرلمان: هل الهدف من جذب شركات الهواتف العالمية هو "توطين الصناعة" حقاً، أم تحويل مصر إلى منصة "تجميع" تخدم هوامش أرباح الشركات الكبرى على حساب كرامة وجيب المواطن؟

إن الواقع الاقتصادي يكشف عن حقائق صادمة؛ فمصر تعد من أقل الدول في تكلفة الرواتب وتكاليف الإنتاج، حيث تقل التكلفة هنا عن بلد المنشأ في كوريا أو حتى الصين بنسبة لا تقل عن 50%. هذا الفارق الضخم في التكلفة كان يجب أن يترجم إلى سعر عادل للمستهلك المصري، لكن ما يحدث هو "منطق أعوج" بكل المقاييس؛ حيث يُباع الجهاز المُجمع محلياً بتكاليف زهيدة بسعر أغلى من سعره في بلد المنشأ وفي دول الخليج!

فخ المقارنة: لماذا نجح الآخرون وفشلنا نحن؟

لننظر إلى تجارب دول مثل فيتنام، تايلاند، الفلبين، وكمبوديا. هذه الدول تحولت إلى قلاع تصنيعية كبرى للشركات العالمية، فهل قامت هذه الدول بفرض ضرائب جائرة على مواطنيها القادمين من الخارج لحماية تلك الشركات؟ وهل سعر الأجهزة هناك يفوق سعرها العالمي؟

الإجابة هي: لا. هذه الدول اعتمدت على كفاءة الإنتاج والتصدير، ولم تجعل من مواطنها "رهينة" أو وسيلة لجمع "الإتاوات". إن ما يحدث في مصر تجاوز حدود الحماية الاقتصادية ليصبح عملية نهب ممنهجة فاقت حتى منطق "السرقة" المقنن؛ فلا يمكن قبول أن يدفع المواطن المصري ثمن استثمارٍ لا يعود عليه إلا بمنتج أغلى وخيارات أقل.

عقدة الخواجة والتهديد بالرحيل: "في ألف داهية"

خرج علينا أحد مقدمي البرامج ليروج لنغمة أن هذه الشركات "تهدد بالرحيل" عن السوق المصري إذا لم تُفرض هذه الرسوم الجمركية. والرد هنا يجب أن يكون حاسماً: "في ألف داهية".

إن كان استمرار وجود هذه الشركات مرهوناً بإذلال الشعب وفرض الإتاوات عليه وسلبه حقوقه في إدخال هاتف شخصي، فلا أهلاً بهذا الاستثمار ولا سهلاً. الاستثمار الذي يهدر الكرامة الوطنية ويقوم على نهب مدخرات المصريين بالخارج مقابل "تجميع" لا يضيف تكنولوجيا حقيقية هو استثمار طفيلى. لا يمكن أن تشتري الدولة رضا الشركات بكرامة مواطنيها.

رسالة إلى صانع القرار: غضبة الشعب لا تُقدّر بثمن

إن معالجة ملف "حماية الصناعة" يجب أن تتم عبر المقارنة مع أسواق مماثلة في ظروف التصنيع، وليس بمقارنتنا بأسواق الخليج أو أوروبا لنبرر ارتفاع الأسعار. الصانع الذي يستفيد من رخص العمالة والطاقة والأرض في مصر، ثم يبيع منتجه بسعر "استغلالي"، هو صانع لا يستحق البقاء.

يجب على الدولة أن تدرك أن الضغط قد وصل إلى مداه، فالمصريون الذين يتحملون الكثير من أجل وطنهم، لن يقبلوا أن يكونوا لقمة سائغة لشركات تبحث عن أرباح خيالية تحت عباءة "السيادة الوطنية". عندما يغضب الشعب من الظلم والاستغلال الواضح، لا يمكن لأحد أن يتوقع النتيجة.

الكرامة قبل الاستثمار، وحماية الشعب قبل حماية أرباح الشركات.
---------------------------
بقلم: عز الدين الهواري


مقالات اخرى للكاتب

​عواصم الطين وجزيرة الشيطان: سقوط