29 - 01 - 2026

الرسم على الماء يغسل أوجاع الروح فوق صفحة الماء

الرسم على الماء يغسل أوجاع الروح فوق صفحة الماء

هل سئمتم الرسم على الورق الجامد؟ تعالوا نكسر الروتين ونطلق لخيالنا العنان فوق صفحة الماء! في عالم "الإيبرو" الساحر، كل قطرة لون هي بداية لمغامرة، وكل لمسة ريشة ترسم دهشة. تعالوا بنا نغوص في بحر الإبداع، ونغسل ارواحنا المتعبة، ونرى كيف تتراقص الألوان لتصنع أجمل اللوحات العفوية، ونجعل من "عدم السيطرة" متعة لا تنسى.

تتسارع خطى الحياة.. ترهقنا الأحداث السياسية والاقتصادية المتلاحقة نحتاج إلى "ملاذ سائل" يعيد ترتيب فوضانا الداخلية. لم يكن فن "الإيبرو" أو الرسم على الماء، يوما مجرد زخرفة شرقية عتيقة، بل هو في جوهره عملية "تطهر بصري" ومواجهة حية مع الذات.

تبدأ القصة بقطرة لون تسقط فوق سطح ماء كثيف، لا لتستقر، بل لتبدأ رحلة من التمدد والتحول تشبه تماما تقلبات النفس البشرية. هنا، في هذا الحوض الصغير، يتخلى الفنان عن هوس السيطرة، ويترك لسيولة الماء وإرادة الألوان مهمة صياغة المشهد. هذا "التخلي" هو المبتدأ في رحلة العلاج بالفن؛ حيث يتعلم الممارس أن القلق، تماما كبقعة حبر عشوائية، يمكن بلمسة رقيقة من "إبرة الرسم" أن يتحول إلى زهرة توليب باسقة أو غيمة عابرة.

إن العلاج بـ "الإيبرو" ليس مجرد محاولة لرسم لوحة جميلة، بل هو تمرين على "اليقظة الذهنية" في أقصى تجلياتها. فبينما يراقب المرء اهتزاز اللون مع أنفاسه، يجد نفسه وقد انفصل عن ضجيج الماضي ومخاوف المستقبل، ليتحد مع اللحظة الآنية.. لحظة يغسل فيها الماء هموم الروح، ويحول الصرخات المكتومة إلى إيقاعات بصرية تمنح القلب سكينة لم يعهدها من قبل

يعتمد الإيبرو على لحظة آنية لا تقبل التأجيل؛ فالألوان تسبح فوق سطح الماء المتذبذب، وأي حركة غير محسوبة (حتى التنفس القوي) تغير مسار اللوحة. هذا يجبر المريض أو الفنان على الانغماس التام في اللحظة الحالية، مما يساعد في تقليل القلق المفرط بشأن المستقبل.

إيقاف "الاجترار الفكري" (التفكير المستمر في آلام الماضي)، وتفريغ الشحنات الانفعالية.

الألوان في الإيبرو تعتمد على مواد طبيعية (أكاسيد معدنية) تنثر فوق ماء كثيف. عملية "نثر" اللون وفرشه بأدوات تشبه الإبر أو الفرش المصنوعة من ذيل الحصان تسمح للممارس بتفريغ طاقته الحركية والانفعالية بشكل انسيابي غير مقيد، مما يحول الصراعات الداخلية إلى أشكال بصرية جمالية.

من أكثر النقاط إثارة في الإيبرو هي أن الفنان لا يملك السيطرة الكاملة على النتيجة. الماء له إرادته، والألوان تتفاعل كيميائياً وفيزيائياً بشكل تلقائي.

يساعد الرسم على الماء علاج الشخصيات التي تعاني من "هوس السيطرة" أو الذين يخشون المفاجآت، حيث يتعلمون من خلال الماء أن هناك جمالاً ينبع من "العشوائية المنظمة" ومن التخلي عن الرغبة في التحكم المطلق.

وقد أثبتت الدراسات أن مراقبة حركة الألوان الهادئة فوق سطح الماء الساكن تعمل على: خفض ضربات القلب، وتنظيم التنفس (لأن ممارس الإيبرو يحتاج للتحكم في أنفاسه لكي لا يهتز الماء)، وتحفيز حالة من الاسترخاء تشبه "التأمل العميق".

في العلاج النفسي، يرمز الماء إلى العقل الباطن أو السيولة العاطفية. قدرة الشخص على تغيير شكل "البقعة" اللونية وتحويلها إلى زهرة أو غيمة تعطي شعوراً بالقدرة على تغيير الذات وإعادة صياغة المشاكل المعقدة إلى حلول بسيطة وجميلة.

فن "الإيبرو" (Ebru)، أو الرسم على الماء، ليس مجرد تقنية فنية لزخرفة الورق، بل هو تجربة شعورية وروحية عميقة جعلته واحداً من أهم الأدوات في مجال العلاج بالفن (Art Therapy). فهو يساعد في تفريغ المشاعر السلبية، وتحقيق الهدوء النفسي، والتأمل الحركي. يوفر هذا الفن مساحة آمنة للتعبير غير اللفظي، ويسهم في تحسين المزاج وتخفيف القلق من خلال الانسيابية والقدرة على إعادة تشكيل الألوان. ويساعد هذا الفن على تفريغ المشاعر السلبية، وتحويل الطاقات السلبية والتوتر إلى فن مرئي.

أيضا. يعمل كنوع من التأمل الحركي الذي يجلب الصفاء الذهني، ويتيح فرصة ابتكار شيء فريد وجميل، مما يرفع الثقة بالنفس، خاصة للأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، وكل من يقدم على اللعب بالرسم على الماء.

وفن الإيبرو طريقته سهلة جدا ولا يحتاج الا حوض به ماء. ممكن استخدام صاج الكعك المستطيل، ويتم تكثيف الماء للحصول على أفضل نتائج، وتستخدم فرش خاصة لرش الألوان التي تطفو فوق السطح. ثم يتم تحريك الألوان باستخدام إبر خاصة، مما يمثل تفريغاً عاطفياً. بعد ذلك توضع ورقة فوق السطح لتشرب الألوان وتثبت الشكل النهائي.

ويقيم الفنان محمد عبلة ورشة بعنوان "الرسم على الماء"، وذلك يوم الثلاثاء 3 فبراير بحديقة ضى الزمالك مع افتتاح معرضه. يستعرض فيها تجربة فنية ملهمة تبرز تمازج الألوان وحركتها الانسيابية، ليعكس رؤية بصرية فريدة تدمج بين خيال الفنان وسحر الطبيعة.
-----------------------------------
بقلم: د. سامى البلشي