02 - 02 - 2026

الرئيس ترامب ونظرية الشخصانية في العلاقات الدولية

الرئيس ترامب ونظرية الشخصانية في العلاقات الدولية

الرئيس ترامب ظاهرة لا تتكرر، والسبب أنه يحكم أكبر دولة في العالم وجاء من خارج المؤسسات، ولذلك يصطدم مع كل مؤسسات الدولة، وجعل البيت الأبيض هو الموجه لكل هذه المؤسسات، وورط الولايات المتحدة في أزمات حادة.

والمعروف ان الطابع الشخصي للرئيس لا يؤثر على مجال العلاقات الخارجية للدولة، وقد بدأت هذه النظرية في الثبات والاتساع عقب الحرب العالمية الثانية؛ لأن الباحثين نظروا لهتلر باعتباره نظرية فريدة لا تتكرر وأنها انتهت بهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ولذلك تنظر الولايات المتحدة لألمانيا مثل نظرتها إلى مصر، تؤثر ألمانيا على كل أوروبا؛ ومصر تؤثر على المنطقة بأسرها، ولذلك صممت الولايات المتحدة سياساتها لألمانيا على أساس الاحتلال والمتابعة الدقيقة خشية أن يظهر فيها هتلر جديد، وكذلك مصر، تحرص الولايات المتحدة على العلاقات بين مصر وإسرائيل.

 في الأزمة الحالية التي تعتور هذه العلاقات تراقبها الولايات المتحدة ولا يمكن أن تسمح بالاحتكاك العسكري بين مصر وإسرائيل. إنما قدم الرئيس ترامب للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خطة تسوية أزمة السد مع إثيوبيا مقابل تخفيف مصر قبضتها على القرن الإفريقي والتساهل مع إسرائيل فيما يتعلق بالصومال..

والرئيس ترامب صبغ العلاقات الدولية بالصبغة الشخصية فكأنه حيد أجهزة الدولة الأمريكية مقابل إطلاق يده في تطبيق معتقداته ورائده في ذلك المصلحة الأمريكية كما يراها، لا كما تراها المؤسسات المستقرة في دولة ديمقراطية..

ولا شك أن الرئيس ترامب قبل أن ينتهك القانون الدولي ينتهك الدستور الأمريكي، ويشعر بحرية كاملة في توريط بلاده في انتهاكات القانون الدولي..

ونأمل ألا يصبح هذا المنهج سائدا في العلاقات الدولية، لأن الهدف من النظرية القديمة هي استقرار العلاقات الدولية وفقا لمصالح الدول لا وفقا لرغبات الحاكم..

ومعنى ذلك أن الرئيس ترامب بسلوكه الشخصي الذي يحمل الحكومة الأمريكية المسؤولية؛ يجب على مؤسسات الدولة الأمريكية أن توقفه عند المصالح الأمريكية كما تراها هي لا كما يراها هو.

ولا شك أن المخاطر الكامنة في تصرفات الرئيس ترامب يخشى أن تنتشر في العالم بأسره، ذلك أنه مصمم على مهاجمة إيران وشيطنتها، ولم يكتف بعزلها، أنما يريد أن يقضي عليها أو كما يقول في تصريحاته أن يمحوها من الوجود، ولذلك أقدم على مقدمات هذا الهوس الأمريكي، وهو تحريض المتظاهرين وإمدادهم بالأجهزة التي يستخدمونها عوضا عن النت الذي قطعته السلطات الإيرانية، وهذا سهل على السلطات الإيرانية أن تقبض عليهم وأن تستخدم القوة بلا رحمة في قمعهم، وقد سبق وأن كتبنا عن المسائل القانونية المرتبطة بالجدل الإيراني الأمريكي حول المتظاهرين.

والأصل أن المواطن له الحق الذي يحميه القانون الدولي في احتجاجه على حكومته، لكن بشروط ثلاثة؛ الأول أن يكون ممارسة سلمية لحق من الحقوق الدستورية، والثاني ألا يستخدم هذا الحق لتنفيذ أهداف الخارج أو دولة أجنبية معادية لإيران، والشرط الثالث أن تكون ممارسة هذا الحق مستوفية لشروط القانون الإيراني، وبذلك يتأكد أن حقوق الإنسان دولية أساسا وليس صحيحا أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم من الشؤون الداخلية للدولة.

فلماذا وصفت ايران ما تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل من تحريض المتظاهرين بالتدخل في الشؤون الداخلية للدولة الإيرانية، تقصد إيران أن تدخل إسرائيل وأمريكا في تحريض المتظاهرين والادعاء بحمايتهم يخفي خلفه هدفا معاديا لإيران، وهو أن تأمل أمريكا وإسرائيل أن يقوم المتظاهرون العملاء بتغيير نظام الحكم في إيران وأن يقيموا حكما يتفق مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية كما كان في عهد الشاه، 

ولذلك من حق الحكومة الإيرانية أن تدافع عن شعبها وفي نفس الوقت تتأكد من أن المواطن يمارس حقه في الاحتجاج السلمي دون أن يكون أداة للخارج الإسرائيلي والأمريكي.

ولذلك صرح النائب العام الإيراني بأنه سوف يوقف أحكام الإعدام الفورية للعملاء عن طريق وزارة الداخلية، والأمن، وسوف يقدمون لمحاكمة عادلة، وسوف يطبق القانون الإيراني عليهم، وهذا لا يرضي أمريكا وإسرائيل، إنما تتذرع أمريكا بحقوق الإنسان الإيراني والدفاع عنه للهجوم على إيران بقصد ضرب النظام المعادي لها في طهران .

 قضية أخرى ورط ترامب بلاده فيها هي قضية جرينلاند التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك النااتو وتفكك العلاقات الأوروبية الأمريكية، لولا أن أوربا تخشى روسيا والقوة الروسية وتحتمي بالولايات المتحدة، 

وإذا بقيت أوروبا رهينة الصراع الروسي الأمريكي سوف تعاني طويلا، ولذلك ارتفعت أصوات من فرنسا وألمانيا تطالب بأن تكون لأوروبا قوة مستقلة تدافع بها عن المصالح الأوروبية، ويبدو أن ترامب ذي العقلية التي تجيد الصفقات سوف يتوصل إلى صفقة حول جرينلاند، ولكن هذه الصفقة لن تعيد العلاقات الأووربية الأمريكية إلى سابق عهدها، وسوف تفت في عضد الناتو وتضعفه في مواجهة روسيا والصين، 

وعداء ترامب لطهران له سببان؛ السبب الأول أن الثورة الإسلامية في إيران ضربت المصالح الأمريكية في المنطقة، خاصة أن أمريكا فشلت في كل الطرق لإصلاق سراح رهائنها الدبلوماسيين المختطفين في طهران عن طريق الحرس الثوري الإيراني منذ 12 فبراير 1979، 

وترجع المشكلة إلى أن الثورة الإسلامية في إيران تريد أن تعيد فارس إلى الصدارة، وتعتقد بأن إيران دولة أساسية في المنطقة.

السبب الثاني هو انحياز ترامب الأعمى لإسرائيل لدرجة أنه أحرص من نتنياهو نفسه على إسرائيل، ولما كانت طهران هددت إسرائيل بالصواريخ الروسية والأسلحة الروسية الحديثة، ويمكن أن تزيلها من الوجود، فقد ناشد نتنياهو الرئيس ترامب أن يلغي  أو يؤجل الضربة لإيران ويعتقد على نطاق واسع أن الحكومة الإيرانية توصلت إلى تطوير السلاح النووي، وفي هذه الحالة سوف ترد إيران بشكل انتحاري على الضربة الأمريكية مستخدمة السلاح النووي ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة.

وهكذا نرى أن ترامب أعاد مرة أخرى العلاقات الدولية عقودا إلى الوراء ويريد أن يغير النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية منتهزا فرصة أن الصين وروسيا تريدان إقامة نظام دولي جديد أكثر عدلا وأكثر توازنا، ولكن يقوم على احترام القانون الدولي، ولا يمكن أن يضحي برصيد الإنسانية والمجتمع الدولي الذي عانى طويلا لاستقرار قواعد القانون الدولي.

ونأمل أن يتم تغيير النظام الدولي وأن يشارك في هذا التغيير دول مثل مصر وجنوب إفريقيا، لأن تغيير النظام الدولي عن طريق الكبار سوف ينشئ نظاما دوليا جديدا لصالحهم، ونحذر مرة أخرى أن النظام الدولي القديم بسبب تصرفات ترامب قد انهار ويوجد سيولة في العلاقات الدولية في الوقت الراهن، لا النظام القديم قد بقي والنظام الجديد قد نشأ ليحل محله.. -----------------------------------------
بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

مقالات اخرى للكاتب

الرئيس ترامب ونظرية الشخصانية في العلاقات الدولية