- خالد منصور: عمل يعيد التفكير في مفهوم الرواية التاريخية
- منصورة عز الدين: تتكئ على التاريخ لتقدم عالمًا أدبيًا وإنسانيًا
- سيد محمود: تشبه «الزيني بركات» بمعالجة مختلفة
استضافت قاعة ملتقى الإبداع، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة لمناقشة رواية «جنون مصري قديم»، للروائي طلال فيصل، بمشاركة الشاعر والكاتب الصحفي سيد محمود، والروائية منصورة عز الدين، وبإدارة الإعلامي خالد منصور.
في مستهل الندوة، قال الإعلامي خالد منصور إن معرض القاهرة الدولي للكتاب بات أشبه بمهرجان ثقافي كبير يجمع الكُتاب والقراء والمهتمين بالشأن الثقافي، معربًا عن سعادته بمناقشة رواية طلال فيصل الجديدة، بعد مسيرة روائية ممتدة.
وأضاف «منصور» أن الرواية تطرح العديد من الأسئلة في إطار تاريخي، وتسهم في إعادة التفكير في مفهوم الرواية التاريخية وحدود تصنيفها، من خلال ما تقدمه من سلوكيات وشخصيات ونشاطات إنسانية تتجاوز القالب التقليدي.
من جانبه، قال الروائي طلال فيصل إنه حضر الندوة وهو يشعر بالارتياح، لعلمه أنه سيكون وسط أصدقاء تجمعه بهم المحبة والاحترام المتبادل، مؤكدًا أن هذه الروح الإنسانية تمثل له قيمة أساسية في أي نقاش حول الفن.
وأضاف «فيصل» أنه أعاد قراءة الرواية أكثر من مرة، وفي فترات صعبة، وكان يشعر بأن الكتابة تمثل نوعًا من الخروج أو الخلاص، وأن العمل كُتب في لحظة احتياج داخلي عميق.
وتوقف خالد منصور عند مسألة التصنيف، معتبرًا أن العقل النقدي يميل دائمًا إلى تصنيف الكتابة والرواية، متسائلًا عما إذا كانت «جنون مصري قديم» تُعد رواية تاريخية بالمعنى الشائع، ووجه سؤاله في هذا السياق إلى الروائية منصورة عز الدين.
وقالت الروائية منصورة عز الدين إنها قرأت معظم أعمال طلال فيصل، باستثناء روايته الأولى، وقرأت «جنون مصري قديم» مرتين، الأولى خلال رحلة لها إلى الصين، حيث انغمست تمامًا في عالم الرواية، لما تحمله من معرفة أدبية وذائقة فنية، ولمس واضح لقيم الحب والعمل وبناء عالم الفن.
وأكدت أنها ضد التصنيف الأدبي، معتبرة أن الرواية الذكية تسبق التصنيفات، وأن «جنون مصري قديم» تقدم ما هو أبعد من التاريخ، إذ تكشف عن السلطة بوصفها قوة مهلكة لا تدمر فقط من تقع عليهم، بل أيضًا من يمارسونها.
وأضافت: «رغم كتابتي لروايات ذات خلفيات تاريخية، لا أميل إلى الرواية التاريخية الجافة التي لا تقدم جديدًا»، مشيرة إلى أن رواية طلال فيصل تتكئ على التاريخ لتقدم عالمًا أدبيًا وإنسانيًا، يطرح أسئلة تدفع القارئ إلى النظر إلى العالم بعين جديدة وأكثر تفهمًا.
وواصلت: «الرواية تشتبك مع أفكار السلطة والمراقبة، على نحو يذكر بأعمال مثل (الزيني بركات) لجمال الغيطاني، لكنها في الوقت ذاته تقدم معالجة خاصة بها»، معتبرة أن «كل قصة داخل الرواية لها جمهورها الخاص، والشخصيات تظهر كأنها قشور عائمة على بحر من الجنون، حيث يحمل كل فرد شكلًا من أشكال الجنون، مثل الطفل الذي يخفي طعامه خوفًا من الجوع».
ورأت أن «كل شخصية يمكن فهمها من خلال مأزقها الإنساني الخاص»، مضيفة: «الرواية تطرح فكرة أننا كبشر لسنا أحرارًا تمامًا، وأننا جميعًا أسرى مآزقنا، كأبطال تراجيديين يقود كل منهم نفسه إلى خطأ ينتهي به إلى مصير محتوم».
وتحدثت منصورة عز الدين عن تقمص طلال فيصل للغة المؤرخ، واختياره نبرة هادئة ومحايدة تشبه لغة الطبيب النفسي، وهو ما يمنح الرواية عمقًا إضافيًا، مشيدة بالمقارنات بين المؤرخين القدماء، وبانحياز الكاتب للهوامش والبسطاء.
وقالت أيضًا إن الرواية مُركبة دون أن تكون معقدة، ويمكن قراءتها أكثر من مرة، وفي كل قراءة تكشف تفاصيل ورؤى جديدة، وتقدم تصورًا مختلفًا للتاريخ وصراعاته، وتحول شخصيات واقعية إلى تراجيديات إنسانية عن الجنون والسلطة والمجتمع.
بدوره، قال الكاتب سيد محمود إنه درس تاريخ العصور الوسطى والتاريخ الإسلامي، مشيرًا إلى أن العودة إلى المصادر التاريخية تمثل في كثير من الأحيان ملاذًا للكاتب.
ورأى أن طلال فيصل نجح في خلق مسافة فنية بين النص الروائي والمصادر التاريخية، على غرار ما فعله جمال الغيطاني في «الزيني بركات»، لكنه في الوقت ذاته قدم معالجة مختلفة، من خلال توظيف «الفانتازيا» التاريخية، وبناء اتفاق ذكي مع القارئ يجعله يصدق العالم المتخيَّل.
وأضاف «محمود»: «الكاتب اختار لحظات تاريخية ذات ذروة درامية، مثل حكايات شارع المعز وجامع المؤيد شيخ، وباع للقارئ فانتازيا مقنعة تستند إلى مصادر تاريخية»، معتبرًا أن الرواية تحقق شرط المتعة إلى جانب العمق، وتعيد توظيف التاريخ بوصفه أداة للفهم والإمتاع، وليس مجرد سرد للأحداث.
ورأى أن رواية «جنون مصري قديم» تمثل أكثر روايات طلال فيصل تمكنًا فنيًا، من حيث بناء الشخصيات، وتأسيس عالم سردي مليء بالصراعات النفسية، مضيفًا: «الكاتب استفاد من خلفيته كطبيب نفسي في فهم الضعف الإنساني، وكيف تتحول السلطة والخوف والجوع إلى محركات للسلوك».
وواصل: «الرواية تقدم قراءة مختلفة لشخصيات مثل السلطان برسباي، والمؤيد شيخ، وتكشف هشاشتهم الداخلية، رغم مظاهر القوة والسلطة، وهي أيضًا تضع الشخصيات في مواضعها الصحيحة، وتقدم رواية ممتعة ومليئة بالتوتر والرعب الإنساني، دون أن تقع في المباشرة أو الوعظ، وتحقق توازنًا نادرًا بين المتعة الفكرية والبناء الفني».
وكشف طلال فيصل أنه يعمل في روايته الجديدة على الكتابة عن مصر و«إيجيبت» بوصفهما صورتين متداخلتين للبلاد، مصر بوصفها الواقع الاجتماعي والثقافي المعاش، و«إيجيبت» كتمثيل ذهني وصورة ذهنية مشوهة أو مُصدرة عن المجتمع.
وأوضح أن الرواية الجديدة تتناول التصورات المرتبكة عن الحياة والهوية، وكيف تُقزم هذه الصور الإنسان داخل المجتمع، خاصة في ما يتعلق بالجسد والحياة الجنسية، وذلك في إطار معاصر يشتبك مع أسئلة اللحظة الراهنة عام 2024.
وفي ختام الندوة، قالت منصورة عز الدين إن طلال فيصل قدم في الرواية ما يشبه الألبوم الكامل للشخصيات، حيث منح كل شخصية سيرة غيرية واضحة، مؤكدة أن أكثر الشخصيات التي تعاطفت معها كانت الأطفال الذين ماتوا في الطاعون، لما تحمله هذه الحكايات من قسوة وإنسانية، مشيرة إلى أن الرواية تمتلك قدرة استباقية عالية تلمح لما سيحدث لاحقًا، وهو ما يعكس مهارة واضحة في البناء السردي.






