في إطار محور «تجارب ثقافية» ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، عُقدت ندوة بعنوان «المسؤولية المجتمعية والدور الحكومي لحق إتاحة المحتوى لذوي الهمم»، لتفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية في صناعة النشر المعاصرة، وهو حق الوصول العادل للمعرفة دون تمييز.
شارك في الندوة خوسيه بورغينو، الأمين العام للاتحاد الدولي للناشرين (فرنسا)، والدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، وأدارها أحمد رشاد، عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين وعضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للناشرين.
في مستهل الجلسة، أشار أحمد رشاد إلى وجود قصور واضح في ملف إتاحة المحتوى لذوي الهمم، ليس على مستوى مصر فقط، بل في العالم العربي بشكل عام، معتبرًا أن هذا الملف لم يعد رفاهية ثقافية، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدول والمؤسسات بحقوق الإنسان والمعرفة.
وانطلقت الجلسة بسؤال موجَّه إلى الدكتور هشام عزمي حول الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة، من خلال أجهزتها المعنية، في ضمان وصول ذوي الإعاقة إلى المحتوى الثقافي والمعرفي، مع الحفاظ على منظومة الملكية الفكرية.
وفي رده، شدد الدكتور هشام عزمي على أن ملف إتاحة المحتوى لذوي الهمم يمثل جزءًا أصيلًا من السياسات العامة، وليس مسألة هامشية، مؤكدًا أن الجهاز المصري للملكية الفكرية، في عامه الأول، يضع هذا الملف ضمن أولوياته.
وأوضح أن حماية حقوق الملكية الفكرية لا تتعارض مع إتاحة المحتوى، بل يمكن أن تكون أداة تنظيم تضمن وصول المعرفة بآليات قانونية وعادلة، مشيرًا إلى أهمية التنسيق بين الجهات الحكومية، والناشرين، والمؤسسات الثقافية، لتحقيق هذا التوازن.
وانتقل النقاش إلى البعد الدولي، حيث وجَّه أحمد رشاد سؤالًا إلى خوسيه بورغينو، الأمين العام للاتحاد الدولي للناشرين، حول رؤيته لإتاحة المحتوى، خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة.
وأكد بورغينو أن مسألة إتاحة المحتوى، في كثير من جوانبها، قضية تقنية بالأساس، وليست مرتبطة بشكل مباشر بحقوق النشر، موضحًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير الوسائط والأشكال التي تجعل النصوص أكثر قابلية للوصول، بحسب نوع الإعاقة.
وأضاف أن الناشرين، على المستوى الدولي، لديهم استعداد دائم للتعاون وتقديم الدعم، لكن الحلول العملية غالبًا ما تعتمد على التكنولوجيا والابتكار في طرق عرض المحتوى، أكثر من اعتمادها على التعديلات القانونية وحدها.
وشهدت الجلسة لحظة إنسانية مؤثرة، حين طرح إبراهيم، خريج قسم الصحافة وصاحب إعاقة حركية، سؤالًا مباشرًا حول كيفية تجاوز الإعاقة للقيود المفروضة، وتحويلها إلى مساحة لتحقيق الأحلام والطموحات.
وجاء رد بورغينو مؤكدًا أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لا يرتبط فقط بالنشر أو حقوق الطبع، بل بقدرة المجتمع على تسخير التكنولوجيا لتجاوز الحواجز، وتحويل النصوص والمعرفة إلى أدوات شاملة لا تستبعد أحدًا.
واختُتمت الندوة بتأكيد أن إتاحة المحتوى لذوي الهمم لم تعد خيارًا أو مبادرة تطوعية، بل التزامًا أخلاقيًا ومجتمعيًا، يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومات، والناشرين، والاتحادات المهنية، وخبراء التكنولوجيا.
وكشفت الجلسة بوضوح أن الطريق ما زال طويلًا، لكن الاعتراف بالقصور، وفتح النقاش بين المحلي والدولي، يمثل خطوة أساسية نحو صناعة نشر أكثر عدالة، تجعل المعرفة حقًا مكفولًا للجميع دون استثناء.






