26 - 01 - 2026

حول (البوسطجية اشتكوا..)

حول (البوسطجية اشتكوا..)

أرسل الصديق أحمد أبو اليزيد، المخرج التليفزيوني الكبير، تعقيبًا على مقال (البوسطجية اشتكوا..)، جاء فيه أن الأغنية حققت شهرة كبيرة في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، حتى إذا ما قامت ثورة يوليو، رأى القائمون على الإذاعة منعها، خشية أن يظن الرئيس جمال عبد الناصر أن هناك تلميحًا إلى والده، الذي كان يعمل بمكتب بريد باكوس بالإسكندرية.

وبعد حرب السويس عام 1956، كانت الإذاعتان البريطانية والإسرائيلية تذيعان الأغنية كيدًا في الرئيس، وكذلك حذت الإذاعة العراقية حذوهما في فترة الخلاف بين الدولتين نهاية الخمسينيات، وعندما علم ناصر بالأمر ضحك ساخرًا، وأمر بإذاعة الأغنية يوميًا.

ولهذه القصة دلالتان، الأولى إقدام بعض الدوائر القريبة من كبار المسؤولين على اتخاذ قرارات باسمهم ومن دون علمهم. ويذكّرني ذلك بما رواه الدكتور حسام بدراوي، أستاذ النساء والتوليد بكلية الطب – جامعة القاهرة، وأحد أبرز الشخصيات العامة في بودكاست حديث، من اعتراض الوزراء صفوت الشريف (1933–2021) وكمال الشاذلي (1934–2010) على ترشحه لرئاسة لجنة التعليم في البرلمان، بحجة أن الرئيس مبارك غير موافق. فما كان من بدراوي إلا أن أعلن تمسكه بالترشح، مؤكدًا أن بإمكانهم إسقاطه عبر نواب الحزب الوطني. وبعد فترة عادوا إليه ليخبروه بموافقة الرئيس على ترشحه لرئاسة لجنة الصحة، فكرر رفضه وأصرّ على ترشحه لرئاسة لجنة التعليم، وبالفعل انتخب وفاز بها. وحين التقى الرئيس مبارك لاحقًا، اكتشف أن الأخير لم يكن على علم بالقصة من أساسها. ولا شك أن أمثال هذه الوقائع كثيرة وعلى مستويات متعددة.

أما الدلالة الثانية، فهي أن والد الزعيم عبد الناصر كان موظفًا شريفًا، يتشابه مع ملايين غيره من أبناء الوطن، حرصوا -ولا يزالون- على تربية أبنائهم وتنشئتهم وتعليمهم كأفضل ما تكون مثل هذه الأمور، من ثم لم يكن لدى عبد الناصر ما يجعله يخجل من والده.

يذكرني ذلك بعلي باشا مبارك (1823–1893) أحد رواد النهضة الحديثة في مصر، ويُلقّب بـأبي التعليم لدوره الكبير في تنظيم التعليم وتطويره، وتأسيس مؤسسات علمية مهمة مثل دار العلوم ودار الكتب، وترك مؤلفات بارزة في التاريخ والعمران، وتولى العديد من المناصب الوزارية، عندما زاره والده في مكتبه، وكان رجلاً ريفيًا رقيق الحال، أمسك علي بذراع والده ومر على مكاتب الموظفين بالوزارة يقدمهم له بمقولته الشهيرة "هذا أبي". 

علي مبارك الذي ترك قريته، برمبال، التابعة لمركز مدينة النصر، بمحافظة الدقهلية، طفلاً وعاد إليها شابًا يطرق باب بيتهم، فيأتيه صوت والدته الواهن يسأل عن الطارق، فيجيبها بالفرنسية مداعبًا، وعندما تبدي انزعاجها يخبرها بحقيقته، فتفتح الباب لتجد شابًا يافعًا يرتدي زي ضابط وقد زينت صدره نياشين التكريم والتفوق، فيرتمي في أحضانها.

وهو ذاته علي باشا الذي دخل عليه سكرتيره يومًا يخبره بأن شابًا بالباب يدّعي أنه ابنه. فتعجب وأذن له بالدخول، فدخل شاب وسيم أنيق وسلم عليه، فسأله الباشا: "كيف تدّعي أنك ابني وليس لي أولاد؟"، فأجابه بثقة: "حضرتك ناظر (وزير) المعارف العمومية، وبحكم هذا المنصب فأنت أب لكل الطلاب، وأنا طالب بالجامعة"، فابتسم علي باشا واستحسن رده، وسأله عن اسمه، فأجاب: مصطفى كامل، الذي صار لاحقًا أحد رموز الوطنية المصرية.

بالعودة للمقال، تساءل قارئ آخر، وماذا عن نجاح سلام وأغنيتها الشهيرة (عايز جواباتك)، تأليف الرائع حسين السيد، وألحان فليمون وهبه، وهي أحد أجمل أغانيها، وما زالت تتردد حتى الآن رغم مضي نحو سبعة عقود على غنائها، تقول فيها:

(عايز جوباتك

يعنى افترقنا خلاص

عايز ايامك

يعنى انتهينا خلاص

طويت صحايف عمرى معاك وبايدى لميتهم...)

وقد كنت كلما سمعت هذه الأغنية تساءلت، وماذا عن جواباتها؟. أقامت الدنيا وأقعدتها لأنه طلب خطاباته بعد ما انتهت علاقتهما، أو هكذا قرر كما نفهم من سياق الأغنية، بينما ترى هي أن هذه الخطابات ليست مجرد حبر على ورق، بل هي روح، ومشاعر، وذكريات ما زالت دافئة، ولهذا تخبره:

(لا.. دول من حقي مش هبعتهوملك

لا.. دول حتة منى روح انت لوحدك

دول أجمل حاجة انكتب لى فى عمري

دول عمري امبارح وكمالة عمري

ح أقراهم تاني

يا ح قابلك فيهم

يا فضلت أحبك

يا كرهتك فيهم..)

ومع كل ما في الأغنية من شجن وكلمات رقيقة معبرة، مع صوت ملائكي، لم تسأل نجاح سلام حبيبها المزعوم عن خطاباتها التي أرسلتها إليه، وماذا فعل بها؟، أو تطالب بها.. ربما تركتها لتكون مثل شعرة معاوية، (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

على الجانب الآخر، فقد جابت فيروز بوجهها الصارم من الآخر، كما نقول في مصر، حين غنت من كلمات الأخوين رحباني وألحان فليمون وهبه:

(كتبنا وما كاتبنا ويا خسارة ما كتبنا 

 كتبنا مية مكتوب ولهلق (لدلوقتي) ما جاوبنا

 كنا نبعتله مكتوب  يبعت مكتوبين

 شو قالوا لك يا محبوب مغير من شهرين ..)

وعلى رأي المثل.. "خلي الكتابة تنفعك!"
---------------------------------
بقلم: د. م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

حول (البوسطجية اشتكوا..)