26 - 01 - 2026

من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد الديون: كيف اختل المسار التنموي في مصر؟

من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد الديون: كيف اختل المسار التنموي في مصر؟

في المقال السابق، تناولنا الاقتراض من منظور الأمن القومي وضرورات الاستقرار، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: لماذا لم تتمكن مصر، رغم حجم الاقتراض الكبير والاستثمارات العامة الضخمة، من بناء اقتصاد إنتاجي قادر على توليد فوائض مالية تسدد الدين وتحد من الاعتماد عليه؟

تكمن الإجابة في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، الذي انزلق تدريجيًا من اقتصاد يسعى للإنتاج إلى اقتصاد ريعي، ثم إلى اقتصاد يعتمد على الديون.

الاقتصاد الريعي: تعريفه وإشكالياته

الاقتصاد الريعي هو الاقتصاد الذي يعتمد على موارد لا تتطلب إنتاجًا مستدامًا، أو على تدفقات مالية غير مرتبطة مباشرة بالإنتاجية. يوفر هذا النموذج إيرادات سهلة نسبيًا مقارنة بالصناعة أو الزراعة، لكنه لا يخلق قاعدة صلبة للنمو طويل الأجل.

أبرز مظاهر الريع في مصر:

على الرغم من دعم هذه الموارد للاقتصاد، إلا أنها لم تُشكل قاعدة إنتاجية صلبة أو توفر فرص عمل مستدامة.

من الريع إلى الدين: مسار التحول

مع تزايد الضغوط السكانية وارتفاع فاتورة الاستيراد، وتآكل القيمة الحقيقية للإيرادات الريعية بفعل الأزمات العالمية، أصبحت هذه الموارد غير كافية لتمويل الموازنة العامة والإنفاق الاجتماعي ومتطلبات الأمن القومي والاستثمارات العامة الضخمة. وفي غياب نمو إنتاجي حقيقي، أصبح الاقتراض هو الريع الجديد، حيث استخدم الدين لسد فجوة التمويل، وتغطية العجز، وتأجيل مواجهة الخلل الهيكلي ومع مرور الوقت، لم يعد الدين وسيلة استثنائية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من نموذج الإدارة الاقتصادية.

الاستثمار العام: الأرض مهيأة لكن الزراعة غائبة

شهدت مصر خلال العقدين الماضيين ضخ استثمارات عامة ضخمة في البنية التحتية، شملت الطرق والكباري، والمدن الجديدة، والمشروعات القومية الكبرى مثل محطة بنها للطاقة الجديدة، العلمين الجديدة، الطرق والمحاور القومية. ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذه المشروعات في تحسين بيئة الأعمال، تكمن الإشكالية في غياب التكامل مع قاعدة صناعية قوية. فالكثير من هذه الاستثمارات يركز على الجانب البنيوي، بينما يظل القطاع الصناعي محدود القدرة على استيعاب هذه البنية التحتية وتحويلها إلى إنتاجية فعلية.

• الاستثمار في البنية التحتية: وفق بيانات وزارة التخطيط المصرية، بلغ متوسط حجم الاستثمار العام نحو 600 - 650 مليار جنيه سنويًا خلال السنوات الأخيرة، أي ما يعادل حوالي 7 – 8 % من الناتج المحلي الإجمالي.

• الصادرات الصناعية: على الرغم من ضخ هذه الاستثمارات، لم تتجاوز مساهمة الصناعات التحويلية في الصادرات الكلية سوى 16% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر على محدودية قدرتها على تحويل البنية التحتية إلى إنتاج قائم على التصدير.

• بطء انتقال أثر الاستثمارات: مشاريع مثل الطرق والمحاور الجديدة ساهمت في تسهيل الحركة اللوجستية، لكن تأثيرها على القطاعات الإنتاجية، مثل التصنيع والزراعة، ظل محدودًا خلال السنوات الخمس الماضية.

بعبارة أخرى، يمكن القول إن الدولة ركّزت على تهيئة الأرض أكثر من زرعها؛ أي تحسين البنية التحتية دون خلق منظومة إنتاجية متكاملة قادرة على توليد صادرات وفرص عمل مستدامة، أو زيادة القيمة المضافة للاقتصاد.

غياب السياسة الصناعية: الحلقة المفقودة

أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت مصر للتحول إلى اقتصاد يعتمد على الديون هو غياب سياسة صناعية واضحة وطويلة الأمد. فبدون خطة صناعية استراتيجية، تظل الدولة تعتمد على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي، بينما تفتقر الصناعات الوطنية إلى القدرة على المنافسة عالمياً أو توليد صادرات قوية.

أثر غياب السياسة الصناعية على الاقتصاد:

انعدام القيمة المضافة الحقيقية

• الصناعات التحويلية في مصر تمثل نحو 16% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم منخفض مقارنة بالدول الناشئة التي تسعى لبناء قاعدة صناعية قوية.

• الصناعات الاستخراجية والموارد الطبيعية تمثل غالبية الإنتاج الصناعي، ما يحد من قدرة الاقتصاد على خلق منتجات ذات قيمة مضافة عالية قابلة للتصدير.

قلة فرص العمل المستدامة

القطاع الصناعي يشغل نحو 15% فقط من قوة العمل، بينما يشغل القطاع الخدمي والريعي نسبة أكبر، ما يحد من خلق وظائف مستدامة للشباب المتزايد عددهم (تجاوز عدد السكان 110 مليون نسمة في 2023).

نقص العملة الأجنبية اللازمة

الاعتماد على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلي أدى إلى ارتفاع فاتورة الواردات إلى أكثر من 90 مليار دولار في 2022، بينما لم تتجاوز الصادرات الصناعية سوى 35 مليار دولار تقريباً، ما يخلق عجزًا في ميزان المدفوعات ويزيد الحاجة إلى الاقتراض.

ضعف القدرة على سداد الدين

مع قلة الصادرات والإنتاجية، يعتمد الاقتصاد على الديون لتغطية العجز المالي بدل أن يستخدمها لتعزيز القدرة الإنتاجية، وهو ما أدى إلى وصول الدين العام إلى نحو 96% من الناتج المحلي الإجمالي في 2023.

النتيجة النهائية أن الدين أصبح يُستخدم لتمويل الاستيراد والاستهلاك، وليس لبناء القدرة على إحلال الواردات أو تطوير الصناعات المحلية.

وتوضح الجداول والرسوم البيانية التالية: غياب السياسة الصناعية وتأثيره على الدين والاقتصاد وذلك بمقارنة الصادرات الصناعية والواردات بالميار دولار وايضا بمقارنة نسبة الانتاج الصناعي ونسبة الدين العام الي الناتج المحلي.

القطاع الخاص: التردد والتحول التدريجي

على الرغم من تحسن دور القطاع الخاص في السنوات الأخيرة، لا يزال هناك تردد واضح في بعض المجالات الاستثمارية بسبب عوامل اقتصادية وسياسية متعددة. فقد تأثر المستثمرون بـ:

1. حالة عدم اليقين وتقلب السياسات الاقتصادية، بما في ذلك تغير الضرائب والرسوم والحوافز الاستثمارية، مما أعاق التخطيط طويل الأجل.

2. ارتفاع تكلفة التمويل، حيث تراوحت أسعار الفائدة على بعض القروض طويلة الأجل في السنوات الأخيرة حول 20%، مما حدّ من قدرة الشركات على توسيع نشاطها الصناعي أو الإنتاجي.

3. ضعف المنافسة المنظمة في بعض القطاعات، مما دفع القطاع الخاص للتركيز على أنشطة سريعة العائد مثل التجارة والخدمات، بدلًا من الصناعات الثقيلة أو التصديرية.

البيانات الرسمية حول مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار:

• نسبة الاستثمار الخاص من إجمالي الاستثمار المنفذ (2024/2025): حوالي 47.5%

• نسبة الاستثمار العام: حوالي 43.3%

• في الربع الثالث من نفس العام، وصل نصيب القطاع الخاص من الاستثمار المنفذ إلى62.8 %مقابل 37.2 % للقطاع العام 

التأثير على الاقتصاد:

• ارتفاع مساهمة القطاع الخاص يعكس تحولًا تدريجيًا نحو تعزيز دور الإنتاج الخاص، لكنه لا يزال غير كافٍ لتعويض الاعتماد الطويل الأمد على الاستثمار العام الممول بالديون.

• الاعتماد على الدولة في الاستثمار ظل موجودًا في المشروعات الكبرى والبنية التحتية، مما دفع الاقتصاد إلى الاقتراض لتمويل العجز الاستثماري.

• هذا يعني أن الاقتصاد المصري يمر بمرحلة انتقالية، حيث يبدأ القطاع الخاص في لعب دور أكبر، لكنه يحتاج إلى استقرار سياسي وسياسات تحفيزية طويلة الأجل ليصبح قاعدة إنتاجية حقيقية ومستدامة.

باختصار، غياب القطاع الخاص القوي سابقًا وسوء ظروف الاستثمار دفع الاقتصاد للاعتماد على الاستثمار العام والاقتراض، فيما تشير البيانات الحديثة إلى بداية تعزيز مشاركة القطاع الخاص، لكنها لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب لدعم نمو مستدام قائم على الإنتاج الحقيقي.

النتيجة: اقتصاد ينمو دون أن يُنتج

تُعد إحدى المفارقات الأساسية في الاقتصاد المصري الحالي أن البلاد تحقق معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي تُظهر أرقاما إيجابية، لكن هذا النمو لا يرتبط دائمًا بزيادة قوية في الإنتاجية الحقيقية للقوى الاقتصادية أو بخلق فوائض مستدامة يمكنها أن تدعم النمو طويل الأجل.

معدلات النمو:بينما سجّل الاقتصاد المصري نموًا في الناتج المحلي بلغ نحو 4.4%–4.8% خلال السنة المالية 2024/2025، مقارنةً بمعدلات أقل في السنوات السابقة، فإن هذا النمو لا يُترجم تلقائيًا إلى زيادة ملحوظة في الإنتاج الصناعي أو صادرات ذات قيمة مضافة عالية.

• في العام المالي 2024/2025، ارتفع النمو السنوي إلى نحو 4.4% مقارنةً بـ 2.4% في العام المالي السابق، بدعم من نشاطات خدمية وسياحية وتمويلية. 

• خلال الربع الثالث من نفس العام، بلغ النمو 4.77%، مع أداء أفضل للصناعات غير النفطية، لكنه لم يشمل زيادة واسعة في القاعدة الإنتاجية، خاصة في القطاعات الصناعية التحويلية التقليدية التي لا تزال تواجه تحديات هيكلية. 

الفجوة بين النمو والمنتج الحقيقي:

حتى مع هذه الأرقام، تبقى مؤشرات الإنتاج الحقيقي والإنتاجية أقل من المطلوب لخلق فوائض مالية حقيقية تعزز قدرة الاقتصاد على النمو المستدام وتقليل الاعتماد على الديون:

• كثير من النمو في الناتج مرتبط بـ تحسن قطاعات خدمية أو مؤقتة (السياحة، المالية، الاتصالات) أكثر من تحسين الإنتاج الصناعي العميق أو سلسلة القيمة الصناعية العالية. 

• بعض القطاعات الأساسية مثل قناة السويس شهدت تراجعًا كبيرًا في النشاط والعائدات بسبب توترات جيوبوليتيكية، ما يوضح محدودية الاعتماد على مصادر دخل ريعية قائمة بذاتها. 

دورة النمو المعتمِد على الدين:

وبسبب هذا الانفصام بين النمو الرقمي في الناتج وبين الواقع الإنتاجي، أصبحت آليات تمويل الاقتصاد تعتمد بشكل كبير على الاقتراض:

• الاقتصاد ينمو بالاقتراض: الاعتماد على التمويل الخارجي والديون لتمويل الإنفاق الرأسمالي والإنفاق الجاري بدلاً من الاستثمار في خطوط إنتاج تُولِّد قيمة مضافة عالية.

• تمويل الاستهلاك بالدين: كثير من الإنفاق يستهدف دعم الاستهلاك، بما في ذلك برامج الدعم والأجور والمنح، بدل الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

• سداد الدين بدين جديد: في ظل عجز الميزانية والتزامات خدمة الدين، يتم في كثير من الأحيان إعادة تمويل الديون القائمة من خلال اقتراض جديد، مما يخلق دورة مالية متكررة. 

الاقتصاد المصري يحقق أرقام نمو إيجابية في الناتج المحلّي الإجمالي، لكنه لا يزال يُعاني من فجوة بين هذا النمو والإنتاجية الحقيقية للاقتصاد. النمو قائم إلى حد كبير على الإنفاق العام، الريع والخدمات، والتحسن العرضي في بعض القطاعات، وليس بالقدر الكافي على إنتاج سلع وخدمات عالية القيمة المضافة القادرة على خلق فوائض مالية حقيقية.

اقتصاد ينمو ← يمول بالديون ←يستخدم الدين لتمويل استهلاك ويعاد جدولة الديون ← يعاد الاقتراض… دورة لا تُكسر إلا بتغيير جذري في نموذج التنمية الإنتاجي، يضع الابتكار والتصنيع والإنتاج على رأس الأولويات بدل الاعتماد على التمويل والاستدانة وحدها.

تكشف هذه القراءة أن أزمة الديون في مصر ليست أزمة مالية بقدر ما هي أزمة نموذج اقتصادي. الدين لم يُخلق المشكلة، لكنه كشفها وعمّقها.

السؤال الحقيقي لم يعد: كم اقترضنا؟ بل: لماذا لم ننتج بما يكفي كي لا نقترض؟

في المقال القادم، سيتم التطرق إلى أحد الجذور الأكثر تجاهلًا للأزمة: الموارد البشرية في مصر… هل هي عبء كما يُصور، أم ثروة أُسيء استغلالها؟
--------------------------------
بقلم: د. محمد فاروق مهنى

مقالات اخرى للكاتب

من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد الديون: كيف اختل المسار التنموي في مصر؟