27 - 01 - 2026

التشريح البنيوي لعالم في حالة عدم يقين: تحليل شامل لرواية هشام جعفر لـ"عالم بعد غزة"

التشريح البنيوي لعالم في حالة عدم يقين: تحليل شامل لرواية هشام جعفر لـ

إن ما شهده العالم في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين أول عام 2023م، وما تلاها من حرب تدميرية شعواء شُنت على قطاع غزة، لا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيفه كأزمة إقليمية عابرة أو مجرد فصل نمطي جديد من فصول الصراع العربي الإسرائيلي الممتد لعقود. بل إن هذه الأحداث، وفقاً لما قدمه المفكر هشام جعفر في عمله الرائد والاستشرافي "عالم بعد غزة"، تمثل "قطيعة تاريخية" كبرى تتجاوز حدود التفسير السياسي التقليدي السطحي.

يقدم جعفر في مؤلفه تشريحاً بنيوياً دقيقاً يسبر أغوار الأسس الفكرية، والأخلاقية، والجيوسياسية للنظام الدولي الذي هيمن على المشهد العالمي منذ أفول الحرب الباردة في عام 1990م. حيث يعمل هذا الكتاب بمثابة "خريطة مفاهيمية" شاملة، صُممت بعناية لتفكيك الطبقات المعقدة للأزمة العالمية الراهنة؛ بدءاً من التحدي الوجودي الذي يواجه المنظومة الليبرالية الغربية، وصولاً إلى بزوغ فجر "دولة الحضارة"، والتطبيع الهيكلي الصادم مع الإبادة الجماعية ضمن إطار رأسمالي متأزم يعيد إنتاج نفسه عبر التوحش.

الفكرة المركزية: شغور العرش وحالة الشك المعرفي

تتمحور الأطروحة الجوهرية للكتاب حول معضلة عميقة يشخصها المؤلف بمفهوم "خلو العرش". ويفترض هذا المفهوم أن الأطر الفكرية والسياسية التي حكمت العالم طويلاً - وتحديداً النظام الدولي القائم على القواعد - قدوصلت إلى طريق مسدود وفشلت فشلاً ذريعاً وحاسماً في كبح جماح العدوان أو إرساء دعائم الاستقرار. وفي المقابل، لم يتبلور بعد نظام جديد متماسك وقادر على ملء هذا الفراغ، مما أدخل العالم المعاصر في أتون "فوضى هوبزية" عارمة، تستعرض فيها القوى الكبرى مصالحها السيادية بلا قيود، بينما ينهار جدار الثقة في المؤسسات الدولية العاجزة.

إن هذا المفهوم يستند أساساً إلى انهيار الافتراضات الجوهرية التي شكلت وعي الاستقرار الإقليمي قبل أحداث السابع من أكتوبر. ومن أبرز هذه الافتراضات المتهاوية:

* الاعتقاد الواهم بأن البراغماتية الاقتصادية قادرة على تذويب الحقوق الوطنية المشروعة.

* الظن بأن القضية الفلسطينية يمكن ترحيلها أو تهميشها في غياهب النسيان إلى أجل غير مسمى.

* الرهان على قدرة النظام الليبرالي في إلزام حلفائه بالمعايير الأخلاقية والقانونية الدولية.

لقد كشفت "محرقة غزة" بوضوح تام عن الإفلاس الأخلاقي والعجز الاستراتيجي لهذا النظام. ومن هنا، يجادل جعفر بأن السؤال السياسي الوجودي لعصرنا قد تحول جذرياً ليصبح: "من يملك الحق الأصيل في تعريف ماهية الحياة الطيبة؟". وهذا السؤال يجسد صراعاً محتدماً بين مثل عليا متآكلة لدولة ليبرالية تدعي الحياد، وحركات "ما بعد ليبرالية" صاعدة تطالب الدولة بتبني وفرض رؤية أخلاقية وتقليدية محددة تضمن ازدهار الإنسان.

المنهجية الفلسفية للمؤلف: "الندوة الخيالية" كقالب للتحليل

لا يكتفي جعفر في منهجه بالرصد التاريخي أو التسجيل الزمني للوقائع، بل يغوص في "تشريح بنيوي منهجي" يربط بين الأبعاد الفكرية، والتاريخية، والجيوسياسية. وللإبحار في غمار هذا "الزلزال الفكري"، اجترح المؤلف أداة تحليلية حوارية فريدة أطلق عليها اسم "الندوة الخيالية" (الندوة المتخيلة).

بدلاً من السرد النظري الجاف، يبتكر جعفر حواراً فكرياً رفيعاً بين خمس شخصيات عربية متخيلة، تمثل أطيافاً جغرافية وأيديولوجية متنوعة تشمل وادي النيل، والمغرب العربي، والمشرق، والخليج، والشتات. هذه الشخصيات- مثل كمال الشرقاوي الذي يجسد تيار الاستقلال الوطني، وسارة الحداد ممثلةً فكر ما بعد الليبرالية، وليليان منصور بصوتها المعبر عن الانتفاضات العربية- تشكل في مجموعها "جغرافيا الفكر العربي" المعاصر.

تتيح هذه المنهجية المبتكرة للمؤلف تحليل التجاذبات الداخلية في الوجدان العربي، ورصد علاقة هذا الوجدان بالغرب من خلال عدسات تحليلية متعددة. كما أن هذا النهج يتميز بكونه"متقاطعاً" بطبيعته؛ فهو يربط بذكاء بين نضال الشعب الفلسطيني من أجل العدالة، وبين الحركات العالمية المناضلة من أجل المساواة العرقية، والعدالة البيئية، وتفكيك بنى الاستبداد النيو ليبرالي.

مراجعة الفصول والتحولات الأيديولوجية الكبرى

الفصل الأول: السياقات الفكرية وبزوغ البدائل

في هذا الفصل الافتتاحي، يستعرض المؤلف ملامح التآكل الأيديولوجي للخطاب الليبرالي والصعود المتنامي لتيارات"ما بعد الليبرالية". ويطرح جعفر حجة مركزية مفادها أن الليبرالية تعيش اليوم "أزمة نجاح"؛ فمن خلال إفراطها في ترسيخ الاستقلال الفردي الجذري كقيمة عليا مطلقة، أدت دون قصد إلى تفتيت النسيج الثقافي، وانهيار الروابط المجتمعية، والوقوع في شرك "اليأس العدمي".

كما يفصل المؤلف في نشوء نموذج "دولة الحضارة"، وهو النمط الذي تبناه قادة دوليون بارزون (مثل شي جين بينغ، وبوتين، ومودي، وترامب). هذه الدولة تستمد شرعيتها من الموروث الثقافي والديني والعِرقي، وترفض المزاعم الليبرالية الكونية. ويبرز هنا مفهوم "صناعة الروح"، حيث تضطلع الدولة بدور نشط في صياغة الشخصية الأخلاقية لمواطنيها، متخلية عن وهم الحياد. 

وفي الإطار العربي، يوضح الحوار التخيلي كيف أعاد"طوفان الأقصى" الزخم لخطاب الاستقلال الوطني، الذي بات يطمح للتحرر من الاحتلال الأجنبي ومن "الاستبداد النيوليبرالي" معاً.

الفصل الثاني: التحولات الجيوسياسية وصعود الجنوب العالمي

يركز هذا القسم على الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب،وبروز "الجنوب العالمي" كفاعل أخلاقي وقانوني لا يمكن تجاوزه. ويستشهد المؤلف بالدور التاريخي لجنوب إفريقيا في تحدي المركزية الأخلاقية الغربية عبر مقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، مما يمثل انتقالاً من "عدالة المنتصرين" إلى "عدالة الضحايا".

كما يحلل الكتاب سمات "الجيل Z"، مشيراً إلى أن هذا الجيل الرقمي ينظر للقضية من منظور إنساني أخلاقي بحت، بعيداً عن القوالب السياسية التقليدية، معتمداً على"السياسة الصغري" المرتبطة بالمطالب المباشرة، والتعبئة عبر الشبكات. ويشير جعفر أيضاً إلى عودة "خط اللون" كمعيار في السياسة الدولية، حيث يُنظر لفلسطين كرمز لاستمرار النضال ضد الاستعمار التاريخي.

الفصل الثالث: تهاوي البراغماتية واتفاقيات أبراهام

يقدم هذا الفصل نقداً لاذعاً لنموذج "اتفاقيات أبراهام"، مؤكداً أن الرهان على السلام الاقتصادي مع تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية قد أثبت فشله الذريع. ويسلط الضوء على الفجوة الآخذة في الاتساع بين الأنظمة العربية وشعوبها التي ترفض التطبيع مع "قومية عرقية إقصائية".

ويلتقط جعفر هنا مفهوم عقيدة "إسبرطة الكبرى" الإسرائيلية، التي تعتمد القوة العسكرية الاستباقية المطلقة حتى لو أدى ذلك للعزلة الدولية. كما يتناول "سياسة المرساة" الإماراتية التي تستخدم الاستثمارات الاستراتيجية كأداة لتوسيع النفوذ الإقليمي.

الفصل الرابع: سوسيولوجيا الإبادة الجماعية ومحرقة غزة

في هذا الفصل الأكثر قسوة، يحلل المؤلف آليات "محرقة غزة" بربطها برأسمالية عالمية متوحشة. ويشير إلي مفهومين مرعبين:

* رأسمالية الإبادة الجماعية: حيث يُنظر للتدمير كمشروع مربح واختبار للتقنيات العسكرية.

* الإبادة الجماعية الخوارزمية (Algocide): حيث تُوكل مهمة القتل للذكاء الاصطناعي، مما يقلل من العبء الأخلاقي على القتلة.

ويختتم هذا التحليل بالحديث عن "الإنتاج الاجتماعي للامبالاة"، وكيف تحول البيروقراطية "الأشخاص العاديين" إلى أدوات في ماكينة القتل الجماعي.

الخاتمة: الرباعية الفلسفية وصناعة الوحشية

ينتهي الكتاب بتجميع الآليات النفسية والهيكلية التي تصنع العنف الجماعي، متجاوزاً لغة الإدانة إلى لغة التفسير البنيوي عبر أربع مقالات أساسية:

* صناعة الوحوش: إعادة تعريف "الآخر" ككائن غير بشري لتبرير سحقه.

* الدولة وإنتاج العنف: توظيف احتكار القوة في القتل عبر عقائد أمنية متضخمة.

* العنف الاستبدادي: السيكولوجيا الكامنة وراء "الديكتاتور القاتل" ونشوة السلطة المطلقة.

* تفاهة التعقيد: استلهاماً من حنة أرندت، يشرح جعفر كيف يُساق الناس للشر عبر الروتين والمصلحة الذاتية.

ويختتم العمل بمقترح لمشروع بحثي عربي لتوثيق الإبادة وتفسيرها وتحليلها، مؤكداً أن هذه الذاكرة هي ما سيحدد البوصلة الأخلاقية للأجيال القادمة.

السمات السبع الجوهرية لعالم "ما بعد غزة"

باختصار مكثف، يحدد الكتاب ملامح النظام العالمي الجديد في سبع نقاط:

* أزمة الليبرالية: وتمدد نماذج "دولة الحضارة".

* تطبيع القتل: عبر تداخل الاقتصاد العالمي مع اقتصاد الإبادة "الخوارزمي".

* التقاطع العالمي للعدالة: تحول فلسطين إلى أيقونة عالمية للنضال الشامل.

* صعود الجنوب العالمي: كقوة قانونية ودبلوماسية مراجعة للهيمنة الغربية.

* تآكل البراغماتية: وسقوط أوهام الاستقرار القائم على الاتفاقيات الأمنية الهشة.

* حروب الهوية: خطر انقسام العالم إلى كتل حضارية متصادمة هوياتياً.

* إعادة تعريف الاستقلال: بالتحرر من التبعية ومن الاستبداد النيوليبرالي معاً.

في نهاية المطاف، يرسم كتاب "عالم بعد غزة" الصادر عن دار مدارات بالقاهرة لوحة من عدم اليقين المعرفي، حيث تتهاوى أركان السلطة القديمة تحت وطأة دخان الحرائق، مطالباً بتبني "تفكير نقدي جذري" يضع كرامة الإنسان والعدالة المشتركة كأولوية قصوى في معركة الوجود القادمة.
--------------------------------
قراءة: خالد عزب