ليست غزة اليوم ساحة حرب فقط، بل ساحة تعريف. تعريف للسلام، وللشرعية، ولمن يملك حق الإدارة ومن يملك حق القرار.
بعد حرب طويلة أنهكت البشر والحجر، ظهر في المشهد كيانان متوازيان مجلس سلام غزة، واللجنة الوطنية لإدارة غزة.
للوهلة الأولى قد يبدوان مسارين متكاملين، لكن التدقيق يكشف أن التوازي قد يتحول بسهولة إلى تنازع على المعنى، لا على السلطة فقط.
مجلس سلام غزة – السياسة من الأعلى
مجلس سلام غزة ليس ابن الأرض بقدر ما هو ابن الطاولة الدولية. وُلد في المؤتمرات، وتغذّى على لغة التمويل والضمانات والتعهدات. مهمته المعلنة هي الإشراف على مرحلة ما بعد الحرب ؛ تثبيت وقف النار، تنظيم تدفق الأموال، وربط إعادة الإعمار بمسار سياسي وأمني طويل النفس.
هذا المجلس يتعامل مع غزة باعتبارها ملفًا دوليًا ؛ أرقام دمار، خرائط إعادة إعمار، شروط حوكمة، وآليات رقابة. شرعيته ليست نابعة من الداخل الفلسطيني، بل من اعتراف الدول المؤثرة، ومن قدرتها على فتح أو إغلاق صنبور المال.
هنا يصبح السلام تعريفًا إجرائيًا هدوء قابل للإدارة، لا عدالة مكتملة.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة – الحياة من الأسفل
في المقابل، جاءت اللجنة الوطنية لإدارة غزة كاستجابة لخطر الفراغ. لجنة فلسطينية الطابع، تكنوقراطية الشكل، مهمتها إبقاء المجتمع واقفًا على قدميه؛ مستشفى يعمل، مدرسة تفتح أبوابها، مياه تصل، وبلدية تنظف الركام.
هذه اللجنة لا تفاوض على مستقبل غزة، بل تتعامل مع حاضرها القاسي. شرعيتها أخلاقية ووظيفية قبل أن تكون سياسية، لكنها شرعية هشّة، لأن مفاتيح الحركة والمعابر والموارد ليست بيدها.
هي إدارة بلا سيادة، ومسؤولية بلا سلطة كاملة.
أين يلتقي المساران وأين يتصادمان؟
نظريًا، يمكن للمجلس أن يوفّر الإطار الدولي، وللجنة أن تنفّذ على الأرض. لكن التجربة الفلسطينية تعلّمنا أن التفاصيل هي ساحة الصراع الحقيقية. إذا تحولت اللجنة إلى مجرّد مقاول خدمات ينفّذ شروط مجلس السلام، نكون أمام إدارة فلسطينية بالاسم، دولية بالفعل. وإذا تجاهل مجلس السلام اللجنة أو تجاوزها، نكون أمام سلطة دولية بلا جذور اجتماعية، تعيد إنتاج الفشل بشكل أكثر أناقة.
السؤال ليس ؛ من الأقوى؟ بل من يُعرّف السلام؟ هل هو غياب السلاح، أم حضور الحق؟ هل هو إعمار الإسمنت، أم ترميم الكرامة السياسية؟
الخطر الأكبر – تطبيع الاستثناء هو الخطر الحقيقي في هذا المشهد أن تتحول غزة إلى حالة دائمة من “الإدارة الانتقالية”.
مجلس دولي يشرف، لجنة محلية تدير، وشعب يعيش في زمن معلّق بلا أفق سيادي.
استثناء يُدار بدل أن يُحل، وأزمة تُنظّم بدل أن تُنهي جذورها.
غزة ليست مختبرًا لحلول تقنية، ولا ساحة اختبار لنماذج حكم هجينة. هي جزء من قضية سياسية كبرى، وأي فصل بين الإدارة والسيادة هو فصل مصطنع، لا يخدم إلا من يريد تهدئة الصراع دون حلّه.
خاتمة المعركة على المعنى المواجهة اليوم ليست بين مجلس سلام ولجنة إدارة، بل بين رؤيتين لمستقبل غزة. رؤية ترى السلام كترتيب أمني واقتصادي قابل للاستدامة، ورؤية ترى السلام كنتيجة طبيعية للعدالة والحرية.
غزة لا تحتاج فقط من يديرها، بل من يعترف بها ككيان سياسي حيّ، كجزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، لا كمساحة أزمة. وكل مسار لا يضع هذا الاعتراف في قلبه، مهما حسنت لغته، سيبقى جزءًا من المشكلة لا من الحل.
في غزة، حتى السلام يحتاج موقفًا، لا إدارة فقط.
------------------------------
بقلم: حاتم نظمي







