مأسسة الإفلات من العقاب في النظام الدولي الجديد
يمثل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيس ما يسمى "مجلس السلام" (Board of Peace) في منتدى دافوس الاقتصادي في الثاني والعشرين من يناير 2026، منعطفاً تاريخياً في بنية النظام الدولي. لا يتمثل هذا التحول في كونه محاولة لإنهاء الصراع في قطاع غزة فحسب، بل في كونه إعلاناً صريحاً عن تجاوز قواعد القانون الدولي واستبدالها بنظام "الشرعية التفاعلية" القائم على المال والقوة المحضة. إن هذا المجلس، الذي يضم في صفوفه شخصيات ملاحقة دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب، لم يعد مجرد هيئة دبلوماسية، بل تحول إلى مظلة قانونية وسياسية تهدف إلى شرعنة حالة الإبادة الجماعية وتحويلها إلى فرصة استثمارية عقارية تحت مسمى "إعادة الإعمار".
تكمن الخطورة الفلسفية والسياسية لهذا المجلس في تشكيله القيادي، حيث يمنح الميثاق الرئيس ترامب سلطة شبه مطلقة ورئاسة دائمة ومدى الحياة، مع حق تعيين الخلف وإصدار قرارات أحادية. والأكثر غرابة هو تحويل الدبلوماسية إلى "نادٍ للأثرياء"، حيث يشترط الميثاق دفع مبلغ مليار دولار للحصول على مقعد دائم، مما يحول صنع القرار الدولي إلى نظام "دفع مقابل النفوذ".
جوهر المؤامرة: غزة من "وطن" إلى "منتجع ريفيرا"
كشف منتدى دافوس 2026 عن الوجه الحقيقي للمؤامرة؛ حيث لم يركز "صناع السلام" على حقوق الشعب الفلسطيني، بل انصب اهتمامهم على القيمة العقارية لقطاع غزة. وصف ترامب غزة بأنها "قطعة أرض جميلة" مشيراً إلى أن خطته بدأت من "الموقع الجغرافي" المتميز . وقدم صهره جاريد كوشنر عرضاً مصوراً لما وصفه بـ "غزة الجديدة"، حيث تظهر ناطحات السحاب والمنتجعات الفخمة التي تشبه "موناكو" أو "الريفيريرا" فوق أنقاض البيوت المدمرة .
تعتمد هذه الرؤية على "عقيدة الصدمة"؛ استغلال الدمار الشامل الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية لمسح التاريخ الفلسطيني وإنشاء واقع استثماري جديد يخدم المليارديرات مثل مارك روان وياكير غاباي . وتتضمن المؤامرة نزعاً كاملاً للسلاح وتفكيكاً لكافة البنى التحتية للمقاومة، مع ربط إعادة الإعمار بمدى انصياع السكان لنموذج "التدجين الأمني" والوصاية الاستعمار الجديد .
تحالف الجلادين: نتنياهو والشرعية المسلوبة
إن انضمام بنيامين نتنياهو إلى "مجلس السلام" هو الذروة في وقاحة هذا الكيان الجديد. فبينما يواجه نتنياهو مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية منذ نوفمبر 2024 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام التجويع كأداة حرب، يأتي ترامب ليمنحه مقعداً قيادياً. ويجتمع معه ماركو روبيو، وزير الخارجية الذي وصف دعوات تهجير الفلسطينيين بأنها "كرم أمريكي"، وتوني بلير، الذي لا يزال التاريخ يذكره كمهندس لدمار العراق بناءً على أكاذيب . هذا التجمع يمثل في الحقيقة "نادي الطغاة" الذي يسعى لوراثة دور الأمم المتحدة وتهميش ميثاقها لصالح رؤية إمبراطورية.
انكشاف الخديعة: الصمود الأوروبي والمأزق السويسري
رغم محاولات ترامب تصوير المجلس ككيان يحظى بإجماع عالمي، إلا أن الرفض الأوروبي الواسع كشف زيف هذه الادعاءات. فقد رفضت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا والنرويج والسويد الانضمام، معتبرة أن المجلس يمثل تهديداً خطيراً للنظام الدولي وللأمم المتحدة.
برز الموقف الإسباني كأحد أكثر المواقف شجاعة؛ حيث أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز رفض بلاده القاطع، مؤكداً التزام مدريد بالتعددية الدولية والقانون الدولي، ومنتقداً استبعاد السلطة الفلسطينية من هذا الكيان.
أما سويسرا، فقد وضعت "مجلس السلام" في مأزق أخلاقي وقانوني؛ فرغم استضافة دافوس للمراسم، أكدت الحكومة السويسرية التزامها الصارم بنظام روما الأساسي، معلنة أنها ستعتقل نتنياهو فور وصوله تنفيذاً لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية. هذه الحقيقة أجبرت نتنياهو على غياب "مخزٍ" عن مراسم توقيع ميثاق المجلس الذي هو عضو فيه، خوفاً من الاعتقال، مما كشف للعالم أن "عضو مجلس السلام" هو في الحقيقة "هارب من العدالة".
الموقف العربي والمصلحة المتوهمة
في مقابل المبدئية الأوروبية، برز انضمام دول عربية وإسلامية كبرى (السعودية، الإمارات، قطر، مصر، الأردن، تركيا، إندونيسيا، وباكستان) كصدمة أخلاقية . تتذرع هذه الحكومات بالبراغماتية، معتبرة أن الانضمام يمنحها القدرة على "كبح جماح" إسرائيل وضمان إعادة الإعمار. لكن التحليل المعمق يشير إلى خضوع لضغوط هائلة من إدارة ترامب، وقبول بالجلوس مع نتنياهو في "مجلس اللصوص"، وهو اعتراف ضمني بهزيمة المشروع الوطني العربي وتنازل عن المبادئ القانونية مقابل وعود اقتصادية مشكوك فيها.
لجنة علي شعث: الوصاية تحت قناع "التكنوقراط"
لإضفاء مسحة من الشرعية المحلية، شُكلت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (NCAG) برئاسة علي شعث، وهي لجنة تضم 15 تكنوقراطياً فلسطينياً مكلفين بالمهام الخدمية. يرى الخبراء أن هذه اللجنة، ورغم كفاءة أعضائها، ليست سوى "واجهة" لتنفيذ قرارات مجلس السلام؛ حيث تقتصر صلاحياتها على الشؤون المدنية وجمع المساعدات، بينما تظل القرارات السيادية والأمنية والمالية في يد ترامب وكبار الممولين . إنها محاولة لتحويل القضية الوطنية إلى ملف خدماتي تديره عقول فلسطينية تحت إشراف "استعمار مالي" مباشر .
سلام زائف وعدالة غائبة
إن ما تم تدشينه في دافوس 2026 ليس مجلساً للسلام، بل هو "محكمة إمبراطورية" تهدف لشرعنة الجريمة وتقاسم غنائم غزة. إن رفض إسبانيا وسويسرا ودول الشمال الأوروبي يثبت أن ضمير العالم لم يمت تماماً، وأن شرعية ترامب ونتنياهو المستندة إلى "قوة المال" لن تصمد أمام حقيقة الجرائم الموثقة. سيبقى هذا المجلس في ذاكرة التاريخ كـ "مجلس لمجرمي الحرب"، ولن يغفر التاريخ لمن جلس مع نتنياهو بينما كانت المحارق لا تزال تلتهم أطفال غزة، ولن ينسى أن توني بلير وماركو روبيو وجاريد كوشنر كانوا هم من خططوا لتحويل المأساة الإنسانية إلى "صفقة تجارية" رابحة.
---------------------------
بقلم: عز الدين الهواري







