09 - 02 - 2026

رشقة أفكار | دفء و"حرارة" يناير ٢٠١١.. يتحول برودة في يناير ٢٠٢٦؟!

رشقة أفكار | دفء و

- يناير "عورة" أم  ثورة.. فورة غضب أم مؤامرة مموَّلة؟ لماذا لا تجري أي أبحاث أو دراسات أو تعقد ندوات واستطلاعات رأي لاستجلاء مواقف المصريين؟
- آلاف الكتب والدراسات والوثائق والأفلام أعدت عن ثورة يوليو ٥٢ .. أما  ثورة يناير فتبدو وكآنها عدوان يجب إزالة آثاره!
- لنفتح في السماء نوافذ يدخل إلينا منها الهواء.. نوشك أن نموت من الإختناق!

برودة القلب أشد وطأة من برودة الجسد.

يناير هذا العام شديد البرودة ! لم نشهد له مثيلّا . يناير ٢٠١١ كان الشهر الأكثر دفئا  في الأعوام الخمسين الأخيرة، اندلعت الثورة  في جسد الأمة المصرية واشتعلت غضبا في (٢٥ يناير)!

أدفأت أياما كثيرة.. ثم ما لبثت إن أصيبت بـ" طوبة "!

ليس هناك أي استطلاع علمي أُجرى على مكانة ثورة يناير في وجدان المصريين! عندي أصدقاء وزملاء لا يعبأون بتقدير الناس لها، بل يسميها صديق "عورة يناير"! ، يحاول قطاع من المصريين أن يبرز ٢٥ يناير كمؤامرة، وأن المصريين فطنوا لها وكرهوها ولن يكرروها أبدا مهما حدث!

كُتِب عن ثورتي القاهرة الأولي والثانية بقيادة عمر مكرم ضد نابليون وحملته الفرنسية على مصر كتبا كثيرة.. ومازالت الأحبار تسيل فوق الأوراق لتروي جانبا من ثورة عرابي، وثورة ١٩١٩ وأما ثورة ٢٣ يوليو ٥٢ فماتزال حية حتى اليوم، و تلهب خيال الباحثين والكتاب في الداخل والخارج. لا يوجد رقم إحصائي دقيق ومحدد يوثق إجمالي الكتب والرسائل العلمية حولها نظراً لكثرتها الهائلة على مدار أكثر من 70 عاماً، ولكنها تُعد من أكثر الأحداث التاريخية توثيقاً في التاريخ المصري الحديث والمعاصر، حيث شملت آلاف المؤلفات العربية والأجنبية، والوثائق، والرسائل الجامعية التي تتناولها من جوانب سياسية، اقتصادية، واجتماعية. إلا أن ثورة الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١.. تحاط  بتعتيم شديد بل وعزوف أشد من الذين يفترض فيهم أن يؤرخوا لها ويبحثوا فيها ويسجلوا يومياتهم عنها ويحللوا آثارها ونتائجها. لا تقرأ  كتابّا علميا شاملّا  أو دراسة معتبرة عنها، أغلب الظن أنك قد تسمع قصيدة، أو نبوءة.. لكنك لا تتلقى دعوة لحضور مناقشة أو ندوة أو سمينار.. كأنها  ثورة جرباء، يُخشى من نقل عدواها!

ما أقرأه للمحامي الحقوقي خالد على عن ثوار يناير - وكان أحدهم - يدفئني، وأظنه يفرد أشرعة الدفء على كل من كانوا مثلي، تجتاحهم أحزان الليالي ومخاوف الأيام الباردة التي تلت إنفجار غليان فورة يناير. تلك الأيام التي تدثرت بِخِرَقْ التجمد البالية، وعانت لسعات البرودة الشديدة، وهي تكافح بالطرق المتاحة محاولات إزالة آثارها، وكأنها كانت عدوانا وليست حلما من أجل المستقبل! تشق النوافذ في السماء لتفتح المجال العام وقد أغلق بالضبة والمفتاح. تكتب سطورا أخرى تكشف خطورة الأساليب الممنهجة الرامية لنبذ الأفكار الليبرالية، باعتبار الديمقراطية شيطانّا رجيمّا - رغم ماحققته من نهضة وتقدم  في بلدانها الأصلية - وإفقاد المشاركة السياسية والتعددية الحزبية البريق الذي يكسوها ويخطف أبصارنا، كلما لاحت لنا ثمار ممارستها، حتى ولو كان تلوح من قلب بيت العدو.. حيث يحظى المختلفون مع صاحب بيت الحكم في تل ابيب، بكل الحقوق والحريات التي يمكنها ان تصل إلى حد تحديه والتهديد بإسقاطه ومحاكمته إن لزم الأمر. إنها الديمقراطية.. فضيلة  الحسد الوحيدة المشروعة في العالم، لأنه  حسد يحمل في طياته بذور النور والحلم والأمل.

- كتابات خالد على عن ثوار يناير مقتطفات إنسانية عن زمن الحلم الجميل، زمن الثورة الينايرية العظيمة، والأحلام النبيلة المجيدة في أعلى ذراها، مهما علا صوت الرافضين لها، والزاعقون بأنها محض مؤامرة دبرت بليل، وخطط لها في صربيا، أيدها وخطط لها وموّلها المعهد الجمهوري أو غيره من "الممولاتيه"! سلسلة لا تتوقف من الاتهامات هدفها التشويه والتشويش على تضحيات شعب امتلأت رئتاه بهواء نقي، ونُكِب بأشخاص ارتكبوا أخطاء كبيرة.. وثوار منهم من يدفع الآن ثمنّا باهظا خلف القضبان، ومنهم من دفع كيانه كله، بعد أن مسته شعرة من جنون، ومنهم من تطرف وفقد بوصلته، وتخبط في الطريق لا يعرف كيف ينجو، فانتهج أساليب مقززة واختار البذاءة وسيلة للمعارضة، حتى نفر الناس منه، وهناك من دفع الثمن من بصره لا من بصيرته، وهناك طبعا من تمول ومن صعد في غفلة من الزمن، فباع كل شيء من ضميره إلى ورقة توت كانت تغطي عورته في زحام وفوضى الثورة.

- ماذا لو أعاد هؤلاء جانبا من  نقاشاتهم المستفيضة التي جرت أيام فوران  الميدان؟ ماذا لو قاموا بمراجعات لأفكارهم وأخطائهم - وأخطاء السلطة أيضا - وتأملوا كيف وثق الشعب فيهم في تلك الأثناء؟ ماذا لو سألوا أنفسهم: هل مافعلوه بعد يناير كان صوابا؟ أليسوا مسؤولين عما نحن فيه؟ حرارة وعلاء ودومه وعمار والعليمي والنجار ومالك وعادل وهيثم وهشام وحتى صباحي والبرادعي وموسى وعبد الجليل وجورج وغنيم وحمزة وكريمة وقنديل.. على سبيل المثال لا الحصر. من يكتب تاريخ هؤلاء؟ من يسأل الأسئلة الحقيقيّة؟ من يواجه بشجاعة، فيرى مالهم وما عليهم؟!

- هل كانوا بعد الثورة على مستوى الثورة؟

أظن - وبعض الظن ليس إثما - أن بعضهم كان كذلك.. أحمد حرارة مثلا يغرد خارج سرب رفاق الماضي؟ هل اعتبر أنه دفع ثمنا باهظا فآثر ألا يلوث بصيرته التي بقيت له، بعد أن أفقده ضابط القنص نور عينيه، وباليقين سلب معها جزءًا من روحه أيضا!

ماذا عن الآخرين؟ كيف يعيشون حياتهم.. المحتجزون خلف الأسوار والناجون من النار؟ ومن يفك القيود والأغلال حتى يعود القلب يخفق من جديد؟ كيف لايحتمل تدفق دماء الاختلاف في قلوب تحلم بالمستقبل بطريقة مختلفة؟ لماذا يصعب تحمل الاختلاف؟ العالم كله مختلف مع بعضه.. هناك اتفاق بين الجميع على الأوطان لكن الخلاف دوما  على الأساليب.. بن غفير متفق مع نتانياهو على (الكيان الصهيوني) إسرائيل، لكنهما مختلفان على أساليب وطرائق السلطة. السعودية تتفق آحيانا مع الإمارات ومصر ثم تختلف معهما على مايعيق مصالحها. ترامب وماسك الصديقان الحميمان سابقا والعدوان اللدودان حاليا اتفقا على أميركا العظمي لكنهما اختلفا  حول مشروع قانون خفض الضرائب والإنفاق الذي طرحه الرئيس الأميركي.  ماسك يعتبره "شر مقيت" لا يحتمل، وترامب هدده بايقاف عقوده الحكومية وتعطيل مصالحه! لاشيء في الدنيا يقوم على اتفاق!

تشرذم أبناء يناير فخرجنا من مولدها بلا ليلة كبيرة! بلا حزب كبير بلا كتاب موثق أو فيلم تسجيلي آو مذكرات حقيقية! في التاريخ العربي جملة شهيرة لعلها أبلغ توصيف لأحوال قادة العرب تقول: اتفقوا على ألا يتفقوا! كرر الينايرون خطيئة العرب في الماضي، واستمروا على نفس المسار، فلم يهتدوا إلى آسلوب عمل أو قيادة.. فانفرد بهم الذئاب حملا بعد حمل!

والذين يهيلون التراب على يناير ورفاقها ليسوا بأحسن حالا، فهم يؤيدون "عمال على بطال".. دونما تأمل أو روية أو مناقشة! الرعب من الفوضى أو البلطجة والعنف الشديد مخيف إلى حد عدم مواجهة أخطاء الحكومة: بيع الأرض وبيع المصانع والشركات والاقتراض المستمر! فرض ضريبة على السكن الخاص، وإلغاء إعفاء هواتف المصريين العاملين بالخارج من الجمارك.. وأخيرًا يأتي مقرب من رياسة الوزراء ليجس النبض حول فكرة نقل ملكية قناة السويس للبنك المركزي مقابل تصفير دين الحكومة!  

هل بقىَّ في العقل بعض من حكمة؟ وهل بقي في القلب الكسير بعض من روح أو قدرة أو رغبة في عطاء؟ هل مازال في الصدر بعض من هواء  نتنفسه أم أنه يرجى موتنا بالاختناق؟!
------------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | جمهورية منزوعة الرحمة!