23 - 01 - 2026

تشريح العقل التشريعي للبرلمان

تشريح العقل التشريعي للبرلمان

بعد أداء اليمين الدستورية لأعضاء البرلمان، وانتخاب رئيس ووكيلين ورؤساء اللجان النوعية، يمكن التأكيد على اكتمال الجسد التشريعي للبرلمان، مايسمح بإجراء عملية تشريح للعقل التشريعي في البلاد:

1ـ فاز المستشار هشام بدوي برئاسة المجلس التشريعي/الرقابي أمام النائب عن الحزب المصري الديمقراطي، محمود سامي الإمام، لإن المنصب لا يصح ولا يليق به التعيين، فضلا عن العرف البرلماني بضرورة انتخاب رئيس المجلس

المستشار الذي تم تعيينه من ضمن الـ28 نائبا، من بينهم 10 وزراء، سابقين الذين عينهم الرئيس عبد الفتاح السيسي في المجلس بالمنصب، حصد أكثر من 91% من أصوات النواب.

السيد هشام بدوي يعد إبنا أصيلا ومأموناً للجهاز القضائي التابع للدولة، حيث عمل فى نيابة أمن الدولة العليا فور قبوله فى النيابة العامة، وتدرّج فى المناصب القضائية بالنيابة حتى شغل منصب المحام العام لنيابات أمن الدولة العليا، وتولى منصب رئيس محكمة استئناف القاهرة، وشغل منصب مساعد وزير العدل لإدارة مكافحة الفساد.. إلا أن أهم أدواره عندما تولى مباشرة التحقيق في العديد من القضايا التي تمس الأمن القومي، منها قضايا الحركات الجهادية والتكفيرية مثل قضية خلية حزب الله عام 2009، وخلية مدينة نصر 2012 ، كما أشرف على العديد من القضايا التي شغلت الرأي العام على مدار سنوات مثل الجماعات الإرهابية وقضايا التجسس بعد ثورة يناير.. وبعد مغادرته الموقع القضائي تم تعيينه رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات منذ العام 2015 وحتى 2024.

المستشار هشام بدوي، قضى عمره القضائي في تحرير مذكرات الحبس الاحتياطي، وإحالة المتهمين إلى المحاكمات، وهو دور يمكن اعتباره من مقتضيات الأمن القومي للبلاد.وعندما غادر النيابة تم تعيينه رئيسا لأهم كيان رقابي على المال العام في مصر.

2ـ عقب اختيار رئيس المجلس،تم انتخاب 7 رؤساء (معينين) لأهم لجانه، من بينها وزير شؤون المجالس النيابية السابق،علاء الدين فؤاد، وكيلاً للجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، ووزير الخارجية السابق سامح شكري، رئيساً للجنة العلاقات الخارجية، ووزير الطيران المدني الأسبق محمد عباس حلمي، رئيساً للجنة الدفاع والأمن القومي»، وتولي وزير القوى العاملة الأسبق محمد سعفان رئاسة «لجنة القوى العاملة»، فيما تولى وزير البترول والثروة المعدنية السابق طارق الملا رئاسة «لجنة الطاقة والبيئة، وتولى وزير التعليم العالي الأسبق، أشرف الشيحي، رئاسة لجنة التعليم العالي والبحث العلمي، كما تولى وزير التنمية المحلية السابق، محمود شعراوي، رئاسة لجنة الإدارة المحلية بينما تولى وزير الزراعة واستصلاح الأراضي السابق السيد القصير لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي والثروة الحيوانية.

المسؤولون عن التشريع والرقابة في البلاد كلهم جاءوا بالتعيين وليس الإنتخاب، فيما تقلدوا مواقعهم القيادية والهامة بالبرلمان بالإنتخاب من قبل نواب جاءوا بالتزكية (تقريبا) وبقانون إنتخابي ينحاز لمن لديه المال والثروة والنفوذ.

القوانين المزمع تمريرها داخل البرلمان، والمتعلقة بالمأكل والمسكن والإنتاج والحريات بين أيادي رجال يتمتعون بخبرات إدارية واسعة.. خبرات الدولة المركزية العميقة التي يلم رجالها بالملفات الكبرى ولديهم الخبرة في إدارتها، لكنهم جميعا يدينون بالسمع والطاعة لإرادة وهوى الحكومة.

3ـ نأتي للنواب المحترمين.. البشائر تشير إلى سيرهم على درب من سبقوهم في الدورات السابقة، سواء على مستوى التشريع، أو المستوى الرقابي..

مجلس النواب السابق أقر 879 قانونًا كانت مقدمة من الحكومة، في حين لم يقدم النواب سوى 16 مشروع قانون فقط بشكل مستقل خلال السنوات الخمس الماضية، ما يكشف عن ميل ميزان القوى في صناعة التشريع لصالح السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية.

وعلى الصعيد الرقابي، أكد تقرير صادر عن الجبهة المصرية لحقوق الإنسان للعام 2025 أن أدوات المساءلة الحقيقية للحكومة، مثل الاستجواب وتشكيل لجان تقصي الحقائق، لم يتم تفعيلها على الإطلاق خلال الفصل التشريعي الماضي.

لدينا في الوقت نفسه تصريح كاشف للسيد وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، المستشار محمود فوزي، يؤكد قيه أن انتخاب رؤساء اللجان النوعية ليس إجراءً تنظيمياً فحسب، بل هو لحظة تأسيسية لتحديد ملامح الأداء البرلماني في دور الانعقاد الحالي، ما يعني أن الأداء البرلماني ماضٍ إلى ذات الطريق: موافقوووون!

4ـ السادة النواب المحترمون في المجلس الجديد الذي يضم 15 حزباً سياسياً، ينتمي غالبية أعضائه إلى أحزاب ما يصفوها بأحزاب "الموالاة" أي تلك التي تؤيد الحكومة في السراء والضراء وترتبط معها في قضاء مصالح الرعية.. فيما حصلت الأحزاب المعارضة على 53 مقعداً تقريباً، ما يعادل نحو 10 في المائة من إجمالي أعضاء المجلس المنتخبين، بحسب هيئة الاستعلامات المصرية.

أحد هؤلاء النواب المحترمين، يطالب بتنظيم طابور الصباح لمدة ساعة كاملة، وإحدى السيدات النائبات التي نالت عضوية البرلمان عن طريق باب قائمة "في حب مصر" لقطاع شرق الدلتا تطالب بإخصاء المتحرشين جنسيا من خلال تشريع يبيح ذلك، ونائب يطلب فرض 200 جنيه سنويا على طلاب المدارس الخاصة، ونائبة ترى ضرورة بدء العمل من 5 فجرا حتى 12 ظهرا وتقليص الأجازات، ونائب يريد إجراء كشف عذرية للطالبات قبل دخول الجامعة، وآخر يطلب تطبيق البصمة في المدارس لمنع هروب التلامذة، بينما طلب نائب بالاحتشام داخل البرلمان ومنع القبلات.. أما أهم مطالبة وأجداها، كانت من أحد النواب المحترمين الذي يتمسك بإجراء تحليل مخدرات دورى للنواب وأعضاء الحكومة.

5ـ قراءة العقل التشريعي لمصر، ليست في حاجة إلى تشريح "بيولوجي" إنما إلى تشريح سياسي والأخير ليس في حاجة إلى تنظير، فالمقدمات المتشابهة تؤدي إلى نتائج متشابهة. وإلى اللقاء في المشرحة!.
------------------------------
بقلم: أحمد عادل هاشم

مقالات اخرى للكاتب

تشريح العقل التشريعي للبرلمان