02 - 02 - 2026

مجلس السلام اختبار مبكر لمستقبل النظام العالمي

مجلس السلام اختبار مبكر لمستقبل النظام العالمي

لا يمكن التعامل مع مبادرة إنشاء "مجلس السلام" التي دعا إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها مجرد محاولة مبتكرة لتسريع حل النزاعات الدولية، أو إطارًا ظرفيًا لمعالجة أزمات بعينها مثل أزمة غزة. فهذه الدعوة، من حيث توقيتها وبنيتها وصلاحياتها، تمسّ في جوهرها إحدى ركائز النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وتضع الأمم المتحدة أمام اختبار غير مسبوق لمكانتها ودورها.

فمنذ تأسيسها عام 1945، لم تكن الأمم المتحدة كيانًا مثالياً بقدر ما كانت تسوية سياسية بين القوى المنتصرة في الحرب، وقد صُمم مجلس الأمن تحديدًا ليعكس ميزان القوة لا العدالة المجردة، عبر منح الدول الخمس الكبرى حق النقض. ورغم أن هذا الحق أدى إلى شلل متكرر – إذ استُخدم الفيتو أكثر من 250 مرة خلال الحرب الباردة وحدها – فإن النظام الدولي، طوال عقود، ظل يعمل من داخل هذا الإطار، ولم تُنشأ مؤسسة موازية تنازع الأمم المتحدة دورها المركزي في إدارة السلم والأمن الدوليين.

اليوم، يبدو أن مبادرة "مجلس السلام" تنطلق من منطق مختلف كليًا، فهي لا تهدف إلى إصلاح آليات الأمم المتحدة أو تحديثها، بل إلى تجاوزها عمليًا عبر إنشاء منصة بديلة يقودها فاعل واحد، وتُدار بقواعد تمويل وولاء سياسي لا بإجماع دولي أو شرعية قانونية جامعة.

المال ركيزة للشرعية

المؤشرات الأولية عن الميثاق المقترح للمجلس المزعوم تبرز تحولًا نوعيًا في تصور الأمن الجماعي؛ فعضوية الدول مُحددة بثلاث سنوات، لكنها تصبح دائمة إذا دفعت الدولة مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس. ويلاحظ أن هذا الشرط لا يحمل دلالة مالية فحسب، بل سياسية بامتياز؛ فميزانية عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لا تتجاوز ستة مليارات دولار سنويًا، أي أن بضع دول قادرة نظريًا على تمويل منظومة بديلة بكاملها، خارج أي التزام بقواعد التمثيل أو التوازن الجغرافي.

هنا، ينتقل مفهوم الشرعية من كونه قائمًا على القانون الدولي والتوافق متعدد الأطراف، إلى كونه قائمًا على القدرة على الدفع. إن ذلك يعكس ذلك منطقًا يتسق بدوره مع تحولاتٍ أوسع في الاقتصاد السياسي العالمي، حيث تُقدَّر كلفة النزاعات المسلحة بنحو 17 تريليون دولار سنويًا، أي ما يعادل أكثر من 13% من الناتج العالمي، ما يجعل السلام "المزعوم" نفسه مجالًا للتنافس والاستثمار السياسي.

أما على المستوى العسكري، تأتي المبادرة في سياق تراجع فعلي لدور الأمم المتحدة في إدارة النزاعات المسلحة. فمنذ تفويضها للتدخل في ليبيا عام 2011، لم يمنح مجلس الأمن غطاءً واضحًا لأي عملية عسكرية كبرى، فيما جرت أكثر من 70% من التدخلات الدولية خلال العقد الأخير خارج المظلة الأممية.

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة وحدها ميزانية دفاع تقارب 900 مليار دولار سنويًا، أي أكثر من ضعف إنفاق الصين وروسيا مجتمعين. ويفسر هذا الفارق الهائل في القدرات جزئيًا لماذا باتت القوة العسكرية لا المؤسسات الدولية هي المرجع الفعلي لفرض الوقائع و"إدارة" النزاعات وليس تسويتها.

ويعزز هذا المنحى ما ينص عليه ميثاق مجلس السلام من صلاحيات تنفيذية واسعة لرئيس المجلس، تشمل حق النقض وعزل الأعضاء، وهي صلاحيات تتجاوز ما يمتلكه الأمين العام للأمم المتحدة، وتعيد إلى الأذهان نماذج قيادية مركزية سادت خلال الحروب الكبرى، لا منظومات الحوكمة الدولية التي أُنشئت بعدها.

انقسام دولي كاشف

تكشف ردود الفعل الدولية على هذه الدعوة حجم التصدّع العميق في تصوّر النظام العالمي، إذ لم تتعامل الدول معها بوصفها مبادرة إجرائية معزولة، بل كاختبار سياسي يعكس تباين الرؤى حول شرعية الفعل الدولي وحدود إعادة تشكيله. فقد جاء التفاعل معها متفاوتًا بين قبول سريع، وتحفّظ محسوب، ورفض صريح، بما يعكس اختلافًا بنيويًا في فهم طبيعة النظام الدولي وآليات اشتغاله.

فالدول التي سارعت إلى القبول رأت في المبادرة فرصة لتعزيز موقعها في مشهد دولي متحوّل، أو للانخراط في أطر جديدة تمنحها هامش حركة أوسع خارج القوالب التقليدية للعمل متعدد الأطراف. كما اعتبرت بعض هذه الدول أن المشاركة قد تتيح لها التأثير المبكر في مسار المبادرة بدل الاكتفاء بمراقبتها من الخارج.

في المقابل، جاء الرفض أو التحفّظ من دول ترى في هذه الدعوة مساسًا بمبدأ التعددية الدولية، أو تجاوزًا للأطر القانونية والمؤسسية المعتمدة في إدارة العلاقات الدولية. فثمة تخوّف واضح من أن تؤدي مثل هذه المبادرات إلى إضعاف المؤسسات الجامعة، وإلى إعادة إنتاج منطق الفعل الدولي الانتقائي، حيث تُحدَّد القواعد والآليات خارج سياق التوافق الدولي الواسع.

الأكثر دلالة في هذا السياق هو موقف كل من روسيا والصين، وهما من أكثر الدول تمسّكًا، خطابًا وممارسة، بدور المؤسسات الدولية القائمة، فضلًا عن كونهما عضوين دائمين في مجلس الأمن. فالحذر الذي أبدتاه لا يمكن اختزاله في اعتبارات تقنية أو ظرفية، بل يعكس وعيًا استراتيجيًا بمخاطر نشوء منصات دولية موازية قد تتحول، بمرور الوقت، إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ داخل النظام الدولي، بما يحدّ من فعالية الأطر التي تستند إليها مكانتهما الحالية.

وبذلك، فإن هذا الانقسام لا يعبّر فقط عن اختلاف في التقديرات السياسية إزاء مبادرة بعينها، بل يكشف عن لحظة مفصلية في النقاش حول مستقبل النظام العالمي نفسه؛ بين من يرى في تعدد المنصات آلية للتكيّف مع التحولات الجارية، ومن يخشى أن يؤدي ذلك إلى تفكيك الشرعية الدولية وتحويلها إلى نتاج توازنات قوة متغيرة.

محطة في مسار التحول العالمي

بغضّ النظر عن المصير الذي قد يواجهه "مجلس السلام" في المدى المنظور، فإن مجرد طرحه من جانب الولايات المتحدة – القوة الأكبر عالميا – وما أثاره من تفاعل ملحوظ، يكشف عن تحوّل أعمق يتجاوز المبادرة نفسها. نحن أمام لحظة انتقالية في النظام الدولي، لحظة تتراجع فيها الثقة بالمؤسسات التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية، وتتعزز فيها القناعة بأن هذه الأطر لم تعد قادرة، وحدها، على إدارة نزاعات عالم يتغيّر بسرعة.

من منظور بنيوي، لا يبدو هذا التحول مفاجئًا، فالتاريخ الدولي يُظهر أن المؤسسات الكبرى تزدهر حين تتقاطع مصالح القوى العظمى، وتتعثر حين تتباعد حساباتها. ومع تصاعد الانقسامات بين الفاعلين الرئيسيين، بات شلل آليات القرار داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وخصوصًا في القضايا الأمنية، سمة متكررة لا استثناءً عابرًا. وقد فتح هذا الانسداد الباب أمام البحث عن بدائل أكثر مرونة، أقل التزامًا بالقواعد، وأكثر قدرة (أو هكذا يُعتقد) على إنتاج نتائج سريعة.

في هذا السياق، برزت التحالفات المرنة والمنصات السياسية المؤقتة كأدوات جديدة لإدارة الأزمات، خارج الأطر القانونية الجامعة، فلم يعد الرهان على الشرعية وحدها كافيًا، بل باتت "الفعالية" هي المعيار الحاسم، حتى وإن جاء ذلك على حساب التوافق الدولي الواسع. وهو منطقٌ يعكس تحوّلًا في طريقة التفكير في النظام العالمي، من نظام تحكمه القواعد، إلى نظام تحكمه موازين القوة والقدرة على الفعل.

غير أن هذا التحول لا يعني نهاية المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، بقدر ما ينذر بتغيير عميق في أدوارها. فالخطر الحقيقي لا يكمن في إلغائها، بل في تهميشها التدريجي، وحصر دورها في الجوانب الإنسانية والتقنية والاستشارية، بينما تُنقل القرارات المصيرية المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين إلى غرف مغلقة ومنصات موازية.

وهكذا، لا يبدو العالم مقبلًا على قطيعة كاملة مع النظام الدولي القائم، بل على مرحلة سيولة تاريخية تتعايش فيها المؤسسات التقليدية مع ترتيبات بديلة، في انتظار تبلور توازنات جديدة أكثر استقرارًا. إنها مرحلة يتقدّم فيها الواقع على القواعد، وتُختبر فيها قدرة النظام الدولي على إعادة تعريف نفسه قبل أن يُعاد تعريفه من الخارج.

بشكل عام، فإن مبادرة مجلس السلام، في جوهرها، تشير إلى ما هو أبعد من مجرد إعادة ترتيب للأدوات الدبلوماسية؛ إنها تنذر بانزلاق متسارع نحو نظام دولي تُفرَّغ فيه فكرة الشرعية من مضمونها المؤسسي، وتُستبدل بمنطق الفاعلية القسرية والقدرة على فرض القرار. وإذا استمر هذا المسار دون كوابح واضحة، فإن النظام الذي تأسس بعد عام 1945 لن ينهَار دفعة واحدة، بل سيتفكك تدريجيًا، عبر تراكم السوابق، إلى أن يفقد قدرته على ضبط الصراع الدولي.

في هذا السياق، يلوح خطر حقيقي يتمثل في تحوّل الأمم المتحدة إلى مؤسسة رمزية، حاضرة في الخطاب وغائبة عن لحظات القرار. ومع انتقال إدارة النزاعات الكبرى إلى منصات مغلقة وتحالفات ظرفية، ستُدار الأزمات وفق اعتبارات القوة والتمويل والقدرة على الحشد، لا وفق قواعد القانون الدولي أو مبدأ الأمن الجماعي، ولن تقتصر تداعيات ذلك على تراجع فاعلية النظام الدولي، بل ازدياد وتيرة النزاعات، واتساع هامش التصعيد غير المنضبط، وارتفاع كلفة السلم على الدول الأضعف.

الأكثر خطورة أن هذا التحول، إذا ترسّخ خلال السنوات القليلة المقبلة، سيعيد تشكيل سلوك الدول على نحو دائم. فبدل السعي إلى بناء توافقات طويلة الأمد، ستغدو الاستجابة للأزمات قصيرة النفس، قائمة على الردع الآني والمبادرات المؤقتة. وفي ظل غياب إطار جامع قادر على الضبط، قد يصبح اللجوء إلى القوة خيارًا أقل كلفة سياسيًا، وأكثر حضورًا في حسابات الفاعلين الدوليين.

وعليه، فإن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما إعادة بناء النظام الدولي عبر إصلاح جذري يعيد للمؤسسات المشتركة دورها المركزي، أو الدخول في مرحلة ما بعد 1945 دون خريطة طريق واضحة، حيث تتحول السيولة إلى قاعدة، والاستثناء إلى نمط حكم. وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال عن مستقبل مؤسسة بعينها، بل عن قدرة النظام الدولي نفسه على البقاء كإطار منظم، قبل أن ينزلق العالم إلى مرحلة تنافس مفتوح لا تحكمه إلا موازين القوة العارية.
----------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد
*باحث في الاجتماع السياسي وسياسات الهوية

مقالات اخرى للكاتب

هدوء ما قبل العاصفة؟ قراءة في التهدئة بين إسرائيل وإيران