14 - 03 - 2026

المقايضة الكبرى بين التضخم والسيادة: المخاطر الجيوبوليتيكية لاقتراح حسن هيكل

المقايضة الكبرى بين التضخم والسيادة: المخاطر الجيوبوليتيكية لاقتراح حسن هيكل

على حافة الهاوية.. عندما تبحث الأمم عن معجزة مالية، في تلك اللحظات المصيرية من حياتها، حيث تتراكم الأرقام لترسم واقعاً مرعباً، وتكاد أعباء الماضي تختنق بها آفاق المستقبل، تبرز الأفكار الاستثنائية كشرارة في ظلام الليل، إنها أفكارٌ لا تأتي من رحم اليقين، بل من صميم الاضطراب؛ لا تقدم حلولاً سهلة، بل تطرح أسئلة عسيرة تمس جوهر الدولة ذاتها، وهكذا وفي خضم معاناة اقتصادية تشبه مريضاً في العناية المركزة، حيث كل نبضة حيوية محسوبة بدقة وكل تنفس مقترن بكلفة باهظة، انفجرت في المشهد المصري فكرة "المقايضة الكبرى" التي أطلقها رجل الأعمال حسن هيكل.

لم تكن مجرد خطة اقتصادية أخرى تضاف إلى رفوف الوزارات، بل كانت أقرب إلى زلزال فكري هز أركان المنطق المألوف، فلقد حوّلت الجدل من دائرة التقنيين والخبراء إلى فضاء عام واسع، حيث يصطدم برود الاقتراحات المالية بحرارة المشاعر الوطنية، وتتصارع حسابات الربحية والخسارة مع ثوابت السيادة والهوية، والنقاش لم يعد يدور حول "كيف" ندير الديون، بل حول "من" نحن كدولة في عالم تتحول فيه كل المقدسات إلى أصول في سجل محاسبي، وكل الثوابت إلى متغيرات في معادلة المال.

هذه هي القصة الحقيقية وراء الضجيج: ليست قصة أرقام جامدة، بل قصة اختبار وجودي، اختبار لقدرة مجتمع على مناقشة فكرة تبدو مستحيلة، واختبار لمنطق الدولة الحديثة العالقة بين مطرقة التزاماتها المالية وسندان مسؤوليتها تجاه مواطنيها ومكانتها التاريخية، إنها لحظة تكشف كيف يمكن أن يولد الضغط الشديد أفكاراً تشبه الجراحة الاقتصادية الوحشية، التي تعد بقطع الورم الخبيث للديون بضربة واحدة، لكنها تحمل في طياتها خطر النزف الذي لا يتوقف، وهنا على حافة هذه الهاوية التمويلية، تبدأ رحلة تحليل واحدة من أكثر المقترحات إثارة للجدل في العصر الاقتصادي المصري الحديث.

جوهر الفكرة؛ يكمن بفرض أن الجغرافيا والسياسة رصيدان في الدفتر المحاسبي، ويتلخَّص الإغراء الثوري لفكرة هيكل في بساطتها الظاهرة التي تخفي وراءها تعقيداً هائلاً: ماذا لو استطاعت الدولة أن تدفع عن نفسها ديوناً بمجرد إعادة ترتيب ملكية كنوزها الوطنية داخل مؤسساتها نفسها؟ إنها معادلة تبدو وكأنها خدعة سحرية مالية، تلمع فيها أصولٌ جامدة كالتماثيل في متحف، فجأةً وتتحول إلى عملة سائلة تطفئ نيران الدين.

فبدلاً من بيع هذه الأصول للخارج - وهي خطوة سياسية مستحيلة - يقترح هيكل عملية "استرداد داخلي"، فيتخيل سيناريو يصبح فيه البنك المركزي، الحارس التقليدي للنقد والسيولة، "مستودعاً سيادياً" لأعظم رموز الدولة، ليس لبيعها، بل لاستخدام قيمتها الافتراضية الهائلة كنقاط قوة في معركة محو الديون، وهنا تتحول القناة من مجرد ممر مائي يدرُّ العملة إلى "كفالة وطنية ضخمة" تقدمها الدولة لنفسها.

ولكي يخرج الاقتراح من دائرة الخيال إلى مجال الجدية التقنية، يستعير هيكل من ترسانة الاقتصادات المتقدمة أسلحتها في أوقات الطوارئ، فهو لا يستشهد بنظرية مجردة، بل بسياسات "التيسير الكمي" التي ضخت بها البنوك المركزية العالمية سيولةً غير مسبوقة في أوقات الشدة، وبمعنى آخر، يسأل هيكل: إذا كان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد اشترى سندات وسيولة لإنقاذ الأسواق، أفلا يحق للبنك المركزي المصري أن يشتري أصولاً وطنية لإنقاذ المالية العامة؟ إنه يحاول بجراءة توطين واستنساخ أدوات اقتصادية صممت لأزمات نوعية مختلفة، وزرعها في تربة أزمة بنيوية عميقة.

وهكذا، يتحول الاقتراح من مجرد فكرة إلى بروتوكول افتراضي معقد: تبدأ بمرحلة التقييم، حيث يجب حسم السؤال الأبدي: ما القيمة المادية لرمز لا يقدر بثمن؟ ثم تأتي مرحلة الضمانات الاحترازية، كمحاولة لبناء سدود في وجه الفيضانات التضخمية المحتملة، وتنتهي برسم نموذج إداري جديد، حيث يجب على بنك مركزي أن يتعلم إدارة مرفق ملاحي عملاق، وهو التناقض الإداري الذي يسلط الضوء على المغامرة الكامنة في قلب الفكرة.

إنها في جوهرها، مقايضة بين نوعين من المخاطر: خطر الدين المعلن والمستمر، مقابل خطر غير مرئي يتمثل في خلط الأوراق المؤسسية وربط مصير الرموز بالمتغيرات النقدية، ويقف الاقتراح على هذه الحافة، واعداً بحل سحري، لكنه يطلب في المقابل إعادة كتابة قواعد اللعبة بين أهم مؤسسات الدولة.

لكن الوهم الجميل الذي يبدو كإشراقة خلاص على الورق، كثيراً ما يتحول تحت مجهر القوانين الاقتصادية الصارمة إلى سراب خطير، فبعد وهلة الانبهار الأولى، يأتي وقت التساؤل الحاسم: هل يمكن حقاً خداع الجاذبية المالية، أم أن كل محاولة للطيران خارج قوانين السوق تنتهي بسقوط مدوٍ؟ هنا، يتحول مسار التحليل من استعراض الفكرة إلى فحص تشريحي عميق لجسدها، حيث يكشف المنطق الاقتصادي العالمي عن سلسلة من الثغرات الجينية التي قد تجعل من هذا "الحل الجذري" وصفة لأزمة أعمق.

إنه اللحظة التي تنتقل فيها المناقشة من دائرة "ماذا لو" الإبداعية، إلى ساحة "ماذا يقول علم الاقتصاد" الصارم، لحظة المواجهة بين براعة المهندس المالي المحلي، وبين الحكمة المتراكمة والمبادئ الراسخة التي أرساها تاريخ من الأزمات المالية العالمية، فكما أن الفيزياء لا تسمح بآلة حركة دائمة، فإن الاقتصاد الكلي يمقت المحاولات لخلق ثروة من خلال إعادة ترتيب الدفاتر المحاسبية فحسب.

وهذه الرحلة التحليلية ليست مجرد تفنيد تقني، بل هي رحلة في أعماق "لاوعي" أي اقتراح مالي جريء: بحثاً عن تلك النقاط العمياء حيث يختبئ افتراض خاطئ، أو حيث يتم تجاهل رد فعل متوقع للسوق، إنها الاختبار الحقيقي لأي فكرة استثنائية: القدرة على تحمل وطأة النقد العلمي، والبقاء قابلة للحياة بعد مواجهة التناقضات الداخلية الكامنة في صلبها.

أولاً، ثغرة الاستقلال: عندما يتحول الحارس إلى خادم، ففي قلب المبادئ التي تحكم العالم المالي الحديث، يقف حاجزٌ مقدس يفصل بين سلطتين: سلطة الإنفاق الحكومي وسلطة طباعة النقود وإدارتها، وهذا الفصل ليس رفاهية بيروقراطية، بل هو الدرع الواقي الذي يحمي قيمة عملة الشعب من أن تذوب بين مطرقة الطموحات السياسية وسندان الحاجات المالية العاجلة، ففكر معي للحظة: ماذا لو أصبح الطبيب الذي يشخص مرض التضخم هو نفسه المريض الذي يحتاج للدواء؟ أو أصبح الحكم في مباراة كرة القدم هو نفسه اللاعب الذي يسعى لتسجيل الأهداف؟

وهذا بالضبط هو الزلزال المؤسسي الذي يتجاهله مقترح "المقايضة الكبرى"، فهو لا يقتصر على نقل ملكية أصل من يد إلى أخرى؛ بل هو تغيير جذري للدستور غير المرئي الذي يحكم اقتصاد الدولة، إنه يحوّل البنك المركزي من هيئة رقابية محايدة، مهمتها الأساسية الحفاظ على استقرار الجنيه وثقة المواطن فيه، إلى دائن رئيسي للحكومة وشريك في مغامراتها المالية.

هنا نصل إلى المصطلح الاقتصادي الخطير الذي يختبئ وراء هذه العملية: "التمويل النقدي المباشر"، فتخيل أن عائلة تعاني من الديون، فتقوم ببساطة بطباعة أوراق نقدية في قبو المنزل لسدادها، والنتيجة واضحة: انهيار قيمة هذه الأوراق وضياع الثقة فيها، عندما يقوم البنك المركزي بشراء أو تحمل ديون الحكومة مقابل أصول، فهو يمارس شكلاً متطوراً من نفس العملية، لكن بآلة طباعة حديثة ودفاتر محاسبية معقدة تخفي الحقيقة.

وتقرير مؤسسة "كاتو" البحثية المرموقة في واشنطن يضع يده على الجرح، ويشرح كيف أن هذه الخطوة تؤدي إلى ما يسمى "الهيمنة المالية"، ففي هذا السيناريو الكابوسي، تفقد السياسة النقدية استقلاليتها وسيادتها، وتتحول إلى خادم مطيع للسياسة المالية، ويصبح هم البنك المركزي الأول والأخير هو تمويل عجز الموازنة، وليس مكافحة غلاء الأسعار، والحارس الذي أوكلنا له حراسة مخزون القيمة الوطنية، يصبح هو نفسه من يفرغ هذا المخزون لسد ثغرات أخرى.

والتاريخ لا يرحم في هذا المجال، فلقد شهدت دول أمريكا اللاتينية في ثمانينيات القرن الماضي هذه المسرحية نفسها، وكانت النهاية مأساوية متكررة: انهيار ثقة المستثمرين، وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج، ووصول التضخم إلى مستويات فلكية تصل إلى آلاف في المئة، تجعل المدخرات تتبخر والأجور تفقد قوتها الشرائية بين ليلة وضحاها، إنها نار تضخمية لا تبقي ولا تذر، تلتهم كل المكاسب المحاسبية الوهمية التي وعد بها المقترح، وتترك الاقتصاد محترقاً والثقة مهشمة.والدرس هنا مؤلم ولكنه واضح: بعض الجدران بين المؤسسات بُنيت لتبقى، وهدمها قد يبدو حلاً سريعاً، لكنه يفتح الباب على مصراعيه لعواصف اقتصادية يكون إصلاحها أصعب بمئة مرة من أزمة الديون التي كنا نحاول الهرب منها.

ثانياً، الحل السحري الذي يعالج العرض أما المرض فيبقى في العجز الهيكلي، وهنا السؤال: ماذا لو كانت كل هذه الجرأة المالية والإبداع المحاسبي لا تستهدف سوى علاج عرضٍ واحد، بينما يظل المرض العضال ينخر الجسد في صمت؟ وهنا نصل إلى العيب الأكبر في المقترح، والذي يجعل منه حلماً جميلاً لمن يرغب في تصديقه، ولكنه يظل بالنسبة للمنطق الاقتصادي مجرد تسكين مؤقت لألمٍ يستلزم جراحة. فجوهر أزمة الاقتصاد المصري لا يمكن حصره في رقم الدين الكبير الذي يطبع على واجهة التقارير، فالعدد الضخم هو مجرد عَرَض، وليس المرض نفسه، والمرض الحقيقي هو اختلال فيزيائي أساسي في آلية عمل الاقتصاد، يعرف باسم "العجز الهيكلي"، ويمكنك تخيله كسفينة عملاقة، يُثقب هيكلها باستمرار من قبل نزيف في الإنفاق العام مع محدودية في مصادر الدخل، بينما يتطلب إصلاحها جهداً شاقاً لإعادة التوازن، وما يفعله مقترح "المقايضة الكبرى" في هذا المشهد، هو إعادة ترتيب أثقل حمولات السفينة - الدين - من جانبها الأيسر إلى جانبها الأيمن، في حركة محاسبية بارعة قد تمنحها استقراراً لحظياً، لكنها لا تسد الثقب، ولا توقف النزيف، ولا تعالج السبب الذي يجعل المياه تتسرب إليها باستمرار، إنها تركز على "الميزانية العمومية" بينما تهمل "قائمة الدخل" الحقيقية للدولة.

ويكمن الخطر الفلسفي العميق للفكرة في "الخلط بين منطق الدولة ومنطق الشركة"، فهي تعامل الدولة كما لو كانت شركة مساهمة يمكن تصفية بعض أصولها لسداد ديونها، لكن الدولة ليست شركة، غايتها ليست الربح الفصلي، بل التنمية المستدامة، واستقرار المجتمع، وخلق فرص العمل، وحماية السيادة، وما يوصف بأنه "أصل" في الميزانية - مثل قناة السويس - ليس مجرد عقار مدر للإيرادات؛ إنه ركيزة من ركائز الأمن القومي وأداة جيوبوليتيكية ومصدر ثقة دولية، وتحويله إلى ضمانة محاسبية هو إفقاره من هذه الأبعاد الاستراتيجية، وجعله مجرد رقم يشارك في معادلة مالية قصيرة النظر.

ولعل أكثر النقاد وضوحاً في وصف هذه المغامرة كان هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، الذي وصف العملية بأنها أقرب إلى "إعلان إفلاس" ضمني للدولة، وهذا التوصيف ليس تعبيراً انفعالياً، بل هو تشخيص دقيق: فالإفلاس، في جوهره، هو الاعتراف بأن النشاط التجاري القائم غير قادر على توليد تدفقات نقدية كافية لسداد التزاماته، مما يستلزم اللجوء إلى تصفية الأصول، والمقترح يعترف، بشكل غير مباشر، بأن النمو الاقتصادي الحقيقي وتيار الإيرادات العامة لم يعدا كافيين لمواكبة تراكم الديون، فيلجأ إلى حيلة مؤسسية داخلية لطي الصفحة.

وهذا هو جوهر "الوهم الزمني للحلول السريعة"، إنه وهم أن مشكلة تراكمت عبر عقود من السياسات يمكن حلها بين عشية وضحاها بخطة محاسبية واحدة، والتجارب الدولية من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا تثبت أن علاج أزمات الدين السيادي يتطلب مسارات إصلاح طويلة ومعقدة، وليس وعوداً زمنية سحرية، وفي النهاية، لا يمكن لأي مقايضة، مهما كانت عظيمة، أن تحل محل الإصلاح الهيكلي الحقيقي: زيادة الإيرادات عبر قاعدة إنتاجية أوسع، وترشيد الإنفاق، وخلق نمو اقتصادي حقيقي يولد الوظائف والثروة، وليس نمواً قائماً على الدين قصير الأجل، فإنها المقايضة الحقيقية الوحيدة التي تليق بأمة عظيمة: مقايضة الراحة الآنية بالألم الإصلاحي المثمر.

ثالثاً، فعندما تلعب الدولة بالنار أمام نظراء استراتيجيين، تكون اللعبة محفوفة بالمخاطر، فما قد يُغفل في حماسة "الحل الداخلي" هو حقيقة كونية لا ترحم: مصر لا تعيش في فراغ مالي، إنها لاعب في ساحة دولية لا ترى إلا لغة الأرقام، وتحكمها قوانين صارمة للثقة والمخاطرة، وهنا يتحول المقترح من مجرد خطوة داخلية إلى قنبلة موقوتة في وجه العلاقات المالية الدولية، قد تنفجر لتدمر جسور الثقة التي استغرق بناؤها عقوداً في غمضة عين.

تخيل معي المشهد: فجأة، يُبلغ المستثمرون الدوليون - الذين يثقون بأموالهم في أذون وسندات مصر - أن ديونهم تجاه الحكومة قد تم استبدالها بأسهم في شركة تمتلك قناة السويس، أو ما شابه من الأصول، فهل سيرون في ذلك عرضاً مربحاً؟ أم سيفسرونه على حقيقته: تغيير أحادي وقسري لشروط العقد الذي وقعوا عليه عندما أقرضوا أموالهم؟ في قاموس التمويل العالمي، هذا الفعل له اسم واحد واضح: "إعادة هيكلة قسرية"، وإنها الصيغة الأنيقة التي تسبق إعلان "التعثر" أو "التخلف عن السداد"، والرسالة التي ستُبعث إلى كل عاصمة مالية من لندن إلى نيويورك إلى طوكيو ستكون صارخة: مصر اختارت طريقاً وحيداً لحل أزمتها، هو تغيير قواعد اللعبة على الدائنين في منتصف المباراة.

والعواقب لن تكون مجرد غضب آني، ستكون منهجية وقاسية، فأسواق المال العالمية تعمل على الذاكرة الجماعية، ومثل هذا التصرف سيُسجل في سجل مصر الائتماني كحادثة اعتماد خطيرة، والرد لن يتأخر: ستنهال مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية - مثل "موديزو"ستاندرد آند بورز" - بتخفيضات حادة ومتتالية للتصنيف السيادي لمصر، وهذه ليست مجرد أرقام على ورق؛ إنها عقوبة مالية فورية تترجم مباشرة إلى ارتفاع هائل في تكلفة أي قرش ستدين به مصر في المستقبل، وستدفع القاهرة فائدة إضافية على كل سند تصدره، كعقوبة مخاطرة لأنها أثبتت أنها طرف غير متوقع.

والأخطر من ذلك، أن أبواب التمويل قد لا تُغلق فحسب، بل قد يُسحب البساط من تحت أقدام الاقتصاد الحالي، فجزء كبير من الديون القائمة يتم إعادة تمويلها دورياً - أي أن مصر تقترض قروضاً جديدة لتسديد القروض القديمة عندما تحل مواعيد استحقاقها، وفي سيناريو فقدان الثقة، قد يرفض المستثمرون شراء السندات الجديدة، مما يدفع بالدولة إلى حافة أزمة سيولة خانقة لا مفر منها، والدولة التي تعتمد بشكل أساسي على الاقتراض لسد فجواتها المالية، سيجف فجأة منبع تمويلها الرئيسي.

إنه الثمن المخفي الذي لا تذكره الحسابات المحاسبية البارعة: كلفة الإقصاء من نادي الأسواق المالية العالمية، إنها مخاطرة بجزء حيوي من سيادة الدولة الاقتصادية، وهو قدرتها على التفاعل والاقتراض من العالم، وقد يبدو تجاوز الدائنين الدوليين حلّاً مغرياً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة قد يكون القفزة التي لا عودة بعدها، محوِّلاً مصر من شريك في النظام المالي الدولي إلى دولة منبوذة ائتمانياً، تدفع ثمن جرأتها لعقود قادمة.

وفيما يخص التحليل الجيوبوليتيكي؛ فقناة السويس هي الخط الأحمر السيادي، حيث تندفع الأمواج ضد شواطئ البحر الأحمر حاملةً معها أكثر من مجرد سفن شحن؛ إنها تحمل صراعات القوى العظمى وهمسات الماضي الاستعماري، ففي خضم الأزمة الاقتصادية، تشهد الجغرافيا المحيطة بمصر تحولاً جيوبوليتيكياً خطيراً، حيث يتصاعد تنافس دولي محموم على السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي، الذي تمر عبره نسبة تصل إلى 30% من التجارة العالمية المنقولة عبر الحاويات وكميات هائلة من النفط، وفي هذا المسرح المضطرب، تتحرك إسرائيل بشراكة إستراتيجية مع الإمارات لتعزيز نفوذها، حيث يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال مجرد خطوة في مسار أوسع يهدف إلى إقامة موطئ قدم عسكري واستخباراتي متقدم عند مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية لقناة السويس، وهذا التواجد ليس دفاعياً فحسب، بل هو محاولة للتحكم في شرايين الملاحة والتجارة العالمية، مما يضع مصر - وقناتها - في قلب معادلة قوة جديدة ومعقدة.

في هذه اللحظة التاريخية بالذات، حيث تتحسس القوى الإقليمية والدولية نقاط الضعف، يأتي مقترح "المقايضة الكبرى" ليحوِّل القناة من حصن سيادي صلب إلى ورقة مساومة مالية داخل الدفاتر المحاسبية، إنه إجراء لا يقلل من قيمتها الرمزية كإنجاز وطني وتجسيد للاستقلال فحسب، بل يعرضها للخطر في وقت تحتاج فيه مصر إلى كل عناصر قوتها التفاوضية، فالتاريخ يخبرنا بأن الديون العميقة تمنح الدائنين نفوذاً سياسياً، وأن السيطرة على الممرات المائية كانت دائماً جوهر الصراع الجيوبوليتيكي، كما رأينا في قرار تأميم القناة عام 1956 وما تلاه من عدوان ثلاثي، وبتحويل القناة إلى ضمانة، لا تعلن الدولة فقط عن عجزها عن إدارة أزمتها بالوسائل التقليدية، بل تقدم طوعاً لأطراف خارجية - سواء كانوا دائنين أو منافسين إستراتيجيين - ذريعة للمطالبة بحقوق أو ممارسة ضغوط مستقبلية تتعلق بإدارة هذا الممر العالمي، إنه انحدار خطير من منطق الدولة الحارسة لسيادتها، إلى منطق الشركة المستعدة لرهن أهم أصولها لإنقاذ نفسها، في ساحة لا ترحم.

وبالتالي، فإن المخاطر الجيوبوليتيكية لهذا المقترح تتجاوز بكثيٍر المخاطر المالية المباشرة، إنها تهدد بتقويض أحد أركان الأمن القومي المصري في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم لخرائط النفوذ، والفكرة لا تعالج جذر الأزمة الاقتصادية، بل تخلق ثغرة استراتيجية قد يكون سدها مستحيلاً في المستقبل، معيدةً إلى الأذهان المقولة القديمة بأن من يتحكم في الممرات المائية، يتحكم في مصائر الأمم.

الخلاصة والمسار البديل

لذا، فإن "المقايضة الكبرى" ليست مجرد مغامرة مالية يمكن التراجع عنها، بل هي وهمٌ خطير يقدم وعوداً بالخلاص السريع بينما يختبئ في جعبته ثمنٌ وجودي باهظ، فإنها كمن يحاول إطفاء حريق في غرفة بمادة قابلة للانفجار؛ قد تختفي النيران للحظة، لكن الدمار الذي سيليه سيكون شاملاً، فهي تعالج رقماً على ورقة، لكنها تهدد بزعزعة أركان الدولة نفسها: استقلاليتها النقدية، ومصداقيتها الدولية، وثرواتها السيادية التي لا تُقدر بثمن، إنها ليست جراحة اقتصادية، بل هي بتر طوعي لأحد أهم أعضاء الجسد الوطني، وكل ذلك من أجل الحصول على مهلة وهمية في معركة طويلة يجب خوضها بسلاح الإرادة والإصلاح الحقيقي. ولكن، إذا كانت هذه هي المغامرة المرفوضة، فما هي المغامرة المطلوبة؟ الجواب لا يكمن في الخوف من الأفكار، بل في شجاعة تبني الأفكار الصحيحة، فإن اللحظة التاريخية التي تمر بها مصر تتطلب مقايضة، لكنها مقايضة من نوع أعمق وأكثر جرأة: مقايضة ثقافة "الحل السحري" بثقافة "الإصلاح التراكمي".

هذه هي المقايضة الحقيقية: أن نستبدل وهج الحلول المحاسبية السريعة بصبر العمل المؤسسي الطويل، أن نُحيل الدولة من لاعب رئيسي في السوق إلى حَكَمٍ عادل ومنظم له، تخلق قواعد واضحة وتضمن المنافسة الشريفة، فتطلق طاقات ملايين المصريين من رواد الأعمال والمستثمرين والمبتكرين، وأن نستبدل اقتصاداً يعتمد على الريع والاقتراض بآخر مبني على الإنتاج والتصدير والابتكار، أن نحوِّل الدعم غير الفعال إلى استثمار ذكي في البشر، يحمي الضعيف ويكافئ المجتهد، ويبني رأس المال البشري الحقيقي الذي لا تنهزم به الأزمات.

إن مستقبل مصر الاقتصادي لا ينتظرنا داخل "الصندوق" المحاسبي الضيق الذي يقترحه البعض، بل ينتظرنا في فضاء أوسع: في مصانع تنتج لمنافسة العالمية، في حقول تزرع بالعلم، في معامل تبتكر للتحديات الجديدة، وفي مؤسسات دولة قوية وشفافة تحمي حقوق الجميع، وهذا هو المسار الوحيد الذي يبني ثروة حقيقية ودائمة، لا ثروة ورقية تتبدد مع أول عاصفة مالية، إنه الطريق الذي لا يرهن التاج، بل يصهره في نار العمل الجاد والإنتاج المتقن، ليصبح أخفّ وزناً على رأس الأمة، وأكثر بهاءً في عيون أبنائها والعالم، هذه هي الجرأة الحقيقية: أن نرفض الوهم السهل، ونختار بوعي وعزيمة طريق البناء الشاق، لأننا نعلم أن ما يُبنى على أسس من الحق والصبر، هو وحده ما يبقى.
---------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

زئير الأسد: اغتيال المرشد بين الانهيار والعقد الجديد