لم يعدم الإنسان وسيلة للتواصل؛ من الإشارة إلى الصوت، ومن الأثر على الحجر إلى الرسالة العابرة للحدود. وكلما اتسعت المعرفة، اتسعت معها مساحة البوح، تخطى البريد دوره كوسيلة تواصل؛ وصار وعاءً للحنين، وشاهدًا على مرارة الانتظار، وأحد مكونات الحياة الاجتماعية والسياسية.
"البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي/ وعيوني لما بكوا دابت مناديلي/ روح يا قمر والنبي ع الحلو مسى لي"، ناحت رجاء عبده، وناح ولطم خلفها مطاريد الحب والغرام، وتعمل إيه أكثر من كده لما تكثر مراسيلك والبعيد قاسي القلب، وودن من طين وودن من عجين.
لم تكن الشكوى كثرة الجوابات، ولا ثمن طوابع البوسطة بنقوش التاريخ وصور الأعلام والرموز، لكن من قلة الراحة وانشغال البال، ومرور الأيام من غير رد يبل الريق، حتى تظن إنك تكلم نفسك. ولأنك قليل الحيلة، ومتعلق في حبال دايبة – إن كان فيه حبال أصلاً - تقتفي أثر الكولونيل في رواية الكولومبي الرائع جابريل جارثيا ماركيز (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه)، خمسة عشر عامًا والكولونيل يتردد على مكتب البريد أسبوعيًا يسأل عن معاشه التقاعدي، ويمضي الزمن متأبطًا الانتظار المميت دون جدوى، وهو على حاله يُعلِم الصبر يصبر، على رأي شفيق جلال.
الصبر بريد العاجزين وسلاح كل قليل حيلة، يصبر الضعيف على جبروت القوي؛ فردا كان أم دولة، وكما يقول الفتوة الشارع دي بتاعي، يصيح المارد البلد دي لَزمَانِي.
ولم يكن هذا الانتظار حكرًا على العاشق الشعبي، بل عرفه المثقف العربي وإن اختلفت اللغة وتبدّلت الوسائط. عاش إبراهيم، بطل رواية "أديب" لطه حسين، موزع القلب بين شرقٍ قَبِلَه على عِلّاته، تمثّل في حَميدة التي رأت فيه إنسانًا قبل أن ترى دمامته، فتركها ومضى خلف بعثة فرنسا، وغربٍ لم يمنحه أكثر من نظرة شفقة، تجسّدت في إيلين الباريسية التي رأت فيه روحًا معذبة لا أكثر. وبين الاثنتين، لم يجد إبراهيم سوى الانتظار؛ يعلّق حياته على جملة واحدة، يرددها كأنها جواب لم يأتِ بعد: (إيلين تنتظر).
المهم، لا يجد العاشق قليل الحيلة غير (ابعت مراسيل، واكتب جوابات، واستنى وأقول/ لو غاب اثنين، راح يجي تلات، والصبر يطول)، ومن رجاء عبده لأم كلثوم يا قلبي لا تحزن (وبكره يفوت، وبعده يفوت، ولا كلمة ولا مرسال)، نفس حال الكولونيل.
أغاني تشعر معها إن كل الشعراء مجاريح وأغلب من الغلب ومكسورين الجناح، وكأن كل وظيفتهم في الحياة الحب من غير أمل، ورحمة الله على مأمون الشناوي لما قال في أغنية "لحن الخلود"، (والحب من غير أمل أسمى معاني الغرام)، وياريت فريد الأطرش اكتفى بيها، لكنه أتبعها بأغنية (ما ليش أمل)، وعلى ما يبدو إنه شعر بتقصير في الأمل الأولاني، فأكد عليه بأغنية ثانية.
ولأن الشكوى والحنين والحرقة ليست وقفًا على الرجال دون النساء، فقد غنت ليلى مراد من كلمات حسين السيد، وألحان محمد عبد الوهاب (ما ليش أمل في الدنيا دي غير إني أشوفك متهني)، وتتعجب من مقدار السادية التي يشعر بها المطرب العربي، ماذا لو كانت الكلمات (ما ليش أمل في الدنيا دي غير إني أكون معاك متهني).
حالة اليأس عرفها العربي القديم أيضًا، كان قيس بن الملوح يمر على ديار ليلى يقبّل الجدران، لا حبًا في الطين والحجارة، بل حبًا لمن سكنها. وربما التمسنا له العذر لو توقف عند هذا الحد، لكنه — وللأسف — كان يقبّل ديار القبيلة كلها، باعتبارها ديار ليلى (أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى/ أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارَ، وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي/ وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارَ).
شكوى المحب العربي مثل شكاوى العرب في الأمم المتحدة، ومن قبلها في عصبة الدول، وفي الآخر ما تلاقي غير ليلى مراد تغني بعيون دامعة (بدموعي الحيرانة وعيوني السهرانة/ بادعيلك بأمانة/ روح منك لله).
------------------------
بقلم: د.م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






