من أكثر الأفكار التي جرى تزييفها أخلاقيًا عبر الزمن، تلك التي تطالب المظلوم بأن يُحسن إلى ظالمه، وتُلبس هذا الطلب ثوب الدين أو مكارم الأخلاق، وكأن الإحسان واجب مطلق لا يفرّق بين من أحسن ومن أساء، والحقيقة أن هذا الفهم مجتزأ، بل ومخالف للفطرة قبل أن يكون مخالفًا لجوهر العدل.
الفطرة الإنسانية، والقيم الدينية، تقرّ مبدأ واضحًا.. الإحسان يكون لمن أحسن، والعدل يكون مع من أساء، يقول المولي عز وجل: " وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلها "، وهو مبدأ لا يدعو إلى الانتقام، بل يرسّخ ميزانًا عادلًا للعلاقات الإنسانية، يحفظ الكرامة ويمنع التمادي.
و الآية الكريمة لا تدعو إلى الانتقام، كما يتوهم البعض، بل تُقيم ميزانًا دقيقًا يمنع الظلم من الاستمرار، ويضع حدًا للإساءة حتى لا تتحول إلى عادة أو حق مكتسب. ثم يفتح النص باب الفضل لمن اختاره عن وعي لا عن قهر: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" .. والعفو هنا مشروط بالإصلاح، لا بالتمادي، ومقرون بالقدرة، لا بالاستضعاف.
إن الفطرة الإنسانية لا تتناقض مع هذا المعنى، بل تؤكده، فالإحسان لمن يُحسن يُنمّي الخير، أما الإحسان لمن يسيء عمدًا، دون اعتراف أو ندم، فكثيرًا ما يزرع شرًّا مضاعفًا، فليس كل إحسانٍ فضيلة، و ليس كل عفوٍ سموًّا، لأن القيم حين تُنتزع من سياقها، تتحول من نورٍ يهدي إلى عبءٍ يُرهق، وربما إلى سلاحٍ يُشهر في وجه من التزم بها بصدق، بل قد يتحول إلى ضوء أخضر لمزيد من الإساءة، فحين لا يجد المسيء ردعًا، ولا يرى حدودًا، يفسّر الطيبة على أنها ضعف، والصبر على أنه قبول، فيتمادى في أذاه لك ولغيرك.
ولا معنى للبحث عن مبررات للإساءة، فكل إنسان بالغ يدرك جيدًا ما يفعل، ويعي أثر كلماته وتصرفاته، أما تحويل المسيء إلى ضحية، والمجني عليه إلى متهم، فهو قلب للأدوار وتشويه للحقائق باسم العاطفة الزائفة.
ولا شك أن هذا لا يعني الدعوة إلى الانتقام أو الإيذاء، فذلك انحدار إلى نفس المستوى الذي نرفضه، لكن الانتصار للنفس حق، ووضع حدود واضحة ضرورة، واتخاذ رد فعل متزن يتناسب مع حجم الفعل هو شكل من أشكال احترام الذات.
أما التسامح، فهو مقام رفيع لا يليق إلا بأهله وهو لا يعني إلغاء الوعي، ولا يعني تكرار الأذى باسم الصفح، فالعفو الحقيقي لا يكون إلا بعد اعتراف، وندم، وسعي إلى الإصلاح، كما قال تعالى: «إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا».
وقد حذّر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الطيبة في غير موضعها فقال: "العفو مع القدرة زكاة الظفر"، أما العفو مع العجز، فليس زكاة، بل قد يكون استسلامًا يُشجّع الظلم ويُطيل عمره.
الطيبة حين تُمنح لمن يستغلها، تفقد معناها، وتتحول من خُلُق نبيل إلى بابٍ يُؤتى منه الأذى.
والحكمة القديمة تقول "ليس الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم، فإذا قدر عفا " والعفو هنا اختيار، لا اضطرار.
أما الوهم القائل إن الإحسان وحده قادر على تغيير المسيئين، فليس قاعدة عامة ، والتغيير لا تصنعه المعاملة الطيبة وحدها، بل لحظة وعي داخلي يراجع فيها الإنسان نفسه ، والمولي عز وجل يقول في كتابه الكريم "إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم"
وما لم يبدأ الإنسان المراجعة من الداخل، سيظل الإحسان وقودًا لسلوكٍ مؤذٍ.
لذلك، احتفظ بالخير الذي فيك، فهو أمانة لا تُهدر، وامنحه لمن يبادلك الود، ويحفظ العِشرة، ويصون المشاعر، أما من يحتال عليك، أو يستغل صفاء نيتك، فالحزم معه عدل، والبعد عنه سلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين" .
لا تسمح لأحد أن يقايضك بين أخلاقك وكرامتك، فالدين لم يأتِ ليكسر الإنسان، بل ليقيمه، و الحب، والرحمة، والاحترام، قيم عظيمة، لكنها لا تُمنح إلا لمن يعرف قدرها.
فلسنا مطالبين بأن نُكمل هذه “السُّنة الباطلة” في الحياة، سنة تمجيد الصبر الأعمى، وتبرير الاذى، وإن أردنا أن ندفع بالتي هي أحسن، فلنبدأ بأنفسنا:
أن نحسن إليها بالابتعاد عمّا يؤلمها، وبالسكوت عمّا لا يستحق، وبالوقوف ثابتين دون انتقام، ودون إيذاء .. أن تكون طيبًا لا يعني أن تكون مستباحًا،
وأن تكون رحيمًا لا يعني أن تتنازل عن حقك…
ولا والله، لن أُحسن لمن أساء إليّ.
--------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






