09 - 02 - 2026

25 يناير حين خرج الشعب… وحين سُرقت اللحظة

25 يناير حين خرج الشعب… وحين سُرقت اللحظة

لم تكن ثورة الخامس والعشرين من يناير حدثًا طارئًا على التاريخ المصري، ولا انفجارًا عاطفيًا بلا جذور، كما حاول البعض لاحقًا تصويرها. كانت نتيجة منطقية لمسار طويل من الإفقار المنهجي، والاستبداد السياسى، وانسداد الأفق أمام أغلبية ساحقة لم تعد ترى فى هذا الوطن سوى العمل بلا أمان، والعيش بلا كرامة، والحلم بلا أفق.

على مدى عقود، تشكّل نظام حكم قائم على تحالف صريح بين السلطة ورأس المال، تُدار فيه الدولة لصالح قلة، بينما تُترك الأغلبية لمصيرها. جرى تدمير القطاع العام، وتفكيك شبكات الحماية الاجتماعية، وتجريف الحركة النقابية، وتحويل العامل إلى رقم فائض، لا قيمة له إلا بقدر ما ينتجه ثم يُستبدل. فى هذا السياق، لم تكن الثورة خيارًا، بل ضرورة.

قبل أن تمتلئ الميادين، كانت المصانع تغلى.

قبل أن يُرفع الشعار السياسى، كان الإضراب هو اللغة.

وقبل أن ينكسر حاجز الخوف فى الشارع، كان قد انكسر فى مواقع العمل.

لكن هذه الحقيقة، التى لا يمكن فهم يناير بدونها، جرى إقصاؤها عمدًا من الرواية الرسمية لاحقًا، لأن الاعتراف بها يعنى الاعتراف بأن الثورة كانت فى جوهرها ثورة اجتماعية، لا مجرد احتجاج سياسى عابر.

حين تنحى حسنى مبارك، بدا المشهد وكأنه انتصار مكتمل. غير أن الأيام الأولى كشفت سريعًا أن ما سقط كان رأس النظام، لا النظام نفسه. ظلت بنية السلطة على حالها، وظلت مراكز القوة الاقتصادية والأمنية والإعلامية قائمة، تنتظر اللحظة المناسبة لإعادة الإمساك بالخيوط. لم تُفتح ملفات الفساد الكبرى، ولم تُمس التحالفات التى نهبت البلد، ولم يُفكك جهاز القمع الذى كان العمود الفقرى للحكم.

فى ظل غياب قيادة ثورية منظمة تمتلك مشروعًا اجتماعيًا واضحًا، انتقلت إدارة البلاد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. رُفعت شعارات حماية الثورة، لكن ما جرى عمليًا كان إدارة دقيقة لاحتوائها. أُنهك الشارع، وجرى تفكيك الزخم الثورى بالتقسيط، واستُخدمت أدوات القانون والقوة والإعلام لترويض الغضب. لم يكن الهدف بناء نظام ديمقراطى جديد، بل ضمان انتقال لا يمس جوهر الدولة القديمة.

فى هذا الفراغ، تقدمت قوى الإسلام السياسى. لم تكن هذه القوى فى طليعة الثورة، لكنها كانت الأكثر تنظيمًا، والأكثر استعدادًا لوراثة المشهد. تعاملت مع الثورة باعتبارها فرصة سياسية، لا مشروع تغيير اجتماعى. اختزلت الثورة فى الانتخابات، وتجاهلت أن الصندوق وحده لا يصنع عدالة، ولا يحمى حرية، ولا يفكك بنية ظلم متجذرة.

وعندما وصلت إلى الحكم، كشفت التجربة عن حدود هذا المشروع. لم يحدث انحياز حقيقى للفقراء، ولم تُمس مصالح رأس المال الكبير، ولم يُفتح أفق اقتصادى جديد، بل جرت محاولات لإعادة إنتاج السلطة بثوب تنظيمى ضيق. سقط هذا المسار سريعًا، لا بفعل مؤامرة فقط، بل بفعل عجزه عن تمثيل روح يناير ومطالبها العميقة.

فى المقابل، وقفت النخب المدنية واليسارية أمام اختبار تاريخى لم تنجح فى تجاوزه. بدلًا من بناء جبهة اجتماعية واسعة، غرقت فى الانقسامات، والصراعات الأيديولوجية، والخطاب النخبوى المنفصل عن الواقع اليومى للناس. لم تُخلق أداة سياسية قادرة على ترجمة الغضب الاجتماعى إلى مشروع حكم بديل، فظل الشارع بلا قيادة حقيقية تعبّر عنه.

وكان للإعلام، المرتبط بمصالح رأس المال، دور حاسم فى إعادة تشكيل الوعى العام. جرى تحميل الثورة مسئولية كل الأزمات، وربطها بالفوضى، وتصوير الاستقرار بوصفه نقيضًا للتغيير. لم تكن تلك حملة عشوائية، بل معركة وُظفت فيها كل أدوات التأثير لتفريغ يناير من معناها، وتحويلها من لحظة أمل إلى ذكرى مُربكة.

هكذا، وبالتراكم، تحولت الثورة إلى نكبة.

لا لأن الناس خرجوا، بل لأن من خرجوا تُركوا بلا حماية سياسية.

لا لأن المطالب كانت خاطئة، بل لأن العدالة الاجتماعية أُقصيت عمدًا.

لا لأن الحلم كان مستحيلًا، بل لأن من تصدروا المشهد لم يكونوا على مستواه.

إن الدرس الذى تفرضه تجربة يناير بوضوح لا يقبل الالتفاف:

لا حرية بلا عدالة اجتماعية،

ولا ديمقراطية فى ظل الفقر،

ولا دولة مستقرة تُبنى فوق تهميش الأغلبية.

الثورات لا تُقاس بلحظة اندلاعها فقط، بل بما تتركه من وعى. وثورة يناير، رغم ما جرى لها، كسرت حاجز الخوف، وفضحت بنية الظلم، وكشفت أن هذا المجتمع يملك قدرة على الفعل حين تتراكم أسبابه.

لم تُهزم يناير، لكنها أُجهضت.

وما يُجهض يمكن أن يعود، حين يتعلم من أخطائه، ويعيد بناء نفسه على أسس التنظيم والبرنامج والانحياز الواضح لمن صنعوا التاريخ بعرقهم.

هذا الحساب لم يُغلق بعد.

وهذا السؤال لم يُجب عنه التاريخ نهائيًا.

وما جرى… لن يكون آخر الفصول
----------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

لا لطمس الحقائق المؤلمة