05 - 02 - 2026

الصين الصهيونية كما لم نعرفها من قبل (2)

الصين الصهيونية كما لم نعرفها من قبل (2)

في زيارة إسرائيل عام 2013، صرّح وزير الخارجية الصيني "وانج يي" بأنّ البلدين «يتمتعان بتاريخ طويل من الصداقة»، مشيرًا إلى أنّ الشعب الصيني «فتح أبوابه لليهود في الحرب العالمية الثانية عندما أغلقها الآخرون»، مؤكدًا أنّ هذه «الصداقة في المحنة» يجب أن تُنقل إلى الأجيال الشابة(1). 

هذا الخطاب يستدعي ذاكرة تاريخية إيجابية لليهود كضحايا، لكنه يغفل الواقع الراهن: الكيان الذي يمثّلهم اليوم يمارس الاستعمار الاستيطاني والإبادة بحقّ شعبٍ آخر. ما يراه الخطاب الصيني «صداقة في المحنة» يُقرأ في الواقع كتبرير رمزي لشرعية دولة إسرائيل، عبر استخدام التاريخ كغطاء أخلاقي لممارسة القوة، دون أي مساءلة حقيقية عن الظلم الذي يمارسه هذا الكيان اليوم.

تعكس الدراسات حول صورة اليهود في المجتمع الصيني إعجابًا شبه كامل بالذكاء والنجاح الاقتصادي لليهود، وتماهٍ شبه مطلق بين «اليهود» و«إسرائيل». هذا التماهي يخلق بيئة ثقافية تُسهّل تطبيع إسرائيل حضارياً وأخلاقياً في الوعي العام الصيني، في حين يتجاهل الخطاب الرسمي تاريخ الاستيطان القائم على اقتلاع الفلسطينيين واحتلال أراضيهم. الصين هنا لا تتصرف كدولة مراقبة محايدة، بل كطرف مشارك رمزيًا في إنتاج خطاب يبرر الاستيطان ويخفف من حدة الموقف الأخلاقي تجاهه.

على الأرض، يترجم هذا الخطاب إلى مشاركة مادية واضحة. في 2020، نشر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان قاعدة بيانات تضم 112 شركة إسرائيلية ودولية تعمل في المستوطنات المحتلة، ثم توسعت لتشمل 158 شركة من بينها شركات صينية مملوكة للدولة أو مرتبطة بها (2)(3). ليس الهدف فقط ربح تجاري، بل تغلغل رأس المال الصيني في البنية المادية للاستيطان، من الغذاء إلى مستحضرات التجميل والكيماويات الزراعية.

على سبيل المثال، تمتلك شركة "برايت دايري وفود" (Bright Dairy & Food Co)  حصة مسيطرة في شركة الألبان الإسرائيلية "تنوفا "(Tnuva)، التي تعتمد على الحليب المنتج في مستوطنات الضفة الغربية وهضبة الجولان، وتسوق منتجاتها في السوق الفلسطينية الخاضعة للاحتلال (4)(5). كذلك استحوذت مجموعة «فوسون» على شركة "أهافا"(Ahava)  لمستحضرات التجميل، المعتمدة على استخراج طين البحر الميت من الضفة الغربية، حيث كانت مصانعها ومركز الزوار قائمين في مستوطنة «متسبيه شاليم» بالأغوار (6). إضافة إلى ذلك، تدعم شركة "أداما" (Adama) الزراعة داخل المستوطنات في غور الأردن والجولان عبر مبيدات وأسمدة وتجارب بحثية لصالح معاهد استيطانية (7)(8). بهذا المعنى، لا يقتصر الوجود الصيني على علاقات سياسية أو دبلوماسية، بل يمتد ليصبح جزءًا من دورة الحياة اليومية للاستيطان.

مع اندلاع الإبادة في غزة بعد 7 أكتوبر 2023، ظهر التناقض الصارخ بين الخطاب القانوني وحقيقة الممارسة. في مجلس الأمن، التزمت الصين بتعابير عامة مثل «العنف ضد المدنيين» و«الاستخدام المفرط للقوة» و«ضرورة التهدئة» و«الأزمة الإنسانية» (9)، بينما في محكمة العدل الدولية أعلنت أنّ استخدام الفلسطينيين للقوة في مقاومة الاحتلال «حق غير قابل للتصرف، راسخ في القانون الدولي» (10). هذا الموقف مهم لأنه يخلق ثغرة قانونية تحرر المقاومة من تهمة الإرهاب، لكنه يظل محكومًا بالحذر الشديد في توصيف ما يجري في غزة «إبادة جماعية»، رغم استخدام هذا المصطلح من قبل مئات الحقوقيين والمنظمات الدولية والمسؤولين الأوروبيين (11).

يمكن قراءة هذا الحذر بوصفه حسابًا استراتيجيًا بحتًا: الصين تتجنّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وتحافظ على علاقات اقتصادية مع إسرائيل تسمح باستمرار الاستثمارات والتعاون التكنولوجي، بينما تُسقِط فلسطين إلى مرتبة «قضية ثانوية» ضمن سلم أولوياتها للصعود العالمي السلمي. هذا النهج يبرز منطق الدولة الصارم: المصلحة الاقتصادية والسياسية أولًا، والقيم الأخلاقية ثانويًا، ما يجعل موقف الصين أقرب إلى شريك عملي في الاستيطان منه إلى مراقب محايد.

مع ذلك، المجتمع الصيني لا يمكن تجاهله. أصوات يسارية، بعضها يعتمد التحليل الماركسي، تحذّر من اختزال الصين في دور الدولة فقط أو تحويلها إلى «جوهر ثابت» معادٍ لفلسطين. توجد تناقضات بنيوية بين حزب شيوعي تحوّل عمليًا إلى رأسمالية دولة، وطبقات عاملة وفلاحية متضررة، ونخب فكرية وشبابية ترى في فلسطين امتدادًا لتجربتها التاريخية في مقاومة الاحتلال الياباني أو الحرب الأهلية.

 الباحث الصيني تشانج شنج يوضح أن كثيرًا من الناشطين الصينيين يصفون فلسطين بأنها «الصين بالأمس»، ويطلقون على المقاتلين الفلسطينيين تسميات مثل «الهندباء» أو «مقاتلي ريفنا»، في استعارة مباشرة من حرب العصابات الريفية الصينية.

هذا البعد الشعبي والثقافي يفرض على التحليل التمييز بين الدولة والمجتمع، بين السياسات الرسمية وديناميات التضامن الشعبي، دون أن يكون تبرئة للنظام. النقد الصيني لدورها في الاستيطان أو صمتها عن الإبادة لا يعني تجاهل التناقضات الداخلية، بل يتطلب التعامل معها كقوة مادية ملموسة، مسؤولة عن قرارات وسياسات قابلة للمساءلة، تمامًا كما هو الحال مع الولايات المتحدة أو روسيا. ويظل التمييز ضروريًا: بين مجتمع يظهر تضامنًا مع غزة حين يُسمح له، وبين مؤسسات الدولة التي تستثمر مباشرة في مستوطنات الأغوار، ما يؤكد أن المعركة على الصين مستمرة، بين من يريدها قطبًا بديلًا للإمبراطورية الأميركية، ومن يريد استعادة إرثها التحرّري لتكون جزءًا من جبهة أممية حقيقية ضد الاستعمار.
-----------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكير

(المقال بجزئيه عمل مشترك مع الصحفي اللبناني الزميل محمد فقيه).

المصادر: 

[1] Times of Israel، “Chinese state company buys controlling stake in Tnuva”, 22 May 2014؛ وكذلك تقرير رويترز عن الصفقةhttps://www.timesofisrael.com/chinese-state-company-buys-controlling-stake-in-tnuva/ 

[2] Fosun Group, “Fosun Acquires Entire Stake in Israel’s Dead Sea Mineral Skincare Brand AHAVA”, 12 April 2016؛ وAli Abunimah, “Chinese purchase of Israel’s Ahava shows boycott is hurting”, Electronic Intifada, 4 September 2015؛ إضافة إلى مدخل Fosun/Ahava في قاعدة بيانات AFSC. https://en.fosun.com/content/details46_4293.html https://electronicintifada.net/blogs/ali-abunimah/chinese-purchase-israels-ahava-shows-boycott-hurting https://investigate.afsc.org/occupations 

[3] UN Human Rights Office, تحديث قاعدة بيانات الشركات العاملة في المستوطنات، أيلول/سبتمبر 2025، كما نقلته وكالتا رويترز وAP. https://www.reuters.com/world/middle-east/more-than-150-companies-have-ties-israeli-settlements-un-database-finds-2025-09-26/ 

[4] “China–Israel relations”, Wikipedia؛ وGov.il, “Israel and China mark 15 years of diplomatic relations”, 24 January 2007. https://en.wikipedia.org/wiki/China%E2%80%93Israel_relations https://www.gov.il/en/pages/israel-and-china-mark-15-years-of-diplomatic-relations-24-jan-2007 

[5] Wang Yi, “On His Visit to Israel: It is for Friendship, Cooperation and Peace”, Embassy of China in Israel, 24 December 2013. https://tl.china-embassy.gov.cn/eng/xwdt/201312/t20131224_1139129.htm 

[6] Transnational Institute, “Zhang Sheng: Why Chinese Netizens Call Palestinian Fighters ‘Dandelions’”, فيديو وتعريف، 12 March 2025. https://www.tni.org/en/video/zhang-sheng-why-chinese-netizens-call-palestinian-fighters-dandelions 

[7] AFSC Investigate, “Adama Ltd”. https://investigate.afsc.org/company/adama 

[8] Who Profits, “Adama – The Israeli Occupation Industry”. https://www.whoprofits.org/companies/company/6596 

[9] Ministry of Foreign Affairs of the PRC، “Remarks by China’s Permanent Representative to the UN Ambassador Zhang Jun at the UN Security Council Briefing on the Situation in the Middle East, Including the Palestinian Question”. https://www.mfa.gov.cn/eng/xw/zwbd/202405/t20240530_11365740.html 

[10] Middle East Monitor, “ICJ hearing into legal consequences of Israel’s occupation – day 4”, 22 February 2024 (تصريحات ما شينمين). https://www.middleeastmonitor.com/20240222-icj-hearing-into-legal-consequences-of-israels-occupation-day-4/ 

[11] Ihsan Adel & Katherine Gallagher, “Genocide in Gaza: A call for urgent global action”, Al Jazeera Opinion, 12 November 2023. https://www.aljazeera.com/opinions/2023/11/12/genocide-in-gaza-a-call-for-urgent-global-action

مقالات اخرى للكاتب

إبستين وستار الكعبة المشرفة