12 - 03 - 2026

تاريخ حافل لمعرض الكتاب: ربع قرن ذهبي كان فيها "هايد بارك" مصر ثم انطفأ البريق

تاريخ حافل لمعرض الكتاب: ربع قرن ذهبي كان فيها

عام 1969، كانت القاهرة تحتفل بمناسبة مرور ألف عام على إنشائها على يد جوهر الصقلي، وزير الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، وبهذه المناسبة الفريدة التي كانت الدولة كلها تعد لها قرر وزير الثقافة آنذاك الدكتور ثروت عكاشة، أن يكون إقامة أول معرض دولي للكتاب بالقاهرة في يناير 1969 هو خير بدء لاحتفالات العيد الألفي، وعهد إلى الكاتبة والباحثة د. سهير القلماوى، رئيس المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، بالإشراف على إقامة المعرض الذي تم افتتاحه مساء 22 يناير 1969، بأرض المعارض بالجزيرة (المكان الحالي لدار الأوبرا المصرية) بحضور لفيف من الكتاب والمثقفين، ليفتتح للجمهور في 23 يناير 1969.

وكتب الدكتور ثروت عكاشة، فى مذكراته، عن إنشاء المعرض قائلا: “قدم إليّ الفنان عبد السلام الشريف مُقترحاً حول ضرورة إقامة معرض دولى للكتاب فى مصر، وأشرت على المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر بتبنى الاقتراح، فاتصلت بسوق الكتاب الدولى المعروف فى ليبزج، وأرسلت مندوبها الأستاذ إسلام شلبى للتمهيد لإقامة معرض شبيه به على النطاق العربى، ليربطها بحركة نشر الكتاب دولياً، من خلال التعامل مع المشتركين فى معرض ليبزج السنوى، وكان لحماسته الفائقة وكفاءته المذهلة الفضل الأكبر فى نجاح الفكرة . وبدأت نتيجة هذه الإتصالات المثمرة الإعداد لمعرض الكتاب الدولى، الذى أقامته المؤسسة لأول مرة فى يناير 1969 كى تتيح الفرصة أمام الجامعات والهيئات العلمية، للوصول إلى حاجتها من المراجع بأسعار مناسبة. ولقد اشتركت فى هذا المعرض الأول 27 دولة وأكثر من 400 دار نشر، وزارة ما يزيد على سبعين ألف زائر خلال عشرة أيام، هى فترة إقامته”.

كانت هذه الشرارة الأولى لانعقاد معرض القاهرة الدولي للكتاب التي عُقدت الدورة الأولى منه بمشاركة 5 دول أجنبية وحوالي 100 ناشر علي مساحة 2000. واستطاعت أن تحقق نجاحًا كبيرًا استقطب عددًا كبيرًا من الوزار وأحدث رواجًا مهما في صناعة الكتاب.

منفذ بيع

اكتفى المعرض خلال دوراته التسع الأولى، بأن يكون منفذًا لبيع الكتب، ثم تحول بعد ذلك في عام 1978، إلى ملتقى أدبي حيث عقدت في دورة تلك العام، حلقات دراسية على هامش المعرض، وتميزت بنقاشات موضوعية وعميقة تخص موضوعات الأطفال والأهالي، بتنظيم من مركز تنمية الكتاب بالهيئة العامة للكتاب بمساعدة اليونسكو. وفي عام 1982 بدأت الملتقيات الثقافية بشكل رسمي للمرة الأولي. وواصل المعرض انعقاده بشكل دوري في مقره بأرض معارض الجزيرة حتى تم نقله إلى أرض المعارض بمدينة نصر.

في عام 1971 تعرضت دار الأوبرا الخديوية، بمقرها بحي الأزبكية إلى حريق كبير أدى لتدميرها بالكامل بعد أن بلغ عمرها 102 عاماً، وتقرر فيما بعد بناؤها من جديد لكن في مكان آخر، ثم تم اختيار مقر أرض المعارض بالجزيرة لتكون مقرا للأوبرا الجديدة، فانتقلت أرض المعارض لمقرها التالي في مدينة نصر عام 1980، وتم نقل معرض الكتاب إليها لتنعقد أولى دوراته في المقر الجديد عام 1983، وهي الدورة التي حملت رقم الـ16، ليظل ينعقد دوريا هناك على مدار 35 عامًا، حتى عام 2018.

وخلال تلك الأعوام، أصبح معرض الكتاب حدثاً بارزاً في الوسط الثقافي العربي، يستوعب الكثير من الندوات والملتقيات بين الكتاب والشعراء ومتابعيهم 

لكن هناك أحداثا بعينها ظلت محفورة في مسيرة المعرض منها الدورة التي شاركت فيها دولة اسرائيل بعد اتفاقية السلام بأمر من الرئيس الأسبق أنور السادات عام 1981، لكنها لاقت اعتراضات ضخمة ومظاهرات اجتاحت الجناح الإسرائيلي بالرغم من حمايته من قوات الأمن، وكانت مشاركة فاشلة، تكررت بعدها بأربعة أعوام، في العام 1985، عبر جناح أصغر في سرايا العرض فقط، ولكنها منعت تمامًا من المشاركة في عام 1987.

العصر الذهبي

زاد نشاط الندوات والأنشطة الثقافية والمعارض الفنية بدءا من عام 1986 علي إثر مشاركة الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك في المعرض للمرة الأولي، وعقده لقاء مع المثقفين استمر لمدة ساعتين، وواظب بعدها على المشاركة في معرض الكتاب وافتتاحه بشكل دوري، وكان من بين من حضروا وأثروا النقاش فيه شخصيات وضعت بصمة لا تُنسى فى تاريخ معرض القاهرة الدولى للكتاب، منهم: أديب نوبل نجيب محفوظ، المفكر د. زكى نجيب محمود، الكابتن محمود الجوهرى، الكاتب مكرم محمد أحمد، الكابتن حمادة إمام، د. أسامة الباز، المشير محمد عبدالغنى الجمسى، الكاتب محمود السعدنى، الكاتب أسامة أنور عكاشة، الفنانة صفية العمرى، الشاعر فاروق جويدة، الشاعرة الكويتية سعاد الصباح، الأديب ثروت أباظة، الفنان محمد منير، عالم نوبل د. أحمد زويل، الصحفى مفيد فوزى، الفنان عادل إمام، الشاعر السعودى زيد الثقفى، الفنان حسين فهمى، الفنان يحيى الفخرانى، الشاعر محمد عفيفى مطر، الكاتب محمد حسنين هيكل، الشاعر نزار قبانى، المخرج شريف عرفة، رسام الكاريكاتير مصطفى حسين، الشاعر سمير عبد الغنى، الخال عبد الرحمن الأبنودى، المخرج صلاح أبو سيف، الفنان عبد المنعم مدبولى، القاص يوسف إدريس، الروائية رضوى عاشور، المخرج يوسف شاهين، الوزير عمرو موسى، د. مصطفى الفقى، الفنان محمد أبو زهرة، الشيخ محمد الراوى، د. محمد عمارة، الفنان أبو بكر عزت، وغيرهم الكثير..

وفي عام 1992 عُقدت أشهر المناظرات في تاريخ المعرض، حيث أعلنت الهيئة المصرية العامة للكتاب في الأول من يونيو عام 1992 أن هذا العام سيشهد مناظرات حول موضوعات شائكة في معرض الكتاب، تحت عنوان مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وكان أطراف المناظرة الشيخ محمد الغزالي، والمستشار محمد مأمون الهضيبي، والدكتور محمد عمارة، وكان في مواجهتهم المفكر فرج فودة، رئيس حزب المستقبل آنذاك، والدكتور محمد أحمد خلف الله، العضو البارز بحزب التجمع، وأدار المناظرة د. سمير سرحان، رئيس هيئة الكتاب وقتها، وحضرها ما يقرب من 30 ألف شخص.

وشهد المعرض كذلك عدد من الأزمات في دوراته مثل الاحتجاجات الشديدة من قبل الجماعات المتشددة عام 2000 علي بعض المنشورات والكتب الصادرة عن دور نشر حكومية وخاصة والتي تحولت إلى تظاهرات نادرة الحدوث وقتها، كما تعرض بعض الناشرين وباعة الكتب إلي التضييق على كتبهم ومنع بعضها من قبل الدولة عام 2005.

بدءا من العام 2006 بدأت إدارة المعرض باختيار دولة لتكون ضيف شرف المعرض، وكانت الدولة الأولي هي «ألمانيا»، وبدأت للمرة الأولي كذلك فعاليات الدائرة المستديرة، وتم تصنيف معرض القاهرة الدولي للكتاب كثاني أهم وأكبر المعارض على مستوي العالم بعد معرض فرانكفورت، إذ أصبح الملايين يتوافدون على دوراته سنويًا بانتظام.

وفي عام 2010 اتخذ الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قرارا بهدم جميع مباني أرض المعارض تمهيدا لبيع الأرض إلى جهات استثمارية، ومنذ ذلك الحين تحولت صالات عرض الكتب إلى خيم وقاعات عرض مكشوف.

وطوال سنوات المعرض لم يتوقف أو يتم تأجيل أي من دورات المعرض، سوى في دورة واحدة فقط عام 2011، بسبب قيام ثورة 25 يناير، والتي استمرت حتي 11 فبراير، وكان مقررا افتتاح تلك الدورة في 29 يناير، ثم عادت الدورات إلى الانتظام، بدءًا من العام التالي.

وفي عام 2019 انتقل مقر معرض القاهرة الدولي للكتاب من مكانه في أرض المعارض بمدينة مصر، إلى مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس، وذلك في يوبيله الذهبي، إذ افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسى في 23 يناير 2019، ليكون بذلك ثالث الأماكن التى تشهد تنظيم المعرض من بدايته فى عام 1969. وقد تم اختيار شخصيتين للمعرض في يوبيله الذهبي وهما ثروت عكاشة وسهير القلماوي المؤسسين الأولين لمعرض الكتاب.
-----------------------------
تقرير هيباتيا موسى

من المشهد الأسبوعية