04 - 02 - 2026

على نار الحطب تُروى الحكاية.. إبراهيم شعبان يحول الريف المصري إلي مقصد سياحي عالمي

على نار الحطب تُروى الحكاية..  إبراهيم شعبان يحول الريف المصري إلي مقصد سياحي عالمي

في عالمٍ تسوده السرعة، وتتشابه فيه الصور، وتفقد فيه الحكايات روحها وسط زحام “التريند”، يصبح الصدق عملة نادرة، وتتحول البساطة إلى فعل مقاومة.

هنا، تحديدًا، يظهر إبراهيم شعبان كحالة مختلفة، لا تشبه ما حولها، ولا تحاول أن تشبه أحدًا، شاب خرج من قلب الريف المصري، من "الغيط" حيث الأرض تتكلم، والنار تُشعل الحكايات، والإنسان ما زال يحتفظ بملامحه الأولى، ليقدّم للعالم صورة أخرى عن مصر… صورة لم تُلتقط من خلف زجاج الفنادق، ولا صُنعت داخل استوديوهات لامعة، بل وُلدت من رحم الأرض نفسها.

ما يفعله إبراهيم شعبان يتجاوز حدود الطبخ، ويتخطى فكرة المحتوى بمفهومه التقليدي.

هو لا يقدّم “وصفة”، بل يستدعي ذاكرة كاملة؛ ذاكرة القرى، وموائد الأجداد، وأيام كانت فيها البساطة أسلوب حياة لا خيارًا.

في كل مشهد، نرى يدًا تعرف الأرض، ونارًا تعرف الصبر، وأكلًا لا يُطهى فقط ليُؤكل، بل ليُحكى، هكذا يتحوّل المطبخ الريفي من مساحة يومية عادية إلى رسالة ثقافية وإنسانية، تحمل في تفاصيلها هوية مصر الغائبة عن كثير من السرديات الحديثة.

من وسط الغيط، ومن بين أدوات بسيطة وطقوس قديمة، أعاد إبراهيم تقديم الريف المصري باعتباره كنزًا سياحيًا وإنسانيًا لم يُستثمر بعد كما يجب.

كنز قادر، إذا قُدِّم بصدق، على أن يجذب العالم كله، لا بوصفه “فلكلورًا”، بل تجربة حياة حقيقية، يعيشها الزائر بكل حواسه، ويتعلّق بها كما لو كانت جزءًا من ذاكرته الشخصية.

هذا الحوار ليس عن "صانع محتوى"، بل عن مشروع رؤية، وعن شاب قرر أن يتمسك بجذوره في زمن الهروب منها، وأن يجعل من الأرض التي نشأ عليها منصة عالمية، ومن الأكل الريفي لغة يفهمها الجميع.

هنا، يحكي إبراهيم شعبان لـ"المشهد"، رحلته منذ البدايات الأولى، والاختيارات الصعبة، والتحولات المصيرية، وصولًا إلى حلم كبير يسعى من خلاله لتحويل الريف المصري إلى مقصد سياحي عالمي، يحمل اسم مصر كما يجب أن يُحمل… بصدق، وبساطة، وكرامة.

في البداية… من هو إبراهيم شعبان؟

أنا إبراهيم شعبان، 32 عامًا، من قرية تفهنا العزب مركز زفتى بمحافظة الغربية نشأت في بيئة ريفية بسيطة، لكنها مليئة بالتفاصيل الإنسانية الجميلة التي شكّلت شخصيتي ووعيي منذ الصغر، وبقيت جزءًا أصيلًا من تكويني حتى اليوم.

هل كان طريقك واضحًا من البداية؟

لا، لم يكن واضحًا، درست في البداية مجالًا تكنولوجيًا بعيدًا تمامًا عن ميولي الحقيقية، وكان اختيارًا عائليًا أكثر منه قرارًا نابعًا مني.

مع الوقت، شعرت أنني أسير في طريق لا يشبهني، فقررت التوقف وإعادة التفكير، واخترت دراسة السياحة والفنادق، لأنها الأقرب لروحي وطموحي.

متى بدأت علاقتك بالطهي؟

منذ طفولتي. حبي للأكل لم يكن عابرًا، بل شغف حقيقي. كنت أستمتع بالطهي، وأحب تجربة الأكلات البسيطة، وكنت ألاحظ دائمًا إعجاب من حولي بما أقدمه، والدتي كانت تقول إن الأكل من يدي له طعم مختلف، وهذا شجعني كثيرًا.

هل عملت في مطاعم قبل مشروعك الحالي؟

نعم، عملت في مطاعم وأماكن كثيرة، وبدأت من الصفر. تعلّمت خطوة خطوة، واكتسبت خبرات مهمة. لكن هذه التجربة كشفت لي شيئًا مهمًا: الأكل الذي تربيت عليه في الريف، بطريقته البسيطة والموروثة، يحمل روحًا وصدقًا لا يمكن تعويضهما داخل أي مطبخ حديث.

كيف وُلدت فكرة “أكلات الغيط”؟

أنا عاشق للطبيعة والريف والتصوير، كنت أطبخ في نفس الأرض التي نشأت فيها، وسط الغيط والهواء الطلق، وأنا مستمتع بكل التفاصيل.

في لحظة ما، شعرت أن ما أعيشه نعمة حقيقية يجب أن تُوثَّق وتصل للناس، الأكل الريفي له طعم مختلف، والطريقة المصرية القديمة تحمل قيمة كبيرة، خصوصًا للأجيال الجديدة التي لم تعش هذه التجربة.

هل درست التصوير بشكل احترافي؟

لا، لم أدرس التصوير أكاديميًا، لكني مؤمن أن ما يخرج من القلب يصل للقلب.

العين التي تحب الشيء ترى جماله، اعتمدت على الإحساس، وعلى التفاصيل الصغيرة، شكل الطعام قبل إعداده، حركة اليد، شكل الأرض، وروح المكان.

كيف تختار ما تصوره؟

أبحث دائمًا عن الجمال، حتى في أبسط الأشياء. ركّزت على المتعة البصرية، والإحساس بالمكان، وليس الأكلة فقط، أي شيء يمنحني سعادة حقيقية، أشعر أن من واجبي أن أنقله للناس داخل مصر وخارجها.

هل ترى في مشروعك بعدًا سياحيًا؟

بالتأكيد، وهذا أحد أهم أهدافي، أريد أن أُظهر للعالم جمال الريف المصري، وتنوع مصر الحقيقي في الطعام والطبيعة والعادات.

بالفعل تلقيت اهتمامًا من أجانب يرغبون في خوض تجربة سياحة ريفية حقيقية، وهذا أكد لي أن المشروع يخدم السياحة المصرية بشكل مباشر.

هل عُرض عليك العمل خارج مصر؟

نعم، تلقيت عروضًا عديدة، خاصة من دول الخليج، مع توفير أماكن طبيعية للتصوير، لكني رفضت، الريف المصري لا يُصنع ولا يُستنسخ، وما لدينا حقيقي، وأي ابتعاد عن المكان والجذور يفقد المشروع روحه.

ما الرسالة التي تسعى لإيصالها؟

توثيق حياتنا كما هي، ونقل صورة صادقة عن كيف عاش أجدادنا، وكيف كانت البساطة أسلوب حياة، هذه الرسالة أهم عندي من أي شهرة أو عائد مادي، وسأظل متمسكًا بها.

وما خطتك للمستقبل؟

طموحي بلا سقف، أعمل على تطوير المحتوى والتصوير، وأسعى لتحويل المكان إلى مقصد سياحي ريفي متكامل.

حلمي أن يأتي الناس من كل دول العالم ليشاهدوا مصر الحقيقية، مصر الأرض والإنسان والعيشـة الأصيلة.

نري أن إبراهيم شعبان لا يقدّم محتوى، بل يوقظ ذاكرة. مشروعه دعوة صادقة لاكتشاف مصر من بوابة الريف، حيث تتحول البساطة إلى قوة، والطبيعة إلى لغة، والطعام إلى حكاية.

وفي عالم يبحث عن المختلف، يثبت إبراهيم أن الأصالة ليست مجرد ماضٍ جميل، بل مستقبل سياحي واعد، قادر على أن يحمل اسم مصر إلى العالم بكل فخر.