23 - 01 - 2026

انتشار الإسلام في البنغال ينسف نظرية "حد السيف"

انتشار الإسلام في البنغال ينسف نظرية

يمثل دخول الإسلام إلى البنغال صفحة متفردة في سجل تاريخ جنوب آسيا، إذ لم يكن ثمرة غزو عسكري طارئ، ولا نتيجة سطوة السيف، بل جاء حصيلة مسار طويل من التفاعل الإنساني والحضاري، تشكل عبر قرون من التواصل التجاري، والتمازج الثقافي، وأثر الدعوة الأخلاقية الهادئة. وقد تصدر العرب التجار مشهد هذا التحول، فكانوا تجارا في الأسواق، وسفراء للثقافة، ودعاة صامتين بسلوكهم وقيمهم قبل كلماتهم.

وعلى الرغم من شيوع سرديات تاريخية ربطت انتشار الإسلام بالقوة والهيمنة، فإن تجربة البنغال تنهض شاهدا حيا يدحض تلك التعميمات، ويكشف عن نموذج مغاير في الانتشار والتجذر. ومن ثم، تسعى هذه الدراسة إلى إضاءة تاريخ دخول الإسلام وانتشاره في البنغال، من خلال قراءة تحليلية معمقة ومتعددة الأبعاد، في إطار العلاقات التجارية العربية - البنغالية وما انطوت عليه من تفاعل حضاري وإنساني عميق.

البنغال والعرب في خريطة التجارة في العالم القديم:

منذ أزمنة سحيقة، تبوأت البنغال موقعا محوريا على تخوم العالمين الشرقي والغربي، فغدت جسرا نابضا يصل بين حضارتين ومسلكا مفتوحا لتدفق السلع والأفكار. وقد حظي حوض الغانج - براهمابوترا - ميغنا إلى جانب السواحل المترامية على خليج البنغال، بمكانة بالغة الأهمية في منظومة التجارة الدولية في العالم القديم. وليس من قبيل المصادفة أن يرد ذكر إقليم غانغاريدي في خرائط الجغرافي اليوناني بطليموس، بما يحمله من دلالات جغرافية وتاريخية تتقاطع بوضوح مع ملامح البنغال المعاصرة.

وعلى الضفة الأخرى من هذا المشهد البحري الواسع، كان ملاحو شبه الجزيرة العربية، ولا سيما من اليمن وعمان وإقليم الحجاز، يشقون عباب المحيط الهندي مسترشدين بإيقاع الرياح الموسمية، في رحلات موسمية منتظمة نحو الشرق الأقصى. وكانت تلك المسالك البحرية تقودهم عبر ساحل مالابار، قبل أن ترسو سفنهم في موانئ البنغال، حيث تلاقت المصالح التجارية مع وشائج التواصل الإنساني والثقافي. وهكذا، ترسخت بين العرب والبنغال شبكة من العلاقات الاقتصادية والثقافية العميقة، سبقت بزوغ الإسلام بقرون، ومهدت الأرضية لتفاعل حضاري متين امتد أثره عبر العصور.

قبل بزوغ فجر الإسلام، قصد التجار العرب أرض البنغال مدفوعين أساسا باعتبارات التجارة والكسب، غير أن حضورهم لم يكن عابرا ولا محصورا في حدود المبادلات المادية. فقد عاشوا في كنف المجتمع المحلي، وخالطوا أهله، وتعرفوا إلى لغته وعاداته وتقاليده، بل نشأت بينهم وبين السكان علاقات مصاهرة في غير موضع. وبهذا التفاعل الإنساني العميق، لم يعودوا ينظر إليهم بوصفهم غرباء طارئين، بل أضحوا جماعة مألوفة ومقبولة، نسجت بينهم وبين المجتمع البنغالي وشائج الثقة والتعارف.

وقد أسهم هذا القبول الاجتماعي المبكر في تمهيد تربة خصبة لتقبل رسالة الإسلام في ما بعد. ومع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، طرأ تحول جذري على منظومة القيم التي تحكم حياة التجار العرب وسلوكهم، إذ شرعوا يجسدون في معاملاتهم روح القرآن وأخلاقه، فغدت التجارة لديهم مجالا للصدق والأمانة، والوفاء في الكيل والميزان، واجتناب الغش والخداع، وإظهار الرحمة والرأفة بالضعفاء، لتتحول الأسواق إلى فضاءات صامتة للدعوة قبل أن تكون ميادين للربح والكسب.

عاينت الجماهير المحلية في البنغال هذا التحول من خلال تفاصيل الحياة اليومية ومعاملات السوق، حيث لم يبد الإسلام أمامهم خطابا نظريا مجردا أو أطروحة فكرية معزولة، بل تجسد واقعا أخلاقيا حيا يمارس في السلوك والتعامل. ويرى طائفة من الباحثين أن هذا الحضور الأخلاقي العملي كان العامل الأشد أثرا والأكثر فاعلية في ترسخ الإسلام وانتشاره في ربوع البنغال.

وتدل الشواهد التاريخية على أن البدايات الأولى للمراكز الإسلامية في البنغال تشكلت على امتداد السواحل، ولا سيما في شيتاغونغ، وسانديب، وسيتاكوند، وبريشال. وقد مثل ميناء تشيتاغونغ البوابة البحرية الكبرى التي ولج منها التجار العرب إلى هذه الديار، بل يذهب بعض الدارسين إلى أن معالم الاستيطان الإسلامي ومواطن العبادة قد وجدت في هذه المنطقة منذ القرن السابع أو الثامن للميلاد.

وفي تلك الأصقاع، لم يكن العرب مجرد بحارة موسميين أو عابري سبيل، بل اختار كثير منهم الاستقرار الدائم، فأسسوا الأسر، وأقاموا شعائرهم الدينية، وشكلوا حياة اجتماعية متفاعلة مع المجتمع المحلي. ومن خلال هذا الامتزاج الإنساني اليومي، تقدم الإسلام إلى أهل البنغال بوصفه تجربة معيشة ونموذجا أخلاقيا نابضا، تدرك معانيه في الواقع قبل أن تتداول مفاهيمه في المجالس والمناظرات.

كان المجتمع البنغالي نسيجا مركبا، تحكمه انقسامات طبقية وبنى قائمة على التمييز والتراتبية الاجتماعية. وفي خضم هذا الواقع، برزت الرؤية المساواتية للإسلام بوصفها رسالة تحرر وإنصاف، تخاطب وجدان الإنسان قبل عقله. فقد قرر الإسلام مبدأ كرامة الإنسان على أساس التقوى والقيمة الأخلاقية، لا على اعتبارات النسب أو الميلاد أو الانتماء الطبقي، وهو ما جعل خطابه جاذبا لشرائح واسعة من المقهورين والمهمشين الذين أثقلتهم قيود النظام الاجتماعي السائد.

وعليه، لم يكن اعتناق الإسلام في البنغال فعلا فجائيا أو تحولا قسريا، بل مسارا هادئا ومتدرجا، تشكل عبر الزمن، وانتقل من جيل إلى جيل في إطار تحول اجتماعي عميق وسلمي. لقد كان تحولا في منظومة القيم قبل أن يكون تغييرا في الانتماء الديني، ومسيرة إنسانية طويلة أعادت صياغة علاقة الفرد بالمجتمع، والإنسان بكرامته ومكانته.

على الأسس الإسلامية التي أرساها التجار العرب، تفتحت في البنغال آفاق التصوف وازدهر حضوره، ليضفي على التجربة الإسلامية بعدا روحيا عميقا ومتجذرا في الواقع المحلي. فقد نجح المتصوفة في وصل المعاني الروحية للإسلام بلغة الناس وثقافتهم، فخاطبوا الوجدان الجمعي بلطف الحكمة وعمق الإشارة، وجعلوا من الدين تجربة معيشة تتغلغل في السلوك والحياة اليومية. وأسهم أعلام التصوف، مثل شاه جلال، وشاه باران، وخان جهان علي رحمهم الله، في توطيد القبول الاجتماعي للإسلام، وتعزيز حضوره بوصفه رسالة رحمة وقيم إنسانية جامعة.

ومن خلال هذا المسار الروحي، تشكلت ملامح الإسلام في البنغال على أسس من التسامح والإنسانية والاعتدال، فغدا دينا قريبا من الناس، منفتحا على التنوع، بعيدا عن الغلو والتشدد. ولا تزال هذه الخصائص إلى يومنا هذا تمثل أحد الركائز الأساسية للهوية الإسلامية في بنغلاديش، وشاهدا على تفاعل فريد بين الروح الدينية والخصوصية الثقافية للمجتمع البنغالي.

إن تاريخ الإسلام في البنغال يقف شاهدا حيا على سقوط ما اصطلح على تسميته بنظرية السيف، إذ تكشف المعطيات التاريخية أن الوجود الإسلامي في عدد من أقاليم البنغال سبق قيام الحكم الإسلامي بمدة طويلة. وهو ما يؤكد أن السلطة السياسية لم تكن المحرك الجوهري لانتشار الإسلام، بل إن التأثير الاجتماعي الهادئ، المتجذر في الحياة اليومية، كان القوة الحقيقية التي دفعت مسيرته وانتشاره.

ويجمع المؤرخون المعاصرون على أن انتشار الإسلام في البنغال لم يكن حدثا طارئا ولا تحولا آنيا، بل مسارا اجتماعيا ممتدا عبر الزمن، تفاعلت فيه التجارة بالأخلاق، وامتزجت الدعوة بالروحانية، لتصوغ معا تجربة إسلامية متكاملة، نمت في كنف المجتمع وتفاعلت مع واقعه.

ولم يكن وصول الإسلام إلى البنغال على أيدي التجار العرب مجرد انتقال في المعتقد الديني، بل تحولا حضاريا عميق الأثر، أعاد تشكيل بنية المجتمع وملامح ثقافته وهويته. فقد تجلت آثار الإسلام في اللغة والأدب، وفي منظومة القيم والقوانين والعلاقات الاجتماعية، لتغدو جزءا أصيلا من نسيج الحياة البنغالية.

ومن رحم هذا التفاعل التاريخي، تبلورت في البنغال ثقافة إسلامية متميزة، استمدت إلهامها من المنابع العربية، لكنها تشكلت في آن واحد على ضوء الواقع المحلي، فاندمجت فيها الأصالة الوافدة بالخصوصية البنغالية، لتنتج نموذجا حضاريا فريدا، ما زال أثره حاضرا في هوية بنغلاديش إلى اليوم.

كان وصول الإسلام إلى البنغال على أيدي التجار العرب ثورة صامتة في ظاهرها، عميقة في جوهرها، تركت بصمتها الهادئة في مسار التاريخ دون ضجيج أو صدام. فقد برهنت هذه التجربة الفريدة على أن الإسلام إنما يبلغ أرسخ آثاره حين يتجلى في الأخلاق، ويتجسد في السلوك الإنساني، ويقدم بحكمة الدعوة وصدق القدوة، لا بسطوة القوة ولا بإكراه السلاح.

وتغدو التجربة البنغالية، في سياق الجدل العالمي المعاصر حول الإسلام وقيم التسامح، نموذجا حضاريا بديلا بالغ الدلالة، نموذجا يقرر أن انتشار الإسلام لم يكن رهينا بحد السيف، بل كان ثمرة صفاء السريرة، ونبل الخلق، وسمو القيم. وهكذا، كان الإنسان بسيرته وسلوكه هو الرسالة الأبلغ، وكانت الأخلاق هي القوة الأعظم التي فتحت القلوب قبل أن تفتح الآفاق.
----------------------------------
بقلم: 
أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي

المراجع:

1. تاريخ الإسلام في بنغلاديش تأليف: عبد الكريم

2. التاريخ الاجتماعي والثقافي للبنغال تأليف: محمد عبد الرحيم

مقالات اخرى للكاتب

انتشار الإسلام في البنغال ينسف نظرية