إذا كنا قد فضحنا الأخطبوط الخارجي وتآمر "أبو ظبي" ومن يحركها من صهاينة وأمريكان، فإن الحقيقة التي لا تقل أهمية، بل تزيد، هي أن القلاع لا تُهزم إلا من داخلها. لا يمكن لمصر أن تواجه خناجر الخارج وجسدها الداخلي منهك، ولا يمكن أن تقطع يد الغدر البعيدة وهي تترك أيادي الفساد القريبة تعبث بقوت الغلابة.
الشعب.. الحصن الأخير الذي لا يخون
ليعلم الجميع، في السلطة وخارجها، أن هذا الشعب هو الوحيد الذي يحمي، وهو الوحيد الذي يصون. الجيوش قد تُستنزف، والتحالفات قد تتغير، لكن "الظهير الشعبي" هو الجدار الذي تتحطم عليه كل المؤامرات. هذا الشعب الذي تحمل ما لا تطيقه الجبال، هو السند الوحيد، وهو الضامن الحقيقي وقت الأزمات.
لذا، فإن "مصالحة الدولة مع الشعب" لم تعد رفاهية، ولا خياراً مطروحاً للنقاش، بل هي فريضة وطنية غائبة. ونقصد هنا المصالحة بكل ما تحمله الكلمة من معنى: مصالحة "البيت الواحد"، حيث يشعر المواطن أن الدولة له، وليست عليه.
اضربوا بيد من حديد.. قبل فوات الأوان
كيف نطلب من المواطن الصمود أمام التحديات الخارجية، وهو يُذبح بسكين الأسعار في الداخل؟ إن الدولة إذا أرادت، استطاعت. نعم، استطاعت أن تضرب بيد من حديد على يد كل من يتآمر من الداخل لسرقة مقدرات البلد.
لابد من بتر يد "مافيا الغلاء" وتجار الأزمات الذين يمتصون دماء البسطاء. الفجوة تتسع بشكل مرعب بين فئة قليلة تزداد ثراءً فاحشاً، وسواد أعظم يغوص في الفقر. هذا التفاوت الطبقي الفج هو "ثغرة" في جدار الأمن القومي أخطر ألف مرة من مؤامرات الخارج. اقطعوا يد الغلاء، وافرموا الفساد، لتعود الثقة المفقودة.
الكرامة.. فعلٌ وليست "إعلانات"
لقد شبعنا من الشعارات البراقة والإعلانات التلفزيونية المستفزة التي تتحدث عن "حياة كريمة" بينما الواقع يصرخ بعكس ذلك. الكرامة ليست أغنية وطنية، ولا لافتة في الشوارع؛ الكرامة "ممارسة وفعل". حين تتحول كلمات "العزة والكرامة" إلى مجرد شعارات جوفاء بلا رصيد، فإنها تفقد معناها، وتتحول -ويا للأسف- إلى مادة للسخرية والمرارة في حلوق الناس.
كيف نتحدث عن كرامة الإنسان وحقه في الحياة، وهو لا يجد حتى "حق الموت"؟!
إنها مأساة تدمي القلب وتعرّي الواقع؛ في بلد تشكل الصحراء 90% من مساحته الشاسعة، يعجز المواطن عن إيجاد "حفرة" تستر جسده بعد الموت! كيف تبيع الدولة المقابر بمئات الآلاف من الجنيهات لمواطن طحنته الحياة؟ ألا يكفي أنه لم يجد متراً يمتلكه وهو حي، ليُحرم منه وهو ميت؟ أي كرامة هذه التي تُسعر فيها الرمال والتراب بأثمان القصور؟
عودوا إلى الشعب.. فهو الباقي
رسالتنا الأخيرة
إن من يريد حماية مصر من أطماع إسرائيل ومكر الإمارات وخبث الغرب، عليه أولاً أن يحتمي بشعبه. لا تراهنوا على صبر الناس للأبد، بل راهنوا على "كرامتهم".
أوقفوا بيع الوهم، وأوقفوا بيع التراب. لابد أن تعود الدولة للشعب وبشكل فوري. أعيدوا للمواطن نخوته وعزته بأن توفروا له حياة تليق بآدميته، ومماتاً لا يذل ورثته. الشعب هو الرقم الصعب الذي لا يمكن كسره، فصالحوه، واعدلوا بوصلتكم نحوه، واضربوا الفساد بسيف القانون الباترا.. حينها فقط، لن تقدر قوة على وجه الأرض أن تنال من مصر.
الشعب هو السيد.. والشعب هو الحل.
------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري







