لم يكن أحمد الشرع، رئيس سوريا الانتقالي، في حاجة للتصريحات التي أدلى به في لقائه مع وفد رجال الأعمال المصريين ليؤكد أن سياساته لا تستهدف شيئا سوى إعادة انتاج نظام البعث في عهد آل الأسد، ولكن في ثوب أيديولوجي جديد، سلفي جهادي هذه المرة، وبالاعتماد على القوة المسلحة للجيش الفصائلي الذي استبدلت فيه القاعدة الاجتماعية للنظام السابق بقوات مسلحة أجنبية من فصائل الجهاديين الأجانب الذي شاركوا في الإطاحة بنظام الأسد، وبالاعتماد على دعم قوى خارجية إقليمية، لاسيما تركيا وقطر، وأخرى دولية على رأسها الولايات المتحدة ودول أوروبية، والتي تمد له يد العون والمساندة. لكن سعيه للاستئثار بالسلطة وإحكام قبضته على مقاليد الحكم في سوريا قد يكلفه، هذه المرة، سوريا بحدودها المعروفة منذ أن أعلن المؤتمر السوري العام استقلالها في الثامن من مارس عام 1920، وبعد الحصول على استقلالها العام عن فرنسا رسميًا في عام 1946. والكيانات الخمس التي اتحدت ضمن الجمهورية السورية لتشكل دولة مركزية، تضم داخلها مكونات قومية وعرقية وثقافية ودينية متنوعة، مما يجعل البلاد أشبه بلوحة فسيفساء متباينة الألوان والتكوينات.
قد يتحقق على يد الرجل وحكومته الانتقالية، ونتيجة سياساته، حلمًا راود قادة إسرائيل منذ نشأتها، وهو أن تكون دولتهم محاطة بدويلات وإمارات طائفية متنازعة ومتحاربة مما يوفر لها هامش حركة يمكنها من تحقيق أهدافها وإحكام سيطرتها على المشرق العربي، ومنطقة الشرق الأوسط من ورائه. ونتيجة لسياسات الشرع لفرض سيطرته قد تضيع سوريا الموحدة والتي حلمت نخبتها، منذ الاستقلال، وطوال فترات حكم البعث، بالوحدة العربية. غير أن سياسات حزب البعث السوري وتحالفاته الإقليمية، وأطماعه في لبنان وفلسطين والأردن، التي يرى أنها جميعا تشكل إقليم سوريا الكبرى، علاوة على خلافه المرير مع نظام البعث العراقي بزعامة صدام حسين، كانت تمضي في اتجاه مغاير تمامًا ضد الوحدة وضد القضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
قد نكون في سوريا أمام صيغة أخرى تبقي على ملامح نظام الأسد، باعتباره الأكثر استقرارًا في تاريخ سوريا من حيث الفترة التي أمضاها السلطة دون منازع، عنوانه هذه المرة هو استمرار "الأسدية بدون الأسد"، كصيغة بديلة لاستحقاق الديمقراطية المؤجل إلى أجل غير مسمى، لاسيما أن ما يعرف في تاريخ سوريا بالفترة الليبرالية، اتسمت بالانقلابات العسكرية المتكررة الذي حرمت سوريا ما بعد الاستقلال من الاستقرار السياسي المنشود، الأمر الذي أفقد قطاعات واسعة من السوريين إيمانهم بالديمقراطية كنظام للحكم، وهو اقتناع يعززه النظام الاجتماعي المتمركز حول الطائفة والعرق والعشيرة، والذي يجعل بناء توافق عام فيما بين السوريين حول أسس العقد الاجتماعي والسياسي لبناء دولة وطنية أمراً بعيد المنال وخارج أي تصور عملي في الأمد المنظور. لذلك تفضل الطبقات الوسطى في المدن نظاماً شبيها بنظام الأسد يحقق لهم الأمن على حساب الحرية. في ظل هذه الصيغة يكون إغراء التأسيس لاستبداد جديد أقوى من أشواق الحالمين بالحرية والديمقراطية.
معضلة بناء الدولة الوطنية
هناك عاملان رئيسيان يعرقلان مشروع بناء دولة وطنية في الحدود الحالية لسوريا. العامل الأول جغرافي بحدود هذه الدولة. فسوريا كانت تشمل حتى القرن العشرين مساحة أوسع مما هي عليه اليوم، وهذه المساحة هي الأساس لما يعرف بمشروع "سوريا الجغرافية" أو "سوريا الكبرى". ويزيد هذه المشكلة تعقيدُا أن ما يعرف بسوريا الطبيعية أو الجغرافية، والتي تشمل بلاد الشام أو الهلال الخصيب كانت طوال معظم الفترات التاريخية جزءًا من دولة أكبر أو إمبراطورية. واقتطعت مساحات كبيرة من هذه المنطقة، ألحق بعضها بدول أخرى، وأقيم على البعض الآخر دول مستقلة في سياق السياسات الاستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا وتركيا العثمانية. ففي عام 1920، نصّت معاهدة سيفر بين تركيا وفرنسا على اعتبار أراضي شمال سكة حديد إسطنبول - بغداد، تابعة لتركيا، وهي منطقة مؤلفة من أكراد وسريان وأرمن وعرب، وذات صلة اجتماعية واقتصادية بحلب. وفي سبتمبر 1920، فصلت أربعة أقضية، أهمها بعلبك والبقاع عن دمشق، وألحقت بمتصرفية جبل لبنان التي كانت تتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1860، لتشكيل ما بات يعرف بدولة لبنان الكبير. وفي العام ذاته، تم فصل ما كان يعرف باسم سوريا الجنوبية، تحقيقًا لاتفاقية سايكس بيكو، ومنح لبريطانيا التي أقامت فيه إمارة شرق الأردن، إرضاءً للهاشميين بعد أن خسر الملك فيصل حكم دمشق. وفي عام 1937 فصل الانتداب الفرنسي لواء إسكندرون عن سوريا ومنحه حكمًا مستقلاً، وضمّته تركيا إليها في عام 1939، بحجة كون سكانه من الأتراك، رغم أنّ الأتراك نسبة لا تتجاوز 40% من سكانه، وهو اللواء الذي اعتبرته الحكومات السورية المتعاقبة أرضًا سورية محتلة. وبعد الهزيمة حرب 1967 احتلت إسرائيل الجولان.
في المقابل، كانت هناك محاولات عديدة للتوحيد أبرزها مشروع الملك عبد الله الأول عن سوريا الكبرى عام 1947، ومشروع حزب الشعب للوحدة مع العراق عام 1950، وهذه المحاولات فضلًا عن أيديولوجية حزب البعث الرامية إلى تحقيق وحدة مع جميع الدول العربية، وأيديولوجية فصائل الإسلام السياسي، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير، وما تفرع عنهما من فصائل، الرامية إلى استعادة الخلافة الإسلامية، تجعل أراضي الجمهورية السورية الراهنة أقل بكثير من طموحات السوريين لما يمكن أن يشكل الدولة السورية.
إلى جانب هذا العامل الجغرافي والسياسي، هناك عامل آخر ديموجرافي وثقافي، يطرح تساؤلات فيما يخص تعريف الأمة السورية، وصياغة وحدة إقليمية تمنح حقوقا متساوية للمقيمين في الدولة السورية. ويجسد الأكراد في منطقة شمال شرق سوريا على الحدود السورية مع العراق وتركيا، والذين يعتبرون جزءًا من الأمة الكردية في البلدين، لم يكن معترف بوجودهم في سوريا حتى مطلع الألفية وكانوا محرومين من أبسط الحقوق المدنية كمواطنين سوريين، وخضعوا مثل السوريين الآخرين لحكم الأسد البعثي الاستبدادي منذ عام 1970، الذي اعتمد في سيطرته على البلاد وقمع السنة الذين يشكلون نحو 60 بالمئة من سكان سوريا على دعم الطائفة العلوية النصيرية، وهم أقلية، وعلى دعم أقليات عرقية ومذهبية أخرى أقل عدداً وتأثيراً. فيما ظل الدروز الذين يسكنون مرتفعات الجولان ومحافظة السويداء في جنوب وجنوب غرب سوريا، ولديهم روابط قوية مع الدروز في لبنان وفي فلسطين المحتلة، معزولين نسبيًا عن بقية مكونات المجتمع السورية. في ظل وضع كهذا، يصعب تصور نموذج للحكم وبناء الدولة غير نموذج الدولة الديمقراطية التي تمنح حقوقًا متساوية للمواطنين والتي تسمح للتنافس الحزبي على أسس سياسية وتشكيل أحزاب متعددة الأعراق، ذلك أن إصرار أي جماعة على الاستئثار بالسلطة وتهميش الجماعات الأخرى، هو صيغة مؤقتة ولا تؤسس لمستقبل مستقر، وبدون ذلك سيكون أي حديث عن بلورة هوية وطنية سورية على أساس المواطنة شعاراً بلا مضمون.
السعي وراء سراب الهيمنة
في ظل وضع كهذا، فإن حكومة الشرع الانتقالية التي تسعى إلى السيطرة على الدولة السورية، وغيرها من القوى والفصائل الإسلامية مثل داعش، أو أي فصيل آخر غير إسلامي، استنادا إلى قوة السلاح والدعم الخارجي، إنما تسعى وراء سراب وتنخرط في مهمة باتت شبه مستحيلة في ظل التحولات التي جرت داخل سوريا وأيضًا في ظل التحولات الإقليمية. لقد وضع نظام الأسد من أجل استمراره في السلطة سوريا في قلب معادلات إقليمية ودولية أدت إلى تفكيك المجتمع السوري وتشتت ولاءاته بين ولاءات جهوية داخلية، وبين ولاءات خارجية وإقليمية جرى تفكيكها في سياق حرب غزة وسعي إسرائيل إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يحقق لها سيطرة أمنية على الأرض ويمنع تشكل جبهات معادية على حدودها، على غرار ما حدث إبان حكم الأسد أو مع جماعة حزب الله في لبنان، حيث تشكلت فصائل مسلحة مدعومة من إيران فيما عرف بمحور المقاومة. وتوسع إسرائيل تهديداتها لتشمل العراق واليمن وإيران ذاتها، وتحظى في ذلك بدعم أمريكي غير محدود.
وتحظى حكومة الشرع بدعم أمريكي، فيما قامت إسرائيل بتدمير القدرات العسكرية السورية بعد انسحاب الجيش الوطني السوري وتفككه نتيجة للحرب الأهلية وسياسات بشار الأسد، قبل الإجهاز عليه في الأسابيع الأخيرة من عام 2024 على يد هيئة تحرير الشام المؤلفة من فصائل جهادية مسلحة متعددة الجنسيات. ووسعت إسرائيل احتلالها للجنوب السوري وراء حدود اتفاقية فك الاشتباك في عام 1974، فأعادت احتلال القنيطرة لتفرض سيطرة كاملة على مرتفعات الجولان الذي أعلنت السيادة عليه في مطلع الثمانينات، وتفرض سيطرة أمنية في مناطق في السويداء وفي ريف دمشق. الملاحظ أن إسرائيل في تفاوضها مع النظام الجديد في سوريا تركز على الترتيبات الأمنية ولا تظهر أي نية للانسحاب من المناطق التي احتلتها. كذلك تستغل إسرائيل ورقة الأقليات للضغط على الدولة السورية. وعلى الرغم من هذا الوضع المأزوم، لا تظهر حكومة الشرع أي نية للتحرك من أجل بناء نظام وطني يعبر عن مكونات المجتمع السوري بما يسمح بتشكيل حكومة وطنية تعمل على توحيد السوريين ضمن صيغة ديمقراطية تمنح المواطنين حقوقًا متساوية وتفتح لبناء دولة وطنية وجيش وطني. وعلى ما يبدو أنها لا تملك قرارا لتحقيق هذه المهمة، وإنما الأمر بيد تركيا التي تتقدم لاقتسام ما تبقي من سوريا وتسعى لإحكام سيطرتها المباشرة على شمال البلاد لتطويق قوات سوريا الديمقراطية ومواجهة ما تتصور أنه خطر كردي. ولا يمكن فهم الاشتباكات التي بدأتها قوات الشرع في حلب بعيدا عن هذا السياق ولتعويض فشل في السويداء ومع الدروز، خصوصًا في ظل العلاقات المتنامية بينهم وبين الدروز في إسرائيل وبسبب التدخل الإسرائيلي المباشر.
إن ما يجري في سوريا له تداعيات خطيرة على المشرق العربي وعلى مجمل البلدان العربية، ويستدعي تحركًا مصريًا وعربيًا ضاغطًا وتوفير مظلة عربية تحول دون تفكك الدولة السورية، وما قد يترتب على هذا التفكك من زعزعة الاستقرار الوطني والإقليمي. في وضع كهذا، لا تكفي عبارات الشرع التي سعى من خلال لدغدغة المشاعر باستدعاء الخبرة الناصرية، فمصر التي دخلت مع سوريا في عام 1958، تعلمت من الدرس القاسي حين صدقت الشعارات لتصحو على حقيقة استغلالها لتصفية حسابات سياسية داخلية في سوريا، والأرجح أنها لن تكرر الخطأ، ولابد هناك من إظهار أن الدعم المصري والعربي لسوريا وليس لحكومة الشرع الانتقالية وأن تترجم هذه الدعم بربطه بخطوات تتخذ لبناء مستقبل ديمقراطي ووطني لسوريا.
----------------------------------
بقلم: أشرف راضي






