16 - 01 - 2026

هل تُهدّد لجنة إدارة غزة الجديدة وحدة النظام السياسي الفلسطيني؟

هل تُهدّد لجنة إدارة غزة الجديدة وحدة النظام السياسي الفلسطيني؟

مع الإعلان عن تشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” في القاهرة، عاد سؤال مركزي إلى الواجهة، هل تمثّل هذه اللجنة خطوة انتقالية نحو إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، أم بداية مسار يفصل غزة إداريًا وسياسيًا عن الضفة الغربية؟، بين الضرورة الإنسانية وهواجس الانفصال الناعم، فالإجابة ليست بسيطة، لأن اللجنة التي يجري تسويقها بوصفها “تكنوقراطية”، لا تتبع مؤسسات السلطة الفلسطينية رسميًا حتى الآن، وفي الوقت نفسه تحظى بدعم دولي واسع باعتبارها الحل الوحيد القابل للعمل في مرحلة ما بعد الحرب. أما عن غياب السلطه وحضور المجتمع الدولي، يبدو واضحًا أن المجتمع الدولي - وتحديدًا الولايات المتحدة ومصر وقطر والاتحاد الأوروبي - فقد ثقته في قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة غزة بصورة فورية.

هذا ليس حكمًا سياسيًا بقدر ما هو تقييم واقعي لغياب البنية الأمنية في غزة، وتردد السلطة نفسها في تولّي إدارة القطاع دون ضمانات حماية، ودون رؤية واضحة للتعامل مع إرث ما قبل الحرب وما بعدها.في هذا الفراغ، خرجت “اللجنة الوطنية” لتصبح الحامل المؤقت للخدمات الأساسية: الصحة، التعليم، الكهرباء، المياه، البلديات، والعدل وهي قائمة على أسماء من غزة، مشهود لها بالكفاءة المهنية أكثر من ارتباطها الحزبي، لكنها لا تعمل تحت مظلة السلطة الفلسطينية حتى الآن، بل تحت إشراف مباشر من القاهرة ورعاية دبلوماسية أميركية - قطرية.وهي لجنة ضرورية لكنها ليست بلا ثمن، قد تكون هذه اللجنة ضرورة لا بد منها لضمان استمرار الخدمات في قطاع دُمّر بنسبة تقارب 70%، لكنّها تفتح الباب لأسئلة جوهرية تتجاوز الجانب الإنساني.

أولاً: هل تمتلك اللجنة شرعية سياسية؟، الشرعية الوحيدة هنا هي شرعية “الحاجة” وملء الفراغ.

وفي السياسة، الشرعية المؤقتة إذا طال أمدها تتحول إلى شرعية أمر واقع، فهل يمكن أن تتحول إلى إدارة مستقلة؟، نعم - إذا لم تُربط رسميًا بالسلطة في رام الله خلال الأشهر المقبلة، و نطرح سؤالا آخر هل يمكن أن تضعف اللجنة السلطة الفلسطينية؟

كل يوم تدير فيه اللجنة قطاعًا كان يفترض بالسلطة إدارته، ينتقص جزء من شرعية رام الله.

المعادلة الحساسة أصبحت تتلخص في الخدمات مقابل السيادة، حيث يواجه الفلسطينيون هنا مفاضلة صعبة، الخدمات فورًا أم السيادة أولًا؟

المجتمع الدولي اختار “الخدمات أولًا” لدوافع إنسانية وسياسية، خصوصًا مع الضغط الأميركي لإنهاء حالة انهيار غزة بشكل يفتح الطريق لـ"مجلس السلام" الذي يتوقع أن يعلنه الرئيس ترامب خلال الأيام القادمة. لكن هذا الاختيار - مهما كانت ضرورته - يحمل مخاطره.فإذا أصبحت اللجنة جهازًا إداريًا فاعلًا دون إطار وطني جامع، ستنشأ بيروقراطية جديدة، سلطة محلية وقيادة تكنوقراطية من غزة وقنوات مباشرة مع الدول المانحة وهذا هو الشكل الكلاسيكي لـ “الانفصال الناعم” لا إعلان سياسي ولكن واقع يتشكل يومًا بعد يوم.

فإن مصر تريد استقرارًا وإدارة مدنية فعّالة تمنع الفوضى وتمدّد الجماعات المسلحة، وتعمل القاهرة لدمج اللجنة في بنية السلطة لاحقًا، وليس الآن، أما الولايات المتحدة تركّز على ضمان عدم عودة حماس، وحماية المسار السياسي المرتبط بـ“مجلس السلام”، وتأمين تدفق المساعدات.

ولعل السلطة الفلسطينية تخشى أن تتحول اللجنة إلى بديل عنها، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للدخول إلى غزة دون ضمانات سياسية وأمنية، لذلك تفضل الأطراف الضامنة نموذج إدارة انتقالية مستقلة نسبيًا، تشبه “آلية إعادة إعمار 2014”، مع دور دولي قوي. ويستفيد الكيان من وجود جهة مدنية غير سياسية تدير غزة دون تكلفة أمنية، ودون صدام مباشر مع السلطة أو عودة حماس، فإنا لازلنا عند أسئلة محيرة، ماذا يعني هذا لمستقبل غزة؟ والمشهد الحالي يؤسس لحالة “هجينة” لا سلطة فلسطينية كاملة، ولا انفصال معلن، ولا وصاية دولية رسمية وهي حالة يمكنها أن تتطور في اتجاهين، أولا الاندماج عبر ربط اللجنة رسميًا بالحكومة الفلسطينية الجديدة (إن شُكّلت)، ثم وضع جدول زمني واضح لتسليم الوزارات. والانفصال التدريجي، يعني استمرار اللجنة في العمل بمعزل عن مؤسسات السلطة، ما يؤدي خلال عام إلى نشوء “إدارة غزة المستقلة” فعليًا، حتى لو لم يتم الإعلان عن ذلك.

إن اللجنة الوطنية لإدارة غزة ليست مجرد ترتيب إداري بل خط المعركة الأول في تحديد شكل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.

الفراغ الذي تملؤه اليوم كان يجب أن تملؤه السلطة.

وما لم تستطع السلطة استعادة هذا الدور أو احتوائه، فقد تجد نفسها أمام واقع يتشكل ببطء، وواقع يتضمن كيانًا إداريًا في غزة، منفصلًا بالوظيفة وإن لم ينفصل بالاسم.

وفي الشرق الأوسط، كثير من الانقسامات الكبرى بدأت هكذا، إدارة مؤقتة تحولت إلى كيان دائم.

تواجه السلطة الفلسطينية واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخها منذ تأسيسها. فالأمر لم يعد مجرد تفاوض على ترتيبات إدارية داخل غزة، بل يتعلق بإعادة تشكيل موقع السلطة نفسه داخل النظام السياسي الفلسطيني. أمام القيادة في رام الله ثلاثة خيارات استراتيجية واضحة:

الخيار الأول، هو الاحتواء المبكر للجنة إدارة غزة، ويتم ذلك عبر فرض صلة مؤسسية مباشرة بين اللجنة ومكتب رئيس الوزراء أو وزارة الشؤون المدنية. هذا الخيار يحفظ وحدة النظام السياسي، لكنه يتطلب قبولًا دوليًا وإرادة فلسطينية واضحة لا تزال غائبة حتى الآن. اما الخيار الثاني تشكيل حكومة تكنوقراط كاملة تتسلم ملفات الضفة وغزة معًا.

هذا السيناريو يخلق “مظلة وطنية” تحتمي تحتها اللجنة، ويمنع تحوّلها إلى جهاز مستقل. لكنه يتطلب موافقة الفصائل الكبيرة - وخاصة فتح - على تقليص نفوذها داخل الحكومة، وهو ما لا يبدو مضمونًا في الوقت الحالي.

والخيار الثالث يتضمن الانتظار وتجنّب الانخراط المباشر، وهو خيار قائم على حسابات داخلية في رام الله، لكنه أخطر الخيارات جميعًا. فترك الساحة لـ"هندسة دولية" لمستقبل غزة يعمّق من تآكل السلطة، ويمهّد إلى واقع جديد قد يتجاوزها بالكامل.

شكل الحكومة التكنوقراط المتوقعة في المرحلة المقبلة

إذا مضت القاهرة وواشنطن في مسار تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراط، فإن ملامحها المحتملة باتت شبه واضحة. الحكومة ستكون صغيرة، ذات طابع إداري – اقتصادي، خالية من الرموز الثقيلة لفتح والفصائل، وتركّز على ملفين أساسيين: إعادة الإعمار وإعادة بناء مؤسسات غزة. ستضم الحكومة وزراء متخصصين وسيكون دورها الأساسي هو توحيد البيروقراطية الفلسطينية، ودمج اللجنة الوطنية لإدارة غزة ضمن هياكلها بصورة تدريجية.

الأهم أن هذه الحكومة ستكون محكومة بمعادلة دقيقة: أن تعمل بفعالية دون أن تظهر كأداة أميركية أو امتداد للجنة غير المنتخبة. فإن نجاحها مشروط بتوفير بيئة أمنية مستقرة في غزة، وبضمانات سياسية من القاهرة وواشنطن تقيها من الصدام مع اللاعبين المحليين.

وتلعب القاهرة وواشنطن الدور الأكثر حساسية في منع انزلاق المشهد إلى “انفصال ناعم” بين غزة والضفة، لذلك مصر بخبرتها الطويلة مع الملف الفلسطيني تعرف أن أي إدارة مستقلة لغزة خارج إطار السلطة ستعيد إنتاج سيناريوهات خطرة تمتد إلى سيناء والمنطقة بأكملها. لذلك، تفضّل القاهرة دمج اللجنة في إطار فلسطيني موحّد، ولكن بخطوات محسوبة، حتى لا تتسبب في فراغ جديد أو صدام داخلي.

أما الولايات المتحدة فتنظر إلى غزة بعد الحرب باعتبارها “اختبارًا سياسيًا” لمرحلة ما بعد ترامب، وتخشى أن يؤدي استمرار اللجنة خارج إطار السلطة إلى خلق واقع شبيه بـ"المنطقة الخاضعة لإدارة انتقالية دائمة" على غرار تجارب البلقان.

لذلك، تعمل واشنطن على مسارين متوازيين:

الأول، دعم اللجنة على الأرض لضمان الخدمات والاستقرار؛ والثاني، الضغط على السلطة لتشكيل حكومة تكنوقراط تستطيع استيعاب هذه اللجنة بسرعة، قبل أن تتحوّل إلى كيان مستقل فعليًا.

في النهاية، يتوقف منع الانفصال على نقطة واحدة، هي قدرة القاهرة وواشنطن على دفع السلطة نحو تحمل مسؤولياتها، وقدرة السلطة على استعادة موقعها الطبيعي قبل أن يسبقها الواقع الجديد في غزة.

رغم كل الحراك السياسي والدبلوماسي حول مستقبل غزة، تبقى الحقيقة الأساسية أن لا ضمانات نهائية حتى الآن - لا للسلطة، ولا لغزة، ولا حتى للدول الراعية. و الترتيبات الحالية تعمل في فراغ سياسي لم يُحسم بعد، وتتحكم فيها مجموعة “دهاليز” غير معلنة لكنها فاعلة في صياغة القرارات. هذا وحده يجعل أي ضمانات مستقبلية مرتبطة بتغير المواقف الأميركية والأوروبية، لا بقرارات فلسطينية داخلية. أي تغيير في البيت الأبيض، أو في المزاج الأوروبي، قد يعيد صياغة المشهد من جديد خلال أسابيع.
أما الحقيقة الثانية، أن القاهرة تمسك بمفاتيح العملية، لكنها لا تستطيع فرض حل على السلطة أو الفصائل. دورها توازني، وليس سلطويًا. و هي قادرة على منع الانفصال، لكنها لا تملك وحدها القدرة على فرض الوحدة. لذا تبقى الضمانات “مرنة”، قابلة للتآكل إذا حدث شرخ فلسطيني داخلي. 

أما واشنطن - رغم دعمها لمسار حكومة تكنوقراط - لا تزال مترددة في منح السلطة تفويضًا كاملاً في غزة. هذا التردد يخلق مساحة رمادية تسمح للجنة بأن تنمو وتعمل وتتمدّد، دون إطار شرعي واضح، وهي مساحة خطرة يمكن أن تتحول إلى كيان إداري متكامل إذا طال زمن المرحلة الانتقالية.
وتظل السلطة نفسها جزءا من المعادلة وليست خارجها. فإن انقسام فتح بين تيارات رام الله وتيارات غزة يقلل من قدرة القيادة الفلسطينية على اتخاذ قرار موحّد. وفي غياب وحدة داخلية، تصبح كل الضمانات الخارجية مجرد “نوايا سياسية” لا تُترجم إلى واقع.
وبذلك يصبح المشهد كله قائمًا على توازنات لا على ضمانات، وعلى ترتيبات مؤقتة قد تُستنسخ وتترسخ دون إعلان سياسي واضح، فإن النتيجة أن مستقبل غزة والضفة يتحدد الآن في مساحات “بينية” - لا هي وحدة كاملة، ولا انفصال مكتمل - بل إدارة انتقالية تحتاج إلى قرار فلسطيني جريء وإقليمي ثابت حتى لا تتحول إلى واقع دائم صاغته الظروف وليس الإرادة الوطنية.
------------------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي


مقالات اخرى للكاتب

هل تُهدّد لجنة إدارة غزة الجديدة وحدة النظام السياسي الفلسطيني؟