القرار الأمريكي الأخير بإدراج بعض فروع جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر والأردن ولبنان على قوائم الإرهاب لا ينبغي النظر إليه بإعتباره مجرد إجراء قانوني عابر، بل يبدو وكأنه "طلقة تحذيرية" من العيار الثقيل. فالقرار لا يشمل إدراج الجماعة في كل دول العالم أو بصفة عامة كل أعضائها، بل جاء انتقائياً "جراحياً" استهدف أفرعاً بعينها، إلا أن دلالاته وآثاره السياسية تفتح الباب أمام احتمالية شمول التنظيم الدولي برمته مستقبلاً، ما يضع الجماعة أمام المأزق الأكبر خارجياً في تاريخها المعاصر، بعدما تعرضت للسقوط والعزل عن الحكم في مصر.
ولا شك أن التبعات القانونية لهذا القرار تتجاوز مجرد بعض التدابير والإجراءات مثل المنع من السفر أو تجميد الأموال والأصول، مثلما تضمن قانون قوائم الكيانات الارهابية في مصر، فوفقاً للقانون الأمريكي، ستمنح السلطات الأمريكية تفويضاً بملاحقة الاتصالات والحسابات البنكية وتوسيع دائرة الشبهات لتشمل كل من تربطه صلة بهذا التنظيم. وتكمن المفارقة هنا في أن الجماعة التي لا تملك كياناً رسمياً داخل الولايات المتحدة، ستجد نفسها تحت مجهر "المتابعة، والشك الدائم"، مما سيضع نشاط أعضائها تحت ضغط أمني وقانوني كبير في كل دول العالم.
ولا يمكن قراءة تلك الضغوط الدولية التي تتعرض لها تلك الجماعة بمعزل عن المسار التاريخي لها؛ فالمشهد الذي بدأ بعزلها عن الحكم في مصر عام 2013 لم يكن إلا نتيجة حتمية لعنادها وتعنتها السياسي. ولو أن الجماعة استمعت آنذاك لصوت المعارضة أو للنصائح التي قُدمت لها من شخصيات وطنية، بل ومن الرئيس السيسي نفسه حين كان وزيرا للدفاع، لما آلت أمورها إلى ما هي عليه الآن.
لكن أزمة الإخوان أعمق من مجرد "عناد او سوء فهم أو فشل في إدارة سياسية"؛ فالأزمة هي عبارة عن إشكالية كبرى تكمن في صلب المشروع الذي وضعه لها "المعلم الأول" حسن البنا. هذا المشروع الذي زرع في وجدان أعضائه نوعاً من "التميز الطبقي الديني"، جعل من الفرد الإخواني في نظره ونظر جماعته "جنساً أرقى" من بقية أبناء المجتمع. وفي تلك "العزلة الشعورية" وآثارها، يكمن سر تعطل وتطور الحياة السياسية المصرية لقرابة حوالي سبعة عقود، حالت دون انصهار الجماعة في نسيج الدولة الوطنية.
ورغم الضربات والضغوط المتلاحقة، ما زالت الجماعة تتمسك بخطابها الداخلي التقليدي، مصورةً الفشل السياسي والملاحقات الأمنية على أنها "محن وابتلاءات" لاختبار ثبات أعضائها. هذا الهروب إلى الأمام يعكس عجزاً – أو قد يكون تعنتاً متعمداً من قياداتها – عن المراجعة الحقيقية لأفكارها، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: إلى متى سيصمد هذا الهيكل الفكري والتنظيمي لتلك الجماعة أمام ضغوط أصبحت الآن دولية؟
وهل تمتلك الجماعة الشجاعة للتخلي عن "مشروعها الخاص" والعودة إلى حضن الشعوب التي خرجت منها؟
ولعلي لا أبالغ في القول إن الحل التاريخي لهذه الإشكالية قد لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. وهنا تبرز الحاجة إلى خطوة شجاعة تقودها السلطة في مصر، تحت مظلة دستورية ترفع شعار "المصلحة الوطنية". برأيي، إن الجلوس إلى مائدة وطنية ليس بهدف حل إشكاليات طارئة أو مؤقتة فقط، كملف السجناء أو ملف الموجودين بالخارج، بل بهدف أهم يكمن في وضع آليات تضمن "حل وإذابة" هذا الكيان، وإعادة صهر أفراده في المجتمع كمواطنين بلا تميز ديني أو تنظيمي.
قد يرى البعض في ذلك "مستحيلاً"، ولكن في فقه السياسة وصفحات التاريخ، تظل قيم المصالحة والانصهار الوطني والمساواة بين جميع المواطنين هي الدواء الأمثل للقضاء على الفرقة والشقاق والتمييز بين أبناء الوطن الواحد، مما يضمن سلامة وقوة الدولة وتماسكها وتقدمها، وعلى هذا نصت دساتير الدول في مسيرة رقيها.
---------------------------
بقلم: أسعد هيكل






