بين الغياب والحضور وبين انتظار لا ينتهى وأسئلة لا تجد مجيباً، تظل قصة مصطفى النجار جرحاً مفتوحاً في وجدان الكثيرين. هي ليست مجرد قصة سياسي اختفى، بل هي حكاية إنسان، ابن، وشقيق، وزوج، وأب، وطبيب، وصديق غاب وجهه وبقي أثره يطارد الصمت
في زاويةٍ ما من ذاكرة ميدان التحرير، وفي ركنٍ دافئ من قلوب محبيه، لا يزال مقعد مصطفى النجار شاغراً، لا يملؤه النسيان ولا يكسره اليأس
إن أصعب ما في الاختفاء القسري ليس فقدان الشخص فحسب، بل هو تحول الكيان الإنساني بكل أحلامه وضحكاته إلى "علامة استفهام" كبيرة معلقة في فضاء الزمن
مصطفى لم يكن مجرد اسم في كشوفات السياسة، كان طبيباً يداوي الأسنان والآلام، وشاباً يحلم بوطن يتسع للجميع، غيابه ليس مجرد غياب فيزيائي، بل هو انقطاع مفاجئ لقصة كانت تكتب فصولها بالأمل، حين يختفي إنسان بحجم حضوره، تصبح جدران البيت أكثر صمتاً، وتصبح الضحكات القديمة في الصور مخبأة خلف غيمة من التساؤل المرير: أين هو الآن؟
لا يوجد وجع يشبه وجع "اللا-معرفة" أن تنتظر عودة غائب وأنت لا تملك له خبراً، هو وقوفٌ دائم على حافة الهاوية لعائلته ولأطفاله الذين يكبرون في غيابه، ولأصدقائه الذين يفتقدون نبرة صوته العاقلة، يبدو الزمن كأنه توقف في تلك اللحظة التي انقطع فيها الاتصال
كل باب يُطرق هو أمل كاذب، وكل هاتف يرن هو نبضة قلب متسارعة، وكل دعاء في جوف الليل هو رسالة بريد سماوية تطلب الطمأنينة لقلبٍ غيّبه الضباب
إن جريمة تغييب الأشخاص قسراً هي محاولة لمحو أثرهم من الوجود، لكن المفارقة تكمن في أن الغياب القسري يجعل الحضور أكثر كثافة. مصطفى النجار اليوم ليس مجرد شخص مختفٍ، إنه رمز لكل الذين دفعوا ثمن أحلامهم من حريتهم وأعمارهم، إنه تذكير دائم بأن الحق في الوجود، والحق في الأمان، والحق في أن يعرف الأهل مصير ذويهم، هي حقوق لا تقبل التأويل أو النسيان
سيبقى مصطفى النجار حاضراً في كل سطر كتبه، وفي كل فكرة غرسها، وفي عيون أطفاله الذين ينتظرون يوماً تشرق فيه شمس الحقيقة. فالأجساد قد تُغيبها الجدران والظلمة، لكن الأرواح الحرة تظل تحلق فوق الأسوار، تهمس في أذن الضمير الإنساني بكلمة واحدة: "الحرية
سيظل مصطفى النجار في يقين عائلته وكل رفاقه حياً يرزق، يتنفس معهم في كل فجر، ويشاركهم تفاصيل يومهم الصغير، فالحب لا يعترف بالغياب الذي لا دليل عليه. بالنسبة لقلب أمه، وعيون أطفاله، وروح رفيقة دربه، مصطفى ليس "خلفنا" في الماضي، بل هو "أمامنا" في انتظار اللقاء
إنهم لا يطلبون معجزة، بل يطلبون حقهم الإنساني
الفطري في اليقين. فبينهم وبين العالم ميثاقٌ غليظ، قوامه أن الغياب القسري سيبقى مجرد "انتظارٍ طويل" إلى أن تنطق الحقيقةُ وحدها بأدلة موثقة لا تقبل التأويل، وتكشف عما وراء الضباب بيقينٍ يقطع دابر الشك
وحتى تلك اللحظة، سيظل مصطفى حاضراً، مخفياً بقرارِ من غيّبوه، لكنه حيٌّ بقرارِ من أحبوه. سيبقى صوته يتردد في أروقة الذاكرة، ووجهه مطبوعاً على جدران الصبر، كمنارة لا تنطفئ حتى تعود السفينة إلى شاطئها، أو تُخبرنا الأمواج -بالدليل القاطع- أين استقر بها المقام.
----------------------------------
بقلم: خالد علي
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)






