14 - 01 - 2026

برلمان المال السياسي 2026

برلمان المال السياسي 2026

في كل تجربة انتخابية، يبرز السؤال الأهم: من يمثل الناس حقًا؟ الأرقام قد تبدو براقة، والمقاعد قد توحي بقوة حزبية طاغية، لكن التمحيص يكشف غالبًا واقعًا مغايرًا. ففي الحالة المصرية، لا يمكن فهم الحجم الحقيقي للأحزاب إلا عبر التفرقة الواضحة بين ما هو «فردي» وما هو «قائمة»، فهنا تحديدًا تتكشف الأقنعة وتسقط الادعاءات.

المقاعد الفردية تظل – نسبيًا – التعبير الأقرب عن إرادة الناخب، إذ تمنح المرشح ثقة مباشرة من الشارع. أما القوائم، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى صيغة أقرب للتعيين المقنّع منها إلى الاختيار الشعبي. وحين نستبعد مقاعد القوائم من رصيد كل حزب، سنكتشف أن ما يُسمى بالأغلبية البرلمانية لم يولد من رحم الصناديق، بل صُنع في غرف مغلقة، وفق قانون انتخابي يتيح الحسم شبه المسبق، حيث يكفي تجاوز نسبة 5% من الأصوات لتفوز قائمة كاملة دون منافسة حقيقية.

الأرقام هنا لا تكذب، لكنها تفضح طريقة استخدامها. حزب مستقبل وطن، مثلًا، حصد 227 مقعدًا، لم يأتِ منها عبر الفردي سوى 106 مقاعد، بينما جاءت 121 عبر القوائم. حزب حماة وطن حصل على 87 مقعدًا، منها 33 فردي و54 قائمة. الجبهة الوطنية نالت 65 مقعدًا، 22 فقط منها فردي. القاسم المشترك واضح: أغلبية عددية واسعة تقابلها قاعدة شعبية محدودة. الاستثناء شبه الوحيد هو حزب النور، الذي حصد مقاعده الستة كلها من الفردي، ما يمنحه – بغض النظر عن الموقف منه – وزنًا سياسيًا حقيقيًا.

من هنا تتضح القاعدة الأساسية: قوة الأحزاب تُقاس بما تحققه في الدوائر الفردية، لا بما يُمنح لها عبر قوائم مُصمَّمة سلفًا. القوائم الحالية لم تعكس تنوع المجتمع ولا حيويته، بل عكست نفوذ المال السياسي وقدرة بعض الكيانات على الاقتراب من مركز القرار أكثر من اقترابها من المواطنين.

والنتيجة برلمان 2026 الذي يبدو، في كثير من مشاهده، برلمان المال السياسي بامتياز. مجلس يضم عددًا كبيرًا من نواب يفتقرون للخبرة السياسية والرؤية، دخلوا البرلمان بوصفهم جزءًا من «تشكيلة» جاهزة، لا اختيارًا شعبيًا واعيًا. وفي المقابل، تُستبعد قامات سياسية وقانونية واقتصادية راكمت خبرات لعقود.

الخطر لا يقتصر على ضعف التمثيل، بل يمتد إلى تشريع بلا نقاش حقيقي، ورقابة شكلية، وحياة حزبية تتحول إلى ديكور. فبرلمان لا يشبه شعبه، مهما بدا قويًا بالأرقام، يظل هشًا في جوهره… وتلك حقيقة لا تخفيها القوائم.
--------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

برلمان المال السياسي 2026