13 - 01 - 2026

الصين الصهيونية كما لم نعرفها من قبل (1)

الصين الصهيونية كما لم نعرفها من قبل (1)

منذ عقود، تشكّل في الوعي العربي تصوّر مريح عن الصين بوصفها القوة الكبرى “الأخلاقية” التي تقف على الضفة المقابلة للهيمنة الغربية، قوة صاعدة بلا ماضٍ استعماري مباشر في المنطقة، ولا تلوّثها شراكة معلنة مع المشروع الصهيوني، بل تبدو في التصور العام حليفاً طبيعياً لقضايا التحرّر والذود عن مظلومي العالم، وفي القلب منها فلسطين. ومع تصاعد الإبادة في غزة، تحوّل هذا التصوّر إلى حاجة نفسية وسياسية؛ فحين يغدو الغرب شريكاً كاملاً في الجريمة، يصبح البحث عن قطب بديل أقرب إلى غريزة دفاعية، وتقدّم الصين نفسها، بخطابها الهادئ وصمتها المحسوب، باعتبارها هذا البديل الممكن.

غير أنّ هذه الصورة، حين تُفكَّك خارج الانفعال الآني، لا تصمد طويلاً أمام التاريخ ولا أمام منطق الاقتصاد السياسي. فالعلاقة بين الصين والحركة الصهيونية ليست نتاج البراجماتية المعاصرة وحدها، ولا وليدة مرحلة “ما بعد الحرب الباردة”، بل تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين، وتحديداً إلى لحظة تشكّل الدولة الصينية الحديثة نفسها. ففي عام 1920، تلقّى صن يات سن Sun Yat Sen، مؤسّس الجمهورية الصينية، رسالة من أحد قادة الصهيونية في شنجهاي، مرفقة بمطبوعات دعائية للحركة، فجاء ردّه متعاطفاً وصريحاً إلى حدّ لافت، واصفاً الصهيونية بأنها من أعظم حركات العصر، ومؤكداً أنّ استعادة “الأمة اليهودية” مكانتها بين الأمم مشروع يستحق الترحيب (1و2). هذه الوثيقة، التي لا تزال محفوظة في الأرشيف الإسرائيلي، ليست تفصيلاً هامشياً، بل كاشفة عن كيفية نظر جزء من النخبة الصينية المبكرة إلى الصهيونية: لا كمشروع استيطاني كولونيالي، بل كحركة قومية حديثة تشبه، في خيالها، مسعى الصين نفسها للنهوض من الانحطاط.

في الخلفية، تبلور خطاب ثقافي يقارن بين “الحضارة الصينية” و”الحضارة اليهودية” بوصفهما من أقدم الحضارات المتواصلة في التاريخ (3و4)، وهو خطاب ساهم في إنتاج صورة إيجابية عن اليهود باعتبارهم شعباً مثابراً، ناجحاً اقتصادياً، جديراً بالتحالف والاستثمار. هذا الخيال لم يبقَ حبيس الكتب أو الصالونات الفكرية، بل انعكس عملياً في تحوّل مدن صينية كشنجهاي وهاربين إلى محطات عبور واستقرار لجماعات يهودية فاعلة، من بينها تيارات صهيونية يمينية. وفي أربعينيات القرن الماضي، لعبت الصين دوراً غير معلن في شبكات الدعم المالي والتنظيمي للحركة الصهيونية المسلحة، ففي العام 1947 قاد ناشطون بارزون، بينهم مردخاي أولمرت والد رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إيهود أولمرت، حملات لجمع الأموال وشراء السلاح لصالح منظمات إرهابية صهيونية، وهي وقائع تفتح أسئلة ثقيلة حول الدور غير المباشر الذي أدّته الصين في موازين القوى التي مهّدت لنكبة الفلسطينيين (5و6)وهنا يأتي السؤال الأهم: هل ساهمت الصين في قيام الكيان الصهيوني  في العام 1948؟!!

هذا لا ينفي أنّ الصين، في مرحلة لاحقة، ولا سيما خلال ستينيات القرن العشرين، تبنّت خطاباً ثورياً واضحاً، وقدّمت دعماً سياسياً وعسكرياً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورأت في الكفاح الفلسطيني جزءاً من معركة عالمية ضد الإمبريالية. في تلك اللحظة، بدت بكين فعلاً أقرب إلى حركات التحرّر، ووصفت إسرائيل صراحة بأنها دولة استعمار استيطاني. غير أنّ هذه المرحلة لم تكن تعبيراً عن موقف أخلاقي ثابت بقدر ما كانت نتاج موقع الصين آنذاك خارج النظام الدولي المهيمن. ومع الانفتاح على الولايات المتحدة في عهد نيكسون، ثم التحوّل العميق في نموذج التنمية الصيني، بدأت بكين تعيد تموضعها، منتقلة من “قاعدة خلفية” لحركات التحرّر إلى قوة صاعدة تسعى للاندماج في النظام العالمي لا إلى كسره.

منذ التسعينيات، استقرّ هذا التحوّل في صيغة يمكن وصفها بالحياد المنحاز: خطاب متوازن ظاهرياً، يؤكد دعم “حل الدولتين” وحقوق الفلسطينيين نظرياً، مقابل شراكات استراتيجية متنامية مع إسرائيل في مجالات التكنولوجيا والأمن والاقتصاد. هذا المسار أثار، عربياً، نقاشاً متأخراً، حاول بعضه الدفاع عن الصين عبر التمييز بين الدولة والمجتمع، وبين حسابات النخبة الحاكمة وتعاطف الرأي العام. غير أنّ هذا التمييز، على أهميته التحليلية، لا يغيّر من حقيقة جوهرية مفادها: "الصين، كقوة رأسمالية كبرى، تتحرك وفق منطق المصلحة لا وفق معيار العدالة".

المشكلة، إذن، ليست في “انحراف” الصين عن خطّ مفترض، بل في الوهم العربي نفسه الذي بحث عن بديل أخلاقي داخل بنية عالمية لا تنتج بدائل أخلاقية. فالصين ليست نقيض الغرب من حيث الجوهر، بل منافسه على موقع الهيمنة. الفارق بينهما هو فارق مرحلة وأدوات، لا فارق قيم. وفلسطين، في هذا السياق، ليست اختباراً أخلاقياً لبكين، بل ورقة تفاوضية ضمن صراع أوسع على النفوذ والأسواق والتكنولوجيا.

من هنا، يصبح رفع غطاء الوهم ضرورة سياسية ومعرفية معاً. فالصين ليست كتلة صمّاء ولا حليفاً مبدئياً، بل دولة أتقنت منذ نشأتها فنّ الموازنة بين الخطاب والمصلحة، وقدّمت المصلحة، مراراً، حين تعارضت مع فلسطين. إدراك هذه الحقيقة لا يعني الارتماء في أحضان الغرب، بل التحرّر من الحاجة إلى “إمبراطورية بديلة” نتوهّم طهارتها. في عالم تحكمه الرأسمالية، لا توجد قوى بريئة، بل مصالح تتقاطع، وشعوب تدفع الثمن. وفلسطين، للأسف، كانت وما تزال من أكثر من دفع هذا الثمن.

وللحديث بقية.
-------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكير

المصادر: 

[1] Sun Yat-sen, “Letter to N.E.B. Ezra (1920)”, 29 Rue Molière, 24 April 1920، نص الرسالة على ويكي سورس. https://en.wikisource.org/wiki/Letter_to_N.E.B._Ezra_(1920)

[2] Times of Israel, “China’s century-old support for Zionism surfaces in letter”, 10 February 2021. https://www.timesofisrael.com/chinas-century-old-support-for-zionism-surfaces-in-letter/

[3] Shalom Salomon Wald, “China’s Interaction with Israel and the Jewish People”, Jerusalem Center for Public Affairs. https://jcpa.org/article/chinas-interaction-with-israel-and-the-jewish-people/

[4] Vera Schwarcz (أو كاتب مشابه)، “Encounters Between Chinese and Jewish Civilizations”, Education About Asia, Association for Asian Studies. https://www.asianstudies.org/publications/eaa/archives/encounters-between-chinese-and-jewish-civilizations/

 [5] Jonathan Goldstein, “Betar China: The Impact of a Remote Jewish Youth Movement, 1929–1949”, Jerusalem Center for Public Affairs. https://jcpa.org/article/betar-china-the-impact-of-a-remote-jewish-youth-movement-1929-1949/

[6] Al-Estiklal, “Expert on China’s Foreign Policy: Beijing Colludes with ‘Israel’—Not a True Ally to Iran” https://www.alestiklal.net/en/article/palestinian-expert-china-colluding-with-israel-not-a-true-ally-to-iran


مقالات اخرى للكاتب

الصين الصهيونية كما لم نعرفها من قبل (1)