13 - 01 - 2026

انتباه | القاهرة على خطوط النار الإقليمية

انتباه | القاهرة على خطوط النار الإقليمية

لم يعد الإقليم العربي فضاءً سياسيًا مضطربًا فحسب، بل بات حقل اشتباك مفتوحًا تتقاطع فيه مشاريع التفكيك وإعادة التشكيل، وتتحرك خطوط النار بلا إعلان حرب أو توقيع سلام. 

لم تعد هذه الخطوط مرئية على الخرائط العسكرية وحدها، بل امتدت إلى الموانئ والممرات البحرية، وإلى الكيانات الهشة، والتحالفات الرمادية، والفراغات التي تُترك عمدًا لتملأها قوى خارج الإقليم. 

في عمق هذا المشهد، باتت إسرائيل تتحرك بحرية غير مسبوقة، لا بوصفها طرفًا في صراع، بل باعتبارها مركز ثقل يعاد حوله ترتيب المنطقة.

من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر، ومن غزة إلى القرن الإفريقي، تتكاثر بؤر التوتر التي تمس المصالح المصرية مباشرة، لا كاحتمال بعيد، بل كوقائع يومية تضغط على الأمن القومي المصري في عمقه الجغرافي والاستراتيجي.

خطوط النار هذه لا تستهدف دولة بعينها فقط، بل تستهدف فكرة الدولة العربية المركزية نفسها، وتسعى إلى تفكيك الأدوار التاريخية التي شكّلت، يومًا ما، حدًا أدنى من التوازن في الإقليم.

في هذا السياق، لا تقف القاهرة خارج المشهد، ولا تملك رفاهية الترقب أو الاكتفاء بتسجيل المواقف. 

مصر اليوم ليست مراقبًا لما يجري، بل واقفة على خطوط النار ذاتها؛ وكل صمت أو تردد أو حساب ضيق يتحول تلقائيًا إلى كلفة استراتيجية مؤجلة.

السؤال هنا ليس عمّا يريده الآخرون من مصر، بل عمّا تريده مصر لنفسها، ولموقعها، ولمستقبل الإقليم الذي كانت يومًا قلبه النابض.

في لحظات التحول الكبرى، لا يكون أخطر ما يواجه الدول هو الهزيمة المباشرة، بل الوقوف طويلًا في المنطقة الرمادية، حيث تُدار الأزمات من حولها بينما تُستنزف أوراقها ببطء. 

ومصر، بتاريخها وموقعها ووظيفتها الإقليمية، لا تنتمي إلى هذا الموقع الهش. فالفرجة ليست حيادًا، والانتظار ليس حكمة حين تتحرك خطوط النار صوب المصالح الحيوية، وحين يصبح الأمن القومي مهددًا لا بالشعارات، بل بالوقائع المتراكمة.

ما يجري في الإقليم اليوم لا يترك للقاهرة ترف الاكتفاء بالمراقبة أو التعليق الدبلوماسي. فالتصدعات المحيطة بها تمس شرايينها مباشرة: مياهها، وحدودها، ومجالها الحيوي، ودورها الذي لطالما شكّل عنصر توازن لا غنى عنه. 

وحين يُعاد تشكيل الإقليم على قاعدة تفكيك أو تهديد المراكز التاريخية، فإن الصمت يتحول من خيار سياسي إلى مشاركة غير مباشرة في مسار التهميش.

حجم المخاطر واضح وضوح الشمس، يحرض على الإسراع بتقرير كيفية التعامل معها. ومصر التي صمدت عبر تاريخها لأنها كانت تعرف متى تتقدم ومتى ترسم الخطوط الحمراء، مطالبة اليوم بأن تستعيد هذه البوصلة.

التحدي لم يعد مؤقتًا أو ظرفيًا، بل وجوديًا، يستهدف الدور قبل الأرض، والموقع قبل الحدود.

وهنا تحديدًا، يصبح لزامًا الانتقال من توصيف المشهد إلى مساءلة السياسات، ومن قراءة النيات إلى تقييم الأفعال. 

المشهد الإقليمي، بما يحمله من اصطفافات جديدة ومشاريع معلنة وأخرى مضمرة، يفرض على القاهرة أن تعيد النظر في علاقاتها وتحالفاتها، ليس من باب الخصومة، بل من باب حماية الذات والدور.

إن مراجعة السياسة المصرية تجاه الدور الإماراتي لا تنبع من خلاف عابر أو تباين في وجهات النظر، بل من ضرورة استراتيجية فرضها تحوّل هذا الدور من شريك عربي إلى فاعل إقليمي مستقل بحساباته، واسع الحضور ومتعدد المسارات. 

لم تعد تحركات أبو ظبي محصورة في أطر التنسيق العربي التقليدي، بل امتدت إلى ساحات تتقاطع فيها المصالح العربية مع مشاريع دولية وإسرائيلية، في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.

لقد بات واضحًا أن سياسة "أبو ظبي" تتعامل مع الإقليم بمنطق إدارة التوازنات عبر النفوذ والاقتصاد والأمن، لا بمنطق حماية الإجماع العربي أو ترميم ما تبقى منه. 

من ليبيا إلى السودان، ومن شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي، تظهر أبو ظبي كقوة تسعى إلى ملء الفراغ، لكنها في كثير من الأحيان تساهم، بقصد أو بغير قصد، في تعميق الانقسامات بدل احتوائها. 

وهنا تحديدًا يبدأ التناقض مع المصالح المصرية، التي لا ترى في التفكيك مدخلًا للاستقرار، ولا في تعدد الكيانات بديلًا عن الدولة الوطنية الجامعة.

القضية لا تتعلق بالنوايا، بل بالنتائج. فالاعتراف العملي بكيانات خارج الإجماع العربي، كما في حالة أرض الصومال، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ على حساب وحدة الدول وحدودها. 

بالنسبة لمصر، التي تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي باعتبارهما امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، فإن مثل هذه السياسات لا يمكن المرور عليها باعتبارها شؤونًا بعيدة أو هامشية.

من هنا، تصبح المراجعة المصرية واجبة، لا باعتبارها رد فعل، بل كإعادة تعريف للموقع والدور. فالقاهرة لا تطلب وصاية على أحد، لكنها أيضًا لا تقبل أن تُدار التحولات الإقليمية بمعزل عنها، أو أن تُفرض عليها نتائج سياسات لم تكن شريكًا في صياغتها. 

المطلوب وضوح متبادل، وحدود سياسية صريحة، تعيد ضبط العلاقة على قاعدة المصالح العربية العليا، لا على حسابات النفوذ المنفرد.

إن استعادة زمام المبادرة المصرية لا تعني القفز إلى مواجهات غير محسوبة، ولا الدخول في صراعات استنزاف جديدة، بل تعني أولًا كسر منطق التكيّف مع الوقائع المفروضة، واستعادة القدرة على الفعل لا الاكتفاء بردّ الفعل.

مصر التي شكّلت لعقود طويلة ميزانًا للعقل العربي، لا يمكنها أن تقبل بدور الشاهد الصامت على إعادة هندسة الإقليم بما يتناقض مع مصالحها وهويتها ودورها التاريخي.

المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج شعارات كبرى، بل صياغة موقف مصري واضح، يستند إلى قراءة صريحة لخريطة النار الإقليمية، ويعيد تعريف العلاقات والتحالفات على أساس الأمن القومي العربي، لا على أساس إدارة النفوذ أو شراء الوقت. 

القاهرة، كانت ـ وما تزال ـ بحكم موقعها وثقلها، تملك القدرة على أن تكون قوة كبح لمسار التفكك، إن استعادت القدرة على استخدام أوراقها، وأحسنت اختيار لحظة وكيفية التدخل.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مصر في هذه المرحلة هو الانزلاق إلى موقع المتفرج، أو القبول بأن تُدار المنطقة من خارجها، أو أن تتحول التوازنات الجديدة إلى أمر واقع لا يُناقش. 

الصمت في لحظات التحول ليس حيادًا، بل تموضع، وغالبًا ما يكون تموضعًا ضد المصالح بعيدة المدى.

لهذا، فإن اللحظة الراهنة تضع القاهرة أمام خيار لا يحتمل التأجيل: إما أن تستعيد دورها كقوة مركزية قادرة على حماية الحد الأدنى من وحدة الإقليم وتدافع عن مصالحه الكبرى، أو أن تترك خطوط النار تتمدد حتى تلامس قلبها مباشرة. 

التاريخ لا يرحم الدول التي تتأخر عن قراءة إشاراته، ولا يمنح فرصة ثانية لمن اختار الوقوف طويلًا خارج الفعل.

القاهرة اليوم على خطوط النار الإقليمية، وما ستقرره الآن لن يحدد فقط شكل سياستها الخارجية، بل سيحدد موقعها في التاريخ العربي القادم: دولة تصوغ التوازن، أم دولة تُسجل ملاحظاتها على هامش مشهد صُنع من دونها.
---------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

انتباه | القاهرة على خطوط النار الإقليمية