13 - 01 - 2026

ألحان السماء ودولة التلاوة (4)

ألحان السماء ودولة التلاوة (4)

منذ انطلاقه، قدّم برنامج دولة التلاوة فكرة جديدة تقوم على تحويل التلاوة من مجرد أداء فردي إلى مشروع جماعي يحمل جينات طين المحروسة، ويرسم ملامح شخصيتها بمكوناتها المتنوعة الفريدة من علماء، ووطنيين، ومفكرين، وأدباء، وشعراء، وفنانين، وعمال، كان كل منهم نقطة تراصت إلى جوار بعضها البعض فصنعت وجهًا أسمر اللون، (كَالْخَمْرَةِ فِي اَلنُّورِ اَلْمُذَابِ)، كما تخيله الشاعر الفذ علي محمود طه، في قصيدته "كليوباترا".

في خضم شلالات النور هذه، يبرز أصوات القُراء الشباب، لتُعيد الاعتبار لمدرسة التلاوة المصرية التي اشتهرت عالميًا منذ بدايات القرن العشرين، ولتؤكد مقولة (المحروسة ولادة)، ليس في دولة التلاوة فقط، بل وفي كل المجالات، وما المحروسة بعقيم.

تعتمد الفكرة الجوهرية للبرنامج على أن التلاوة ليست مجرد فن صوتي يقف عند حدود جمال الصوت وحُسنه، بل رسالة روحية. فالصوت النقي الملتزم بأحكام التجويد، العالم بالمعاني، ما ظهر منها وما بَطن، يمكن أن يكون جسرًا يصل القلوب بالقرآن الكريم. لذلك، جاء البرنامج ليؤكد أن مصر ما زالت قادرة على إنتاج قُراء كبار، من العيار الثقيل، قادرين على حمل هذا التراث وتطويره، في وقت تتعرض فيه التلاوة لتحديات التقليد والسطحية.

فضلاً عن ذلك، يقدّم البرنامج منصة تعليمية وتربوية، حيث يتلقى المتسابقون ملاحظات أعضاء لجنة تحكيم تضم قامات وخبراء في أحكام التلاوة والمقامات وشرح المعاني والرسائل، وسط تفاعل مباشر بين المتسابقين واللجنة والجمهور نجح في خلق حالة من الحماس والرهبة، وأعاد إلى الأذهان أجواء المنافسات الكبرى التي كانت تقام في المساجد والمنتديات الثقافية.

 متنافسون يرسمون بتنوعهم ثراء ربوع أم الدنيا بقُراء القرآن الكريم. تجاوز عدد المتقدمين أربعة عشر ألفًا، بمتوسط خمسمائة لكل محافظة، ما يشير إلى تلك الروح الخفية، وإلى التدين المفطور عليه عموم المصريين، كما يعكس الرقم أيضًا شغفًا واسعًا لدى الشباب بالانضمام إلى هذا المشروع. 

وفي ثنايا تلك المنافسات، تجلت مواقف إنسانية خطفت القلوب؛ فكم من شيخٍ وقور غلبه الدمع وهو يستمع إلى ترتيل طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، بينما فاق بصوته من هم أضعاف سنه حضورا. أيضًا، تحولت لجنة التحكيم إلى مدرسة تُعيد تعريف العلاقة بين الشيخ والتلميذ في محراب التلاوة، فتجاوزت دورها في تصويب أو تنبيهٍ إلى تحري المعنى لفظًا وصوتا، في تأكيد على ضرورة مخاطبة القلب قبل الأذن، وليصبح التجويد روحًا تسري في ثنايا الصوت، بهدف الوصول بالكلمة الإلهية ومعانيها إلى أبعد مدى في شغاف القلوب.

جانب آخر يستحق الإشادة به، ألا وهو دور الأسرة التي نشأ وتربى فيها هؤلاء المتسابقون، فخلف كل صوتٍ نديٍّ أبٌ صابر، وأمٌّ حافظة، وبيتٌ بسيط المائدة قبل أن يكون زينة المسابقة. تنشئةٌ بدأت في الكُتّاب أو المسجد، وسُقيت بالقدوة قبل التعليم، فكان الحصاد أصواتًا تعرف معنى الالتزام قبل أن تتقن المقام. ولعلنا لاحظنا أن عموم المتسابقين جاءوا من قلب الريف من محافظات شتى، نشأ أغلبهم في بيوت بسيطة الحال جعل من القرآن رفيقًا ومؤنسا، بيوت عامرة بالإيمان، صبروا وصابروا حتى يصلوا بأولادهم إلى هذا المستوى. 

وقبل ختام المقال، ومن باب ردّ الفضل إلى أهله، لا بد من الإشارة إلى أن عمّنا محمود السعدني هو من نحت مصطلح "دولة التلاوة"، ذلك الوصف البليغ الذي التقط مبكرًا خصوصية الظاهرة المصرية في التعامل مع القرآن صوتًا ورسالة. كما نبّه السعدني، في كتابه مسافر بلا متاع، إلى الدور المحوري للكتاتيب في صناعة القُرّاء الكبار، بوصفها الحاضنة الأولى للموهبة والانضباط، وهو طرحٌ استبق به زمنه، ويستدعي اليوم إعادة قراءة جادة في ضوء محاولات إحياء هذا الدور بعد عقود من الغياب.

وفي النهاية، يقدّم برنامج دولة التلاوة أكثر من مجرد مسابقة، كونه مشروعًا لإحياء قيمة الصوت النقي والتأكيد على أن التلاوة عبادة ورسالة إيمانية، واستكمالاً لتاريخ طويل من الأصوات المصرية التي ملأت الدنيا نورًا وخشوعًا في زمن كثرت فيه المحاكاة والتقليد. والتأكيد على أن الدولة التي أنجبت مشايخ من طراز المنشاوي وعبد الباسط ومصطفى إسماعيل، لا ينقصها الصوت، بل الاستمرارية، وما يسري على التلاوة، يسري على باقي المجالات.

(نكمل في مقال قادم)
----------------------
بقلم: د.م. 
محمد مصطفى الخياط
[email protected] 

مقالات اخرى للكاتب

ألحان السماء ودولة التلاوة (4)