12 - 01 - 2026

تجار الحقيقة المطلقة

تجار الحقيقة المطلقة

(الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية). هذه المقولة مستمدة من الفلسفة الكونية والطبيعية وهى فلسفة (الثنائية) . والتناقض الظاهر فى الثنائية هو تناقض شكلى وليس جوهريا. فإذا كان النور نقيض الظلام، فكلاهما على خط واحد ثنائى يختلف فى الدرجة صعودا وهبوطا. ولذا كانت إرادة الله فى وحدانية الخلق للإنسان مع التعددية الدينية التى تعتمد على حرية الاختيار التى هى الطريق للحساب الأخروى. (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) (فى بيت أبى منازل كثيرة).

فهل نحن بالفعل نعيش ونمارس فضيلة الاختلاف التى لا تفسد للود قضية؟ أم أننا نتصور وندعى أن كلا منا يمتلك الحقيقة المطلقة، وهنا تكون حواراتنا وخلافاتنا فى إطار الحروب الصفرية التى تكون نتيجتها إما أنا وإما أنت؟ لقد ظهر ذلك السلوك كالعادة بعد وفاة دكتور مراد وهبة! وجدنا من ينحاز إلى فكره ومن يرفض ذلك الفكر رفضا مطلقا. واذا كان هذا واردا ولكن غير الوارد أن يتحول ذلك الخلاف الفكرى إلى اختلاف وصراع ومواجهات لا علاقة لها بمنطق أو موضوعية، ولكن شاهدنا ساحات للصراع لا علاقة لها بآداب الحوار ولا بمراعاة القيم الإنسانية أو الدينية التى تحترم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان حتى فى حالة الخلاف. بداية فالدكتور مراد وهبة بلدياتى من القوصية أسيوط (من عائلة القمص) وقد تزاملنا فى حزب التجمع التقدمى. اختلفت وأختلف مع دكتور مراد فى رؤيته فى عملية السلام مع اسرائيل وكنت مع المرحوم سعد الدين وهبة فى مواجهة ورفض جماعة كوبنهاجن التى تبناها د. مراد مع المرحوم لطفى الخولى. ولكن هل الخلاف معه فى تلك القضية تجعلنا نحول الخلاف بالمطلق مع كل أفكار مراد وهبة؟ بالقطع لا. أما نقاط الاتفاق كانت مع رؤية مراد فى تفعيل العقل فى إطار الموضوعية التى ترفض الأحكام والآراء المطلقة التى ترفض الآخر، أى اخر وعلى كل المستويات. كما أن التصور بأننا نملك تلك الحقيقة المطلقة هى فى حقيقة الأمر وهما عقليا وموروثا متجمدا يساهم فى تجميد الفكر وإغلاق العقل. كما أن دكتور مراد تبنى العلمانية التى لا ترفض الدين ولكن العلمانية التى لا تفصل الدين عن المجتمع ولكن عن السياسة حتى لا نسخر الدينى لصالح السياسى. ولذا كان هو ضد الأصوليات الدينية بشكل عام وليس ضد أصولية بذاتها. ولذا نجد أن أصحاب الأصوليات الدينية إسلامية أو مسيحية يرفضون ذلك الفكر. كما أنه دعا الى التفكير النسبى وليس التفكير المطلق. حيث أن التفكير بما هو مطلق يرفض رفضا قطعيا أى فكر أو رؤية أخرى، ورفض الاخر يتطور إلى التخلص منه وليس بمقارعة الحجة بالحجة والرأى بالرأى. هنا يجد الإرهاب طريقا للوجود والتواجد. 

والفكر النسبى يعنى أن أى فكر يخضع للصواب والخطأ ولا يوجد مقدس غير الله سبحانه وتعالى. أما الفكر البشرى فهو غير مقدس. ونرى ذلك عمليا فى إطار الكتب المقدسة، فبالرغم من وحدانية الكتاب نجد هناك الطوائف المتعددة نتيجة للتفسير البشرى للنص المقدس. هنا نقول لا أحد مقدس ولا أحد فوق النقد ولا رأى يقبل دون حوار ونقاش بالقبول أو الرفض. 

أختلف مع فكر مراد وهبة. أرفض فكره. ولكن بموضوعية وبرأى مقابل الرأى. هنا فما علاقة رفضك له بأنه كافر ولا يستحق الرحمة وسيذهب إلى جهنم ؟! هل لأنه مسيحى وأنت مسلم تنتمى لأصولية دينية؟ هل أنت مفوض من الله سبحانه وتعالى وقد علمت من سيذهب إلى الجنة ومن سيذهب إلى النار؟! هل تعلم أنك عندما تكفر شخصا يختلف معك فهو أيضا يقوم بنفس العمل وسيكفرك؟ وهل تستقيم الحياة التى وهبها الله للبشر أجمعين بعيدا عن اسم الديانة حتى يكون الصراع والتصارع بديلا للمحبة والتوافق؟ 

الأديان ياسادة تتفق فى المقاصد العليا التى تجعل الإنسان هدفها. ولكن نحن الذين نحول الأديان إلى ايدلوجيات دينية وسياسية واجتماعية للتمايز والتفاخر. ولذا فنحن نستغل الدين فى غير ما يريد الدين ونتاجر ونتوهم أننا نمتلك الحقيقة المطلقة، ولا نعلم أن الحقيقة المطلقة هى الله وحده سبحانه وتعالى. اختلف واتفق.ارفض أو اقبل بموضوعية وبعد حوار راق يعلى من القيم الإنسانية . حفظ الله مصر وشعبها العظيم.
-------------------------------
بقلم: جمال أسعد

مقالات اخرى للكاتب

تجار الحقيقة المطلقة