12 - 01 - 2026

"زلزال الشفاء" من الشرق: تحالف صيني روسي يهدد عرش الـ 2.6 تريليون دولار لـ "بيج فارما"

- ثورة "المناعة السيادية".. حين يكسر الشرق قيد المختبرات

منذ عقود، والعالم يرزح تحت وطأة "دبلوماسية الدواء"، حيث تحولت العقاقير المنقذة للحياة إلى أوراق ضغط سياسية وأدوات للهيمنة الاقتصادية. لطالما كان الغرب هو "الصيدلية الوحيدة" التي تملك مفاتيح الشفاء، يمنحها بشروطه ويمنعها بجرة قلم من مؤسساته العابرة للقارات. لكن المشهد العالمي اليوم يمر بمنعطف تاريخي يشبه لحظة اكتشاف المضادات الحيوية، ليس فقط من الناحية العلمية، بل من حيث "التحرر الأخلاقي" لصناعة الدواء.

نقف أمام تحالف صيني روسي لا يكتفي بمنافسة المنتجات الغربية، بل يسعى لنسف "النموذج الربحي" الذي قامت عليه إمبراطوريات الصيدلة لعقود. هذا التحالف يعيد تعريف مفهوم الأمن القومي ليكون "الأمن الحيوي" في طليعته، مراهناً على أن القوة القادمة لن تُقاس بعدد الرؤوس النووية، بل بالقدرة على تحويل الأمراض التي كان يُعتقد أنها "حكم بالإعدام" إلى مجرد ذكرى عابرة متاحة للفقراء قبل الأغنياء. نحن لا نرقب مجرد اتفاقية تجارية، بل نرقب ولادة "قطب طبي عالمي" يهدف إلى تجريد المرض من سلاحه المالي، وتحويل المختبر من ساحة لجمع الأرباح إلى محراب لخدمة البشرية.

زلزال في عالم الطب

تشهد الساحة الدولية تحولاً جذرياً يتجاوز الصراعات العسكرية والسياسية، حيث تستعد الصين وروسيا لتوجيه ضربة قاصمة لمنظومة "البيج فارما" الغربية. هذا التحالف يهدف إلى كسر احتكار شركات الأدوية التي تتحكم في سوق عالمي من المتوقع أن تصل قيمته إلى 2.6 تريليون دولار بحلول عام 2030. الخطة تعتمد على تقديم بدائل علاجية ثورية بأسعار زهيدة أو حتى مجانية، مما يهدد أسس الربحية التي تقوم عليها الصناعة الدوائية في الغرب.

الوجبة الأدبية: حكاية "صيدلية القلعة" وفجر الشرق

كانت هناك مدينة شاسعة، يمرض سكانها كثيراً، ولا يملكون للشفاء سبيلاً إلا بزيارة "قلعة الجليد" القابعة في أقصى الغرب. كان حكيم القلعة يملك قارورة سحرية تسمى "إكسير النجاة"، لكنه لم يكن يمنح قطرة واحدة منها إلا مقابل كيس من الذهب أو رهن حياة المريض في خدمة القلعة للأبد. كانت القلعة تزداد ثراءً بآلام الناس، وكلما زاد الأنين، زادت الأسوار ارتفاعاً.

وفي ليلة شتوية شديدة البرودة، وبينما كان الناس يصطفون يائسين أمام بوابات القلعة، ظهر ضوء غريب من جهة الشرق. لم يكن مجرد برق، بل كان تحالف بين "تنين" عظيم يملك نيراناً تصهر المستحيل، و"دب" حكيم يحمل في جعبته أسراراً جينية فكت طلاسم المرض العضال الذي استثمرت فيه القلعة طويلاً.

لم يفتح التنين والدب متجراً جديداً ليبيعوا فيه الأمل؛ بل قاموا بتوزيع "بذور الإكسير" على الناس في الساحات العامة. قال الدب بوقار: "هذا السِرُّ ملكٌ لكل من يتنفس"، بينما زأر التنين معلناً أن مصانعه ستنتج من هذا الشفاء ما يكفي الأرض والسماء دون مقابل.

في تلك اللحظة، بدأت أسوار "قلعة الجليد" بالتشقق، ليس بفعل المدافع، بل لأن "الذهب" لم يعد له قيمة أمام "الشفاء المباح". أدرك الجميع حينها أن القيد لم يكن في المرض نفسه، بل كان في يد من يملك المفتاح ويرفض أن يديره إلا بمقابل. ومع أول شعاع لشمس ذلك اليوم، أشرق العالم على حقيقة جديدة: أن النجاة حين تصبح حقاً، يسقط الطغيان ولو كان خلف جدران المختبرات.

تقنية عمل لقاح السرطان الروسي: جراحة جينية دقيقة

يعتمد اللقاح الروسي الثوري (مثل "إنتروميكس") على تقنية الرنا المرسال mRNA) ) المتقدمة، ولكن بآلية عمل علاجية وليست وقائية:

1) التخصيص الشخصي: يتم أخذ عينة من الورم السرطاني ومن الدم لكل مريض على حدة، ثم يتم تحليل "البصمة الجينية" للورم باستخدام الذكاء الاصطناعي.

2) تشفير التعليمات: يقوم اللقاح بحمل "شفرة جينية" (تعليمات) تُحقن في جسم المريض، لتعلم جهازه المناعي كيفية التعرف على البروتينات الخاصة بالخلايا السرطانية فقط.

3) الهجوم المناعي: بمجرد دخول اللقاح، تبدأ الخلايا المناعية خلايا تي  (T)   في مطاردة وتدمير الخلايا السرطانية في أي مكان بالجسم، مما يمنع انتشار المرض أو عودته، دون الإضرار بالخلايا السليمة كما يفعل العلاج الكيميائي التقليدي.

المواجهة الاقتصادية: لغة الأرقام الصادمة

لم تعد المنافسة مجرد أبحاث، بل هي حرب أرقام؛ حيث تستهدف الصين وروسيا حصة الشركات الغربية التي تسيطر حالياً على 36% من السوق العالمي. وبينما يتوقع الخبراء أن يصل الإنفاق العالمي على أدوية الأورام وحدها إلى 273 مليار دولار في عام 2025، تأتي الخطوة الروسية بتقديم اللقاح مجاناً لمواطنيها وبأسعار مدعومة للصين كبديل مدمر لهذه الأرباح. كما تسعى روسيا لرفع نسبة استقلالها الدوائي إلى 70% بحلول عام 2030، بينما دخلت 20 شركة صينية بالفعل ضمن قائمة أكبر 50 مطور للأدوية المبتكرة عالمياً، مما يعني أن الهيمنة الغربية باتت محاصرة من الشرق تقنياً واقتصادياً.

بناءً على المعطيات الراهنة والتحركات الدبلوماسية الدوائية الأخيرة في عام 2025 وبدايات 2026، يمكن توقع أثر هذا التحالف الصيني الروسي على سوق الدواء في مصر من خلال النقاط التالية:

1. توطين التكنولوجيا (لقاح السرطان نموذجاً)

مصر ليست مجرد مستهلك في هذه الخطة، بل شريك استراتيجي؛ حيث بدأت بالفعل مباحثات موسعة في أواخر عام 2025 لـ توطين لقاح السرطان الروسي "إنتروميكس" (EnteroMix) داخل المصانع المصرية.

•الأثر: تحول مصر إلى مركز إقليمي (Hub) لتصنيع اللقاحات الجينية وتقنية الرنا الرسول  mRNA  وتصديرها لأفريقيا والشرق الأوسط، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد بالعملة الصعبة.

2. كسر احتكار الأسعار والشركات الكبرى

سوق الدواء المصري يعاني من ضغوط أسعار الأدوية المبتكرة (البراند) الغربية، خاصة في مجال الأورام.

• الأثر: دخول البدائل الحيوية (Biosimilars) الصينية والروسية بأسعار تقل بنسبة 30% إلى 50% عن مثيلاتها الغربية سيجبر الشركات العالمية في مصر على مراجعة سياسات التسعير الخاصة بها للحفاظ على حصتها السوقية، مما يصب في مصلحة المريض المصري وميزانية "التأمين الصحي الشامل".

3. السيادة الدوائية وتقليل الفاتورة الاستيرادية

تستهدف مصر زيادة حصة التصنيع المحلي لتصل إلى مستويات قياسية.

• الأثر: من خلال الاتفاقيات المتبادلة مع بكين وموسكو، ستحصل مصر على المواد الخام الدوائية (APIs) بأسعار تفضيلية بعيداً عن تقلبات الدولار، مما يساهم في استقرار أسعار الدواء محلياً وتجنب النقص في الأصناف الحيوية.

4. التحول نحو "الرقمنة والذكاء الاصطناعي" في التشخيص

التعاون مع شركات مثل "هواوي" والجانب الروسي لن يقتصر على الدواء، بل سيمتد لأنظمة التشخيص الذكي.

• الأثر: تسريع وتيرة اكتشاف الأمراض في مصر عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية، مما يقلل من تكلفة العلاج المتأخر الذي يستنزف موارد الدولة.

خلاصة الأثر على مصر:

سيؤدي هذا التحالف إلى "تحرير" سوق الدواء المصري من التبعية المطلقة للمعايير الغربية (مثل FDA و(EMA) والتوجه نحو معايير "القطب الشرقي" التي تتناسب أكثر مع اقتصاديات الدول الناشئة. الاستفادة الكبرى لمصر ستكون في خفض فاتورة علاج السرطان بنسبة قد تصل إلى 60  % خلال السنوات الخمس القادمة إذا ما تم تفعيل الإنتاج المحلي للقاح الروسي بنجاح.

خارطة الطريق نحو سيادة صحية

إن الاستفادة العظمى من هذا التحالف تكمن في فرض واقع جديد يُجبر العالم على إعادة النظر في قوانين براءات الاختراع الجائرة. نجاح هذا المسار يعني أن الدول النامية لن تضطر بعد الآن للانتظار لسنوات للحصول على أدوية بأسعار معقولة. نحن أمام مشهد يعيد صياغة "السيادة الوطنية" لتشمل القدرة على علاج المواطنين بعيداً عن ضغوط الخارج، مما يجعل من الصحة جسراً للتحرر السياسي والاقتصادي، ويؤسس لعصر يكون فيه الإنسان، لا الربح، هو مركز الاهتمام العلمي.
---------------------------------
تقرير - إيهاب محمد زايد