المثل الشعبي يقول: اللي معاه قرش محيّره يجيب حمام ويطيره، فما بالك… بمن معه أساطيل وجيوش ونفطا؟
الأسبوع الماضي، بدا العالم كأنه يستيقظ على نشرة أخبار من زمن الإمبراطوريات البحرية، لكن هذه المرة بعدسات رقمية وتصريحات تبث على الهواء مباشرة، الولايات المتحدة لم تكتفِ بإدارة السياسة من بعيد، بل قررت أن تنزل إلى الميدان، فدخلت فنزويلا وأخرجت رئيسها نيكولاس مادورو مكبلاً، كما تُنتزع الغنائم بعد مطاردة طويلة، واشنطن قالت إنها عملية قانونية بحق متهم بتجارة المخدرات، رغم أنه بعد أيام قليلة برأته إحدى المحاكم من إحدى التهم، أما كراكاس فوصفت ما جرى بأنه اختطاف سياسي، وبين الروايتين العالم يشاهد هذه الكوميديا السوداء: دولة يُعتقل رئيسها على مرأى المجتمع الدولي، رسالة واضحة لا تحتاج إلى شرح: من يمتلك القوة، يمتلك تعريف الشرعية، النفط الفنزويلي عاد إلى صدارة المشهد، وكأن خطابات الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست سوى موسيقى تصويرية لفيلم قديم حفظناه على مر السنين: سيطرة على الطاقة سيطرة على القرار.
لم تتوقف الحكاية عند سواحل أمريكا اللاتينية، ففي عرض المحيط الأطلسي، احتُجزت ناقلة نفط روسية بتهمة تهريب بترول إيراني، مشهد آخر يعيد إلى الأذهان زمن القراصنة، مع فارق أن القراصنة الجدد يرتدون بدلات رسمية ويبررون أفعالهم بلغة القانون الدولي، موسكو وصفت ما حدث بالقرصنة الحديثة، وواشنطن وصفته بتطبيق العدالة، وبين الوصفين مسافة تحددها موازين القوة.
في الخلفية، تغلي إيران، ففي أواخر ديسمبر وإثر انهيار قيمة العملة والارتفاع الحاد في الأسعار وتفاقم التضخم حتى تجاوز مستويات قياسية، اندفع التجار والعمال والطبقات الشعبية إلى الشارع مطالبين بالعيش الكريم والحياة المستقرة، بعيداً عن وعود لم تتحقق واقتصاد يتدهور تحت وطأة العقوبات والفساد، مع اتساع رقعة المظاهرات من سوق طهران إلى مدن كبرى أخرى، لم تعد المطالب مقتصرة على الخبز والرز، بل تطورت إلى مطالب برحيل نظام المرشد، الذي يجمع بين السلطة الدينية والسياسية، في المقابل، وصف كبار المسؤولين في الدولة المتظاهرين بأنهم "مثيرو شغب" و"أعداء الوطن" و"عملاء للقوى الأجنبية" تسعى لتقويض الجمهورية بدعم أميركي وإسرائيلي، وأن عناصر من المخابرات الأجنبية تعمل على "زرع الفتنة"، و"جماعات إرهابية" تقود المظاهرات وتسعى لإسقاط النظام.
أسبوع حافل، ثلاث عواصم تتبادل الرسائل فوق طاولة النفط والعقوبات والردع، فيما تراقب الأسواق سعر البرميل كما يُراقَب نبض مريض في غرفة العناية المركزة، هذا غير العواصف والزلازل التي بدأت منذ أول أيام 2026، إن العالم لا يعيش حرباً شاملة، بل يعيش اشتباكاً دائماً، سفن تُحتجز، رؤساء يُقتادون إلى المحاكم، وعقوبات تُفرض، وتصريحات تُطلق كالسهم، حروب بلا خنادق، لكنها تخلّف الأثر ذاته: خوف، ارتباك، واقتصاد عالمي على حافة القلق، وسط هذا الضجيج، يجلس شخص مثلي من حزب الكنبة أمام شاشته متسائلاً: ما أثر هذه الصراعات على حياتي اليومية؟ ندرك أن الإجابة هي: أسعار ترتفع، أسواق تضطرب، وحكومات تشدد قبضتها الداخلية تحت عنوان الأمن القومي.
اللافت أن لغة هذا الأسبوع لغة فرض القوة، لا تسويات هادئة أو حلول وسط، فقط الردع، السيطرة، التحذير، العقاب، كأن النظام الدولي فقد شهيته للدبلوماسية، واكتشف من جديد متعة ليّ الأذرع، الساحة الدولية لم تعد نادياً للنقاش، بل ميداناً مفتوحاً، يكتب قواعده من يملك العصا الأطول، وما دام ميزان القوة مختلاً… فسيظل العالم يكتب قوانينه على سطح البحر.
------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






